هآرتس: هكذا يصبح أكثر من مليوني شخص في غزة "ضرراً عارضاً" في نظر قادة إسرائيل

2022-08-09

 هآرتس: هكذا يصبح أكثر من مليوني شخص في غزة "ضرراً عارضاً" في نظر قادة إسرائيل (ا ف ب)

شيرين وجنين، طفلتان بعمر شهرين من غزة، أصيبتا إصابة طفيفة في الهجمات، تم تصويرهما ملفوفتين بملابس الأطفال البيضاء، وفي فمهما مصاصتان كبيرتان، وعلى الوسادة بجانب كل منهما وضعت شهادة الولادة، ووجه كل واحدة منهما مغطى بقميص أكبر من مقاسها، مطبوع عليه صورة الصحافية شيرين أبو عاقلة. “من فلسطين المحتلة، معكم شيرين أبو عاقلة”، كتب تحت الصورة. في صورة أخرى هناك صورة لطفل يبكي وقرب وجهه شظايا زجاج، ويقول العنوان “بنك الأهداف الإسرائيلي في غزة”.

في حساب تويتر بعنوان “غزة الآن” الذي ظهرت فيه هذه الصور، رفعت صورة قطة صغيرة وهي مذعورة على شظايا زجاج وخلفها مبنى سكني مدمر وحوله أطفال يصورونه بهواتفهم المحمولة. هناك أحد بالتأكيد فكر، وبحق، بأن صورة القط الصغير ستصدم وتؤثر في المتصفحين أكثر من صور الشيوخ المصابين وصور هدم البيوت أو صور الأطفال الذين لا يعثرون على آبائهم. نشر في هذا الحساب أيضاً دعوات لمنظمة الإغاثة “إكرام” من أجل التبرع بالمساعدات لإعادة إعمار البيوت المدمرة. تقول الرسالة إن الهدف هو الوصول إلى 100 ألف دولار، وحتى كتابة هذه السطور تم التبرع بمبلغ 8863 دولاراً فقط من 164 متبرعاً.

في الهاشتاغ الشعبي عبر تويتر “غزة تحت القصف”، المتصفحون غاضبون من نفاق الدول العربية. “ليست أوكرانيا، هذه غزة. هل هذا يعنيكم أصلاً؟”، سألت متصفحة. وبعد ذلك، تظهر على الفور صور لأربع طفلات مذعورات وتحتها صورة لطفلتين من غزة. “هؤلاء هم أطفال غزة الذين تبارك الولايات المتحدة قصفهم”، كتب. وسائل الإعلام الغربية نشرت كاريكاتيراً ناقداً على شكل رجل سمين وهو يستريح على أريكة وفي فمه سيجار وهو ينظر بملل إلى مشاهد الحرب. ولكن عندما تظهر أفلام الحرب من أوكرانيا ينقض بغضب على التلفزيون وكأنه يريد تحطيمه. بعد ذلك، أفلام لأب يحمل في حضنه ابنه الذي قتل، وعشرات الشباب والأطفال حوله يحاولون الوصول إلى الطفل وتقبيله القبلة الأخيرة. لا نعرف من الفيلم إذا كان الطفل قتل بالقصف الإسرائيلي أو من إطلاق فلسطيني فاشل، حسب قول الجيش الإسرائيلي، أي حادثة عمل. ولكن من الذي يهمه قتل الطفل. المهم هو: من هو ليس متهماً بقتله.

لكل الأطفال والنساء الذين قتلوا والشيوخ الذي بقوا بدون مأوى، ربما ليس للمرة الأولى، وللوالدين العاجزين، صفة جماعية واحدة، وهي “ضرر عارض”. وهذا الضرر لا أهمية أو معنى أو قيمة له. هو ليس وديعة غالية الثمن في بنك الأهداف، وأيضاً ليس شخصية رفيعة، التي تضمن تصفيتها انهيار البنية التحتية. لا يمكن التباهي به أو عرضه بصورة النصر. لقد أصيب لأنه كان هناك، بدلاً من الاختباء في الملجأ أو الانتقال إلى مكان أكثر أمناً، ربما إلى متنزه للملاهي أو إلى أقارب يمكنه الانتعاش لديهم. حيث ملاجئ في غزة، ولا مكان للهرب إليه. ومن أصلاً سيعطيهم تصريحاً للذهاب إلى الضفة الآمنة والهادئة أو إلى إيطاليا؟

أكثر من مليوني نسمة، سكان غزة، يعتبرون إمكانية كامنة لـ “الضرر العارض”، الذي تحول إلى مرادف لـ “الأشخاص غير المشاركين”. الأساس أن لا يعتبروا بشراً، طلاباً، ربات بيوت، مرضى سرطان، نساء حوامل، أو أي صفة أخرى قد تثير التعاطف، أو لا سمح الله التماهي. ولكن مع ذلك، ثمة فرق كبير بين هذين المصطلحين. قد يحدث الضرر العارض لمصنع مشروبات أو مبنى سكني أو مخزن لمواد البناء، أيضاً لبني البشر.

في المفهوم المجرد شيء مهدئ، مقابل “غير المشاركين” الأكثر تحديداً، الذي يتعلق مباشرة بالبشر، ولذلك يفضل التوقف عن استخدامه. لأنه لا يوجد أشخاص غير مشاركين في غزة. جميع سكانها محبوسون في القفص الذي بنته إسرائيل قبل 16 سنة. جميعهم بحاجة إلى خدمات حماس أو الجهاد الإسلامي. من يريد الحصول على تصريح عمل أو السفر إلى مصر أو زيارة مستشفى في الضفة أو الدراسة في الجامعة التي تقع خارج غزة، يضطر إلى المرور بمكاتب حماس قبل الحصول على التصريح من إسرائيل. كل شخص كهذا هو “مشارك”، حتى من تم هدم بيته ويريد الحصول على مساعدة لترميمه، ومن قتل أولاده أو أصيبوا بهجمات الجيش الإسرائيلي، ومن فقد أقاربه البعيدين، هو “مشارك”، الأطفال الذين صوروا القطة الصغيرة، والطفلتان شيرين وجنين، ومن رافق الأب الثاكل، والمعاقون والذين أصيبوا بصدمة، جميعهم “مشاركون”. أي مس بغير “المشاركين” يوسع دائرة “المشاركين” غير المشاركين بعدة أضعاف. إذا كان الأمر هكذا، فمن الأفضل أن يكونوا “ضرراً عارضاً”، أعداد إحصائية باردة، بدون أسماء أو صور، وبالأساس بدون ذنب، وبدون خلافات وبدون لجان تحقيق دولية.

يكفي النظر إلى قائمة المصابين التي نشرت في “ويكيبيديا” بعد عملية “الجرف الصامد” لفهم أن مفهوم “ضرر عارض” أفضل من مفهوم “غير مشاركين”. حسب وزارة الصحة في غزة، فإن نحو 80 في المئة من القتلى كانوا من المدنيين. وقال الجيش الإسرائيلي إن 40 – 50 في المئة كانوا من المدنيين، القناة الثانية (كما يبدو مصدر موثوق)، قررت أن 36 في المئة هم من المدنيين، والرقم المشترك لوزارة الخارجية والجيش الإسرائيلي تراوح بين 36 – 56 في المئة. وفي وقت النشر (حزيران 2015) لم يتم تشخيص 428 شخصاً من بين 2125 قتيلاً. هذا زائد وضار. الجميع ضرر عارض، وهذا كل ما في الأمر.

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 9/8/2022

 







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي