هآرتس: ماذا لو صدق لبيد في إعلانه "حل الدولتين" مستنداً إلى "اقتراح أولمرت"؟

2022-07-28

يائير لابيد، رئيس الوزراء الاسرائيلي (أ ف ب) 

خلافاً لزيلينسكي، لم يدخل لبيد بعد إلى التاريخ. ولكنه قد يفعل ذلك وبشكل كبير لو ملك الإرادة. فمثلما حارب زيلينسكي من أجل استقلال الشعب الأوكراني الوطني، يستطيع لبيد أيضاً أن يحقق للشعب الإسرائيلي الاستقلال الوطني الحقيقي والكامل: استقلال من السيطرة المهينة على شعب آخر خلافاً لإرادته، مع إقامة دولة فلسطينية قابلة للعيش إلى جانب دولة إسرائيل.

دخل لبيد إلى السياسة ليدفع بمبدأ الوسط السياسي المعتدل كبديل صريح عن خطاب الأطراف ثنائي الأقطاب في اليسار واليمين. ولأن الخطاب الجماهيري والسياسي الإسرائيلي السعي لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على أساس حدود 1967 وعاصمتها شرقي القدس يتم تشخيصه بصورة مفهومة ضمناً وحصرية كفكرة يسارية، وعلى الأغلب حتى يتم وصفه كموقف يساري متطرف، فإنها رؤية لا تتساوق مع فكرة الوسط لدى لبيد.

لكن الحقيقة أنه لا توجد فكرة أبعد، من حيث الروح والجوهر، عن أي نوع من التطرف الأيديولوجي، من الفكرة التي تقول بأن يجدر إقامة دولتين قوميتين في هذه البلاد التي تضم شعبين لهما هويات وطنية جماعية واضحة. بالعكس، هذه الفكرة نموذج للاعتدال السياسي والعقلانية الوطنية، وليس صدفة أن الذين روجوا لها ونجحوا في تجسيدها قبل بداية أيام ولاية بنيامين نتنياهو الثانية، هم رجال وسط واضحين: إيهود أولمرت وتسيبي لفني وحاييم رامون. منذ اختفاء حزب “كديما” خاصتهم من الساحة السياسية، وفكرة الدولتين تنتظر زعيم الوسط الجديد الذي سيتبناها. ولكن من الطبيعي أنه سيكون لبيد لأنه نقش على رايته معارضة التطرف، ومبدأ الاعتدال.

نعم، فكرة الدولتين تناسب رؤية الوسط والاعتدال لدى لبيد من ناحية أيديولوجية، بل وهي فكرة يرى فيها لبيد الآن من حيث الجانب السياسي – الشخصي، أنه هو الشخص الصحيح لترجمتها إلى اللغة العملية. نجح لبيد بعد الانتخابات الأخيرة بحنكة قيادية تثير الانطباع في منع نتنياهو من الفوز برئاسة الحكومة، وقاد بلورة ائتلاف مركب ومتنوع، وقف في أساس حكومة التغيير، ووقف من خلفه جمهور واسع. مواطنون يرون فيه زعيمهم بصورة لا شك فيها، ويثقون به بشكل كامل، ومستعدون للسير معه في السراء والضراء.

الحديث يدور عن جزء معتدل بالأساس من الجمهور الإسرائيلي، الذي رغم أنه لم يخرج عن أطواره لمحاربة الاحتلال – وهو مفهوم تحفظ منه ويمقته – إلا أنه يعرف جيداً بأنه تقسيم هذه البلاد التي تقع بين النهر والبحر بين الشعبين اللذين يعيشان فيها هو الحل المطلوب في نهاية المطاف، وهو الأكثر عقلانية للنزاع الوطني الممتد. هذا جمهور في الواقع لا يهتم بمصير الفلسطينيين، لكنه غير معني بتقديم أبنائه وبناته على مذبح الاستيطان. لذلك، هذا الجمهور سيعطي لبيد الدعم الكامل – إذا صرح فقط بأنه يفكر في إعادة دولة إسرائيل إلى مسار العملية السلمية.

إذا قرر لبيد السعي بشكل فعلي لاستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية بهدف تأسيس اتفاق الدولتين، فقد يكتشف، للمفاجأة، بأن الواقع الجغرافي والسياسي ناضج للدفع قدماً بهذه العملية. وخلافاً للأسطورة التي تقول بأن واقع الاستيطان غير قابل للعودة، التي ترافقنا منذ ثلاثة عقود تقريباً، فالحقيقة أن مشروع الاستيطان تعرض لفشل مدو في مهمته الأساسية وهي استيطان قلوب معظم الإسرائيليين.

بعد أكثر من خمسين سنة على الاستيطان الذي قام به حنان بورات ومستوطنو “غوش عصيون”، ورغم الدعم الواضح والمستمر من قبل حكومات إسرائيل لعشرات السنين، فإن نسبة المستوطنين من إجمالي سكان الدولة ما زالت أقل من 5 في المئة. على خلفية هذا الفشل، فإن الشائعات المستمرة حول موت حل الدولتين، التي ينشرها يائسو اليسار طوال سنين صبح مساء من قبل، بدءاً من ميرون بنفنستي في نهاية الثمانينيات، وحتى أ.ب يهوشع وروغل الفر وجدعون ليفي في السنوات الأخيرة، ليست سوى شائعات مبالغ فيها بالتأكيد. ودليل ذلك اختراقة قبل الاتفاق المأمول الذي كان قاب قوسين أو أدنى في جولة المحادثات الأخيرة بين إسرائيل والفلسطينيين في إطار عملية أنابوليس في الاعوام 2007 – 2009.

في حين أن الهواية المعروفة لرافضي العملية السياسية من اليمين، ومن قبل بعض المتشائمين المتسلسلين من اليسار ومن الوسط – يسار، هي تقديم عملية أنابوليس كجزء من مقاربة “لا يوجد شريك” التي ولدت في كامب ديفيد – أو نسيانها تماماً كما لو كانت فصلاً سياسياً غير مهم – وفي حقيقة، الأمر كان يمكن لأولمرت ومحمود عباس في حينه الاقتراب أكثر من أي وقت مضى من تسوية شاملة بين الشعبين.

رغم الفجوات التي بقيت بين الطرفين، إلا أنه بفضل حوار حميمي وموضوعي بين القيادات، التي عرفت كيفية تطويره في عشرات اللقاء التي أجروها، سجل في فترة أنابوليس تقدم مهم في العملية السلمية. إضافة إلى ذلك، وبفضل عمل سياسي أساسي وشاق لطواقم المفاوضات الإسرائيلية والفلسطينية، تم التوصل إلى تقدم في كل قضية من القضايا الأربع الرئيسية للنزاع: الجغرافيا والحدود، الأمن، مشكلة اللاجئين، والقدس.

على أساس الاتفاقات التي تم التوصل إليها، صاغ أولمرت اقتراح التسوية السياسية، الذي أرسله إلى عباس في أيلول 2008، وتضمن المواضيع: 1- العودة إلى خطوط 1967 مع تبادل للأراضي. 2- الحوض المقدس في القدس (بدون أحياء الطور وسلوان التي ستكون جزءاً من الدولة الفلسطينية) سيكون تحت الوصاية الدولية، بدون سيادة سياسية لأي دولة. 3- في إطار مبادرة السلام العربية وعلى أساس فردي إنساني فقط سيسمح بدخول ألف فلسطيني في العام إلى إسرائيل لمدة خمس سنوات. 4- إسرائيل لن تحتفظ بقوات عسكرية في غور الأردن، في حين سيتم نشر قوة عسكرية دولية على طول نهر الأردن في الطرف الأردني، وستفصل بين دولة الأردن ودولة فلسطين.

محمود عباس في الواقع لم يرد على اقتراح أولمرت، لكنه لم يرفضه في أي وقت من الأوقات. لكن تردده وخوفه نبعا من عدم قدرة أولمرت، الذي وصل وضعه القانوني في حينه إلى الحضيض بسبب قضايا الفساد التي كان متورطاً فيها، على مواصلة قيادة العملية السلمية كما هو مطلوب. لا نعرف إلى أي درجة كان هذا التردد مبرراً، حيث يمكن تخيل قوة تحريض اليمين التي كانت ستندلع حول مسألة شرعية رئيس الحكومة الخاضع للتحقيق معه وقدرته على اتخاذ قرارات سياسية مصيرية. ولكن مهما كان الأمر، فإن الوضع في حينه مثلما هو الآن، مبادئ مسار أنابوليس بشكل عام واقتراح أولمرت بشكل خاص هي معايير يمكن لإسرائيل السعي لاستئناف المفاوضات السياسية مع السلطة الفلسطينية على أساسها.

بالطبع، حتى لو أراد ذلك، فمن غير المقبول من وجهة نظر لبيد الإعلان في إطار الحملة الانتخابية الحالية عن الطموح للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، لأن مسألة نتنياهو، شئنا أم أبينا، ستستمر في دفع أي قضية سياسية أو اجتماعية أخرى إلى الزاوية، وهذه هي الحال ما استمر نتنياهو في العمل على الساحة السياسية بسبب شخصيته القوية وتأثيره الكبير.

لكن مع اختفاء نتنياهو من الحياة السياسية، فمن شأن طريق لبيد لاستئناف العملية السياسية ودفعها قدماً – التي ستكون بالتأكيد طويلة ومليئة بالعقبات – أن تتضح مع ذلك بأنها أسهل مما تنبأ به أنبياء الدولة ثنائية القومية، حيث إن هذه الطريق سبق شقها من قبل على يد آخرين بجهد كبير. عندما يأتي لبيد في القريب، نأمل بحكومة مستقرة ومنتخبة، وكل ما سيكون عليه فعله لإعادة إسرائيل إلى هذه الطريق هو العودة إلى طرح اقتراح أولمرت على الفلسطينيين وعلى الدول العربية، باعتباره خطة لاستئناف المفاوضات حول تقسيم البلاد واستكماله.

منظمة حماس الإرهابية التي لا تعترف بوجود دولة إسرائيل وتعارض تقسيم البلاد، لا يتوقع أن تكون عائقاً جوهرياً يعذر التغلب عليه في الطريق إلى الدفع قدماً بحل الدولتين. حاييم رامون، الذي كان شخصاً أساسياً في عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين قبل اتفاقات أوسلو وحتى بعد عملية أنابوليس، يعتقد أن حماس لن تكون عقبة. في مذكراته بعنوان “عكس الرياح” كتب رامون بأنه يمكن القضاء على حكم حماس بواسطة ضغط سياسي مشترك لإسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة. يبدو أنه بعد اتفاقات إبراهيم وإزاء احتمالية حقيقية لإشراك السعودية في العملية السياسية الإقليمية، يبدو أن تفاؤل رامون ما زال ساري المفعول بصورة أكبر.

إذا كان الأمر كذلك، فإن يئير لبيد هو السياسي الإسرائيلي الوحيد الآن الذي يمكنه أن يعيد إسرائيل في المستقبل القريب إلى مسار العملية السياسية. فلديه نظرية منظمة تحافظ على مبادئ الاعتدال السياسي، كما أنه يتحلى بصورة واضحة بمزايا سياسية ثمينة، وهي حيوية لإدارة مفاوضات سياسية، بما في ذلك طول النفس واحترام الآخر والسحر الشخصي؛ ويحظى بدعم آخذ في الازدياد من قبل جمهور إسرائيلي واسع غير متعصب، الذي هو بحاجة ماسة إلى زعيم يعيد للشعب الإسرائيلي الأمل الحقيقي لسلام حقيقي والعيش باحترام متبادل مع الجيران الفلسطينيين.

سيكون في ذلك أكثر من قدر ضئيل من الرمزية التاريخية، إذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلي الأول من وسط أبناء الجيل الثاني للكارثة هو الذي سيضع حداً لقتل مستمر لليهود عقب النزاع الوطني الذي لا ينتهي. لبيد يمكنه اختيار هذه الطريق وهو قادر على ذلك. هل سيرغب لبيد بذلك؟ هل سينجح في التحرر من عناق الدب وأنبياء الكذب لـ “شرك 1967” المزعوم، ويتحول إلى بطل قومي يحتاجه شعب إسرائيل في هذا الوقت، بطل السلام؟ ستقول الأيام كلمتها.

 

بقلم: ديمتري شومسكي

هآرتس 28/7/2022







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي