ميديا بارت: بين مطرقة ماكرون وسندان لوبان.. رهان تصويت المسلمين في فرنسا

2022-04-20

 إيمانويل ماكرون، ومارين لوبان (أ ف ب)

في الوقت الذي اختارت فيه نسبة كبيرة من المسلمين التصويت للمرشح جان لوك ميلانشون في الجولة الأولى، لا يبدو أن إيمانويل ماكرون -الرئيس المنتهية ولايته والمرشح للرئاسة في الجولة الثانية- يسعى وراء هذا "الاحتياطي" الانتخابي رغم أنه يشعر في الوقت نفسه بضرورة الحصول على بعض أصوات المسلمين العالقين بين مطرقة حكومته وسندان مرشحة أقصى اليمين المتطرف مارين لوبان.

ويقول موقع ميديا بارت (Mediapart) الفرنسي إنه فيما عدا السعي إلى تنظيم حشد لتأييد ماكرون في المسجد الكبير بباريس بدعوة من عميده المقرب من وزير الداخلية جيرالد دارمانان، فإن رئيس الدولة لم يرسل أي إشارات استرضاء للناخبين المسلمين الذين يقول بعضهم إنهم يميلون اليوم إلى الامتناع عن التصويت.

وأوضح الموقع -في مقال بقلم لو سيراه- أن الجدل يتزايد منذ عدة أيام حول تنظيم مسجد باريس الكبير حشدا لصالح الرئيس المنتهية ولايته تحت عنوان "إفطار لدعم إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون"، وسيقام هذا التجمع الانتخابي على شكل إفطار يحضره رئيس كتلة حزب الرئيس في البرلمان كريستوف كاستانير وبعض كبار الشخصيات وعدد من رجال الأعمال"، أما التمويل فيؤكد فريق المرشح أن "المصروفات ستدرج في حسابات الحملة" الخاصة بالمرشح.

وارتفعت أصوات بعض المسلمين -كما تقول الكاتبة- بالتشكيك في شرعية أمسية الانتخابات هذه المنظمة في مكان عبادة، لأنها تتعارض في نظرهم مع أحكام قانون "الانفصالية" الذي وافق عليه مسجد باريس الكبير، بحيث تنص المادة 74 على أنه "يحظر عقد اجتماعات سياسية في أماكن تستخدم عادة لممارسة العبادة أو في المباني الخارجية التي تشكل ملحقا لا ينفصل عنها".

وردا على سؤال حول هذه النقطة، أجاب فريق المرشح بأن "الأمسية ستقام في مطعم المسجد الذي تدير أعماله شركة تجارية ذات مسؤولية محدودة لا ترتبط -بالمعنى المقصود في القانون- بمكان العبادة"، إلا أن بطاقة الدعوة لا تنسجم مع هذه التفاصيل الدقيقة، حيث تقول "يسعد رئيس الجامع ويتشرف بدعوة (…) إلى المسجد الكبير".

أخف الضررين

وأشارت الكاتبة إلى أن التصويت الطائفي ليس أمرا معترفا بوجوده في فرنسا، ولكن الباحثين مع ذلك يرون أن إثارة موضوع الإسلام بشكل منتظم في الحملات، لا بد أن تكون له صلة ما بالسلوك في غرفة التصويت. يقول فينسان تيبرج إن "تصويت المسلمين يمكن أن يظهر ميكانيكيا، لا لأنه مقصود ولكن لأن النقاشات حول الإسلام ستنتجه".

في عام 2017 -كما ترى الكاتبة- كان ماكرون أكثر إقناعا في مواجهة مارين لوبان بسبب اختياره خطا تقدميا، وفضحه "الجدل المجنون حول البوركيني"، واتهامه المباشر "لمن يستخدمون العلمانية على أنها محاربة للإسلام"، وعدم تردده في استخدام مصطلح "ما بعد الاستعمار"، ودحض فكرة أنهم يسعون إلى توجيه الإسلام في فرنسا.

وحتى بين أكثر الأطراف ابتعادا عن التصويت -كما تقول الكاتبة- كان من الممكن استخدام مبدأ "أخف الضررين" لتشجيع المقترعين على التصويت لماكرون، أما اليوم فقد تغير الوضع، بحيث لا تستدعي الحسابات الانتخابية الصغيرة مدّ اليد لناخبي جان لوك ميلانشون السابقين المسلمين. وفي هذا الصدد، يتساءل نائب من الأغلبية: "هل هذه الأصوات ضرورية لماكرون؟ ماذا تستحق إضافة مليون صوت أو مليونين؟"

مثل هذا الموقف -كما ترى الكاتبة- ينتج عنه اعتقاد راسخ يتم تطبيقه على أرض الواقع من قبل ممثلي الأغلبية، بحيث لا تنازل ولا "اعتذار"، بل الثبات على الموقف ونزع الشرعية عن جميع المطالبات التي تدخل في سياق المتطلبات المجتمعية.

ويؤكد أصحاب ماكرون موقفا واحدا وفريدا: "نحن ضد حظر الحجاب في الأماكن العامة على عكس مارين لوبان"، لتعود صور السيلفي التي يتم التقاطها بصحبة نساء محجبات في السوق إلى الموضة مرة أخرى، مثل وجبات الإفطار في رمضان التي تحظى بشعبية كبيرة بين السياسيين في الريف. 

اشمئزاز

تقول الكاتبة إن الارتباك الحكومي تسبب في فتح الباب على مصراعيه لليمين المتطرف، وأصبح "الاشمئزاز" من المواقف المستهدفة للمسلمين في فرنسا هو الشعور السائد بين المسلمين الذين اتصلت بهم ميديا بارت.

يؤكد فينسان سليمان هذه الحقيقة، كما تقول الكاتبة؛ فهو داعية معروف بين الجالية الإسلامية، ولم يصوت لماكرون في انتخابات عام 2017، وهو يشعر بالسعادة لأنه فعل ذلك، وقد حث في الجولة الأولى على التصويت لميلانشون، وهو عازم على عدم التصويت الأحد المقبل، ويرى أن "التصويت لماكرون مازوشية"، وهو يعتقد -مثل كثيرين غيره- أن مارين لوبان لا يمكن أن تفعل ما هو أسوأ مما فعله ماكرون إذا وصلت للسلطة، مشيرا إلى أن "المسلمين يعرفون أن السنوات القليلة المقبلة ستكون صعبة للغاية".

وفي هذا السياق، انتشر وسم "لا الطاعون ولا الكوليرا" على شبكات التواصل الاجتماعي من قبل مدونين مسلمين لبضعة أيام، ولم يتم -حسب معلومات الكاتبة- تداول الرسائل النصية التي تقلل من خطورة مرشحة اليمين المتطرف هذه المرة من قبل رؤساء الجمعيات الدينية في إيل دو فرانس.

ووراء الكواليس -حسب الكاتبة- تدور رحى الحرب لتقويض "إستراتيجية الأرض المحروقة" التي تهدف إلى التصويت على لوبان، إلا أن المفارقة هي أن المسلمين الذين تعرضوا لأكبر قدر من الاستهداف من قبل الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية هم الذين يتزعمون حملة نشطة للحيلولة دون التصويت لليمين المتطرف، ومن الأمثلة على ذلك اتحاد مساجد التبليغ التي كانت ضحية الغارة الأولى للشرطة بعد اغتيال صموئيل باتي، ثم مساجد نهر الرون التي جمدت السلطات أصولها.

تأثير مواقع الدعاية

وتورد الكاتبة رأي عبد العزيز الشعامبي رئيس مجلس التنسيق ضد العنصرية وكراهية الإسلام الذي حلته وزارة الداخلية، الذي يقول "يا من تلعبون بالنار، السارق يختلف عن القاتل؛ أحدهما يسرقك أما الآخر فيقتلك". ويزيد عليه مروان محمد الرئيس السابق لجمعية مناهضة الإسلاموفوبيا في فرنسا التي تم حلها أيضا "لا يعطي صوتا واحدا لمارين لوبان من درس برنامجها"، مضيفا "لم أر قط هذا العدد الكبير من الأشخاص المستعدين للتصويت لها فقط من أجل جعل ماكرون يدفع ثمن كل الأذى الذي تسبب فيه للناس".

وتخلص الكاتبة إلى أن ظاهرة "سياسة الأرض المحروقة" من خلال التصويت للوبان نكاية في ماكرون آخذة في الانتشار، مشيرة إلى أن مواقع الدعاية تعمل على تحسين حججها منذ الجولة الأولى لإقناع المسلمين بالتصويت للوبان، من خلال الترويج لكونها ستكون أقل معاداة للمسلمين من إيمانويل ماكرون الذي يناصره مناهضو التمييز بين الجنسين والمثليون.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي