هآرتس: "تأمين أزرق أبيض" الإسرائيلي.. برنامج لتثبيت أقدام الطغاة في الشرق الأوسط

2022-04-06

رئيس الوزراء الاسرائيلي نفتالي بينيت وزير الخارجية يائير لبيد (ا ف ب)

اعتبر وزير الخارجية يائير لبيد، قمة النقب في “سديه بوكر”، بمشاركة وزير الخارجية الأمريكي ووزراء خارجية مصر والبحرين والمغرب والإمارات، “حدثاً تاريخياً”. في المقابل، وجد الجمهور والمحللون صعوبة في فهم مضمون وهدف هذه القمة، وأيضاً غرابة توقيتها، في ذروة الحرب في أوكرانيا. عدد من المحللين واليساريين انتقدوا المشاركين فيها بسبب تجاهل الفيل الفلسطيني الموجود في قاعة اجتماعات “سديه بوكر”، وكتب الون بنكاس بأنها قمة كانت “مؤتمراً على لا شيء” (“هآرتس”، 29/3).

قمة النقب من البداية لم تستهدف تناول مضمون أو بلورة أي تفاهمات. على غرار احتفالات الإطلاق المزينة بالمشاهير والبارزين في برامج الواقع، تم تصميم القمة لإطلاق أحدث برنامج، وهو “تأمين أزرق أبيض” الذي تقدمه دولة إسرائيل للأنظمة الدكتاتورية، لعرض العملاء الراضين وتشجيع المزيد من الديكتاتوريين على الانضمام. بدلاً من المراسلين السياسيين المتجهمين، كان على غاي بينس حضور القمة وتغطيتها، لإجراء مقابلات مع وزراء الخارجية حول ملابسهم، على غرار المؤثرين الذين شاركوا في احتفالات الإطلاق، وفي المقابل كان يتوقع منهم نشرها، وسارع وزراء الخارجية إلى نشر صور مفرحة من القمة في الشبكات الاجتماعية.

جميع الدول العربية التي شاركت في قمة النقب فيها أنظمة غير ديمقراطية وفاسدة، بعدة مستويات من الخطورة. ويشار إليها بالسوء حتى في تقارير وزارة الخارجية الأمريكية. الإمارات التي تمنع فيها الأحزاب السياسية، والبحرين التي هي مملكة سنية تسيطر على أغلبية شيعية، ومصر التي يسيطر عليها منذ العام 2013 ديكتاتور عسكري قاتل، والمغرب الذي يضم فيه معارضة وإعلام، لكنهما ملاحقان ومقيدان بسبب تدخل مستمر من الملك والمقربين منه في إدارة الدولة، وفي السجون نشطاء معارضة ونشطاء حقوق نساء وأقليات ومحامون وصحافيون، معتقلون في ظروف قاسية. في كل هذه الأنظمة استخدام واسع للتعذيب والتجريم السياسي. وفي بعضها يخفون الخصوم ويقتلونهم. والمملكة الأردنية، التي دُعيت ولكنها قررت عدم إرسال مبعوث، يعرفها الجمهور بفضل مواقعها الطبيعية وآثارها المدهشة، لكنها من ناحية سكانها تعدّ دولة شرطة، يتعرضون فيها للاعتقال إذا انتقدوا الملك. الفساد متفشّ بأحجام كبيرة في كل هذه الأنظمة.

وقعت إسرائيل على اتفاقات مع هذه الأنظمة الدكتاتورية وليس مع الشعوب، التي لم تُسأل قط عن رأيها. الاتفاقات مرتبطة فقط باستقرار هذه الأنظمة وعدم استبدالها. لذلك، في رزمة “تأمين أزرق أبيض” التي تعرضها إسرائيل هناك “تأمين على الحياة”، أي ضمانة بقاء هذه الأنظمة الدكتاتورية على قيد الحياة حتى يومها الأخير، وبعد ذلك يرثهم أبناؤهم أو أقاربهم، وثمة تأمينات أيضاً حول فقدان الراتب والتقاعد، أي ضمانة بأنه يمكنهم الاستمرار في الفساد وسلب الأموال العامة وموارد دولهم، وتهريبها إلى حسابات بنكية خفية وشراء القصور الفاخرة وسلع فاخرة في أرجاء العالم. كيف يتم هذا الأمر؟ بمساعدة إسرائيل في القمع الداخلي عن طريق منظومات رقابة ومعرفة وسلاح، التي يتم بيعها مباشرة من شركات إسرائيلية أو بتشجيع من إسرائيل عن طريق دول وجهات أخرى. وبمساعدة استعداد الولايات المتحدة لغض النظر، أو على الأقل التعامل بتسامح جزئي إزاء خرق حقوق الإنسان والفساد الكبير، من أجل، لا سمح الله، ألا يتم المس باستقرار هذه الأنظمة التي وافقت على التوقيع على اتفاقات سلام أو تطبيع مع إسرائيل.

لقد انضمت كل من الأردن ومصر قبل سنوات إلى برنامج التأمين. ومن غير المتوقع إعطاء المواطنين فيهما خيار العيش في نظام ديمقراطي. رغم الاحتكاكات في العلاقات بين فينة وأخرى منذ العام 1978 قدمت الولايات المتحدة مساعدة اقتصادية بمبلغ 30 مليار دولار لمصر. وشريحة كبيرة من ميزانية الدفاع وشراء المعدات للديكتاتورية المصرية مصدرها دافع الضرائب الأمريكي. في 2019 حصل الأردن من الولايات المتحدة على المساعدة الأكبر بعد أفغانستان وإسرائيل. وعقب اتفاقات إبراهيم، انضمت أيضاً البحرين والإمارات والمغرب إلى الرزمة المستفيدة.

ربما تنضم السعودية والسودان في القريب لهذه الرزمة. حسب “واشنطن بوست” فإنه بعد قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، طلب رئيس الحكومة في حينه، بنيامين نتنياهو، من إدارة ترامب الحفاظ على منظومة العلاقات القريبة للولايات المتحدة مع الطاغية السعودي محمد بن سلمان بذريعة أنه حليف في المنطقة. إسرائيل والموساد أيضاً يحافظان على علاقات مع الجنرالات الذين أبادوا شعوبهم والذين نفذوا انقلاباً ضد الحكومة الانتقالية في السودان. كانت إسرائيل هي الشاذة من بين الدول الغربية التي امتنعت عن إدانتهم، ويبدو أنها معنية بالدفع قدماً بـ “التطبيع” مع السودان حتى لو حكم الخرطوم نظام عسكري كامل.

في السابق لم تكن هناك احتفالات إطلاق علنية مثل قمة النقب. شركة التأمين الإسرائيلية كانت مخفية أكثر. واعتادت دولة إسرائيل على إدانة كل الذين كشفوا عن أساليبها وانتقدوها باللاسامية. رغم ذلك، وثائق لوزارة الخارجية في أرشيف الدولة، التي فتحت أمام الجمهور، تكشف أن ممثلي دولة إسرائيل عادوا وضمنوا لهؤلاء الطغاة بأنه مقابل تأييدهم في منتديات دولية، ستستغل إسرائيل علاقاتها لدفع مصالحهم في الولايات المتحدة، وتقليص الانتقاد في البيت الأبيض والكونغرس إزاء خرق حقوق الإنسان، الذي هم مسؤولون عنه، والتخفيف عليهم للحصول على مساعدات مالية أو عسكرية أو القروض.

هكذا على سبيل المثال كان الأمر في العلاقات مع الدكتاتورية الفاسدة لفردناند ماركوس في الفلبين. هذه الدكتاتورية عذبت وقتلت وأخفت الكثير من الأشخاص. في برقية أرسلها مدير قسم آسيا في وزارة الخارجية، اليشيف بن حورين، إلى السفير الإسرائيلي في الفلبين موشيه رفيف، حول ايملدا، زوجة ماركوس، في 18/11/1981 كتب فيها: “هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها السيدة ماركوس الحصول لنفسها أو لبلادها على أمور مهمة في الولايات المتحدة بمساعدة يهودية أو إسرائيلية، مع تجاهل من قبل الحكومة الإسرائيلية. ويهود في أمريكا ومؤسسات اقتصادية لنا هناك، يجب أن توضح لها بأنه ليس هناك طرق مختصرة مع القفز على علاقات مانيلا – القدس”. وفي برقية أرسلها السفير الإسرائيلي في مانيلا، اوري مردخايغوردون، إلى مدير قسم آسيا، بن حورين، في 16/12/1983 أبلغ عن مأدبة شارك فيها مع نائب وزير خارجية هذه الدكتاتورية. “هل تستطيع ترتيب مصادقة الأمريكيين في نيويورك على القرض الذي طلبناه”، سأل نائب وزير الخارجية. وهكذا رد مردخاي غوردون: “قلت له إن بادرات حسن نية عامة مختلفة مؤيدة لإسرائيل ستساعد في تحسين صورة الفلبين في الرأي العام في أماكن مختلفة، وسيكون لهذا تداعيات إيجابية مهمة بالنسبة لهم”.

رغم رؤى لاسامية لنظام ماركوس في الفلبين وأنظمة أخرى، فإن إسرائيل ليست ذيل الكلب الذي يهتز في واشنطن. للولايات المتحدة في الشرق الأوسط تحالفات ومصالح أمنية، وسياسية، ومصالح طاقة ومصالح اقتصادية خاصة بها، وهذه غير مرتبطة أبداً بدولة إسرائيل ورغبة حكومات إسرائيل في الحفاظ على تفوق اليهود على جانبي الخط الأخضر. الحفاظ على اتفاقات السلام والتطبيع مع إسرائيل ليست سوى مصلحة من بين مصالح كثيرة للولايات المتحدة في المنطقة. ولكن مؤتمر النقب وضع مرآة محرجة أمام قمة الرئيس بايدن الديمقراطية. تجد إدارة بايدن صعوبة في بناء مصداقيتها في الصراع العالمي أمام روسيا فلاديمير بوتين، وأمام صين شي جين بينغ، ما دامت مئات ملايين المواطنين في فلسطين ودول الشرق الأوسط الأخرى محرومة من الحق في الحرية والديمقراطية. كما أن مصداقية الولايات المتحدة تضررت عندما أيدت أنظمة ديكتاتورية في أرجاء العالم في فترة الحرب الباردة وحربها ضد الاتحاد السوفيتي سابقاً.

 

بقلم: ايتي ماك

هآرتس 6/4/2022

 







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي