باكو دي لوسيا: من زرياب إلى أغنية أندلسية

2022-03-13

عازف الغيتار الإسباني، باكو دي لوسيا- من صفحته على فيسبوكمروة صلاح متولي *

كان اسم زرياب عنواناً لواحد من أقدم وأشهر ألبومات الموسيقي وعازف الغيتار الإسباني، باكو دي لوسيا، وكذلك عنواناً لقطعة موسيقية كانت درة هذا الألبوم، ومن أكثر مؤلفاته تميزاً وانتشاراً بشكل عام. أما «أغنية أندلسية» فكان عنواناً لآخر ما أعده من ألبومات، وصدر بعد شهرين من وفاته عام 2014، ومثل هذه العناوين وغيرها، تشير إلى علاقة فن الفلامنكو بالأصول القديمة للموسيقى العربية الأندلسية. فمن عود زرياب نشأ الغيتار الذي كان يعزف عليه باكو دي لوسيا، ومن ألحانه الأندلسية، ترتسم أطياف شجية مسموعة في موسيقى الفلامنكو. وزرياب اسم مهم، وحاضر دائماً في الموسيقى العربية، كأحد أقدم المراجع لفنونها، ولا يخفى أثره أيضاً في الموسيقى الإسبانية، ويعترف أهلها بفنه.
يعد باكو دي لوسيا من عظماء موسيقى الفلامنكو، ولوسيا هو اسم أمه، الذي أحب أن ينسب إليه وأن يشتهر به، ويظل مرافقاً له في رحلته الفنية، وأن يخلدا معاً. وهو من عباقرة العزف على الغيتار، بل يمكن القول إنه من ظواهره النادرة، كان يعزف ارتجالاً في كثير من الأحيان، وصار أسلوبه منهجاً فنياً، تتبع فنياته وتقنياته، ويقتدي بها العازفون الذين أتوا من بعده. ومن أشهر هذه الأمور، هي الجلسة، أو وضع الموسيقي أثناء العزف، التي صارت معروفة باسمه، وأصبحت جزءاً من الأسلوب الفني نفسه، وترتبط مباشرة بالتكنيك. حيث كان دي لوسيا يضع ساقاً فوق الأخرى، ويرتكز الغيتار على الساق العليا التي تدعمه، وتتيح هذه الجلسة للعازف أن يتحكم في الغيتار بدرجة أكبر، وتمنحه القدرة على استخدام الكثير من التقنيات الصعبة، بحرية أكبر للذراعين، واستخدام أقوى لليدين والأصابع.
وفي موسيقى باكو دي لوسيا، يأتي التكنيك على درجة عالية من الأهمية، ويبلغ الاهتمام بالأنامل وقوة تمكنها أقصى درجاته، وربما هذا ما يفسر براعته المدهشة في العزف، إلى جانب الإحساس والرؤية بالطبع. فالتكنيك يمكنه من الانطلاق في التعبير عن مشاعره، وقد بلغ من السرعة والإتقان ما يوحي بالتلقائية والسهولة، على العكس من حقيقة الصعوبة البالغة لذلك التكنيك. وفي معزوفاته أو حفلاته المصورة، كثيراً ما يتم التركيز على حركات أنامله السريعة والمذهلة، حيث تكون أوتار الغيتار بين يديه، يداعبها بلطف ورقة أحياناً، وفي أحيان أخرى يهاجمها بغضب، ويثير انفعالاتها بضرباته القوية، أو يرهقها تنميقاً وتدقيقاً بزخرفاته المعقدة، ويجعلها ترتعش بحزن وشجن في ما يشبه التقاسيم على العود. كما في معزوفة زرياب، وأغنية حب، وانعكاس القمر، وأعمال أخرى.

والفلامنكو فن يعبر في جوهره عن روح الغجر، وآلامهم وشقائهم الثقيل، ومخيلتهم وملكاتهم الشعورية، والقوة العاطفية في وجدانهم، بشكل فطري يخاطب الجميع حول العالم. ويجد فيه من ينتمي إلى أي ثقافة أخرى، ما يلمس جانباً من مشاعره، وهي موسيقى تحمل تاريخاً طويلاً، بالإضافة إلى الكثير من العواطف المنغمة بتلقائية، لا تعرف التعقيدات الكلاسيكية والنظريات العالمية في الفن. تنطق بها الأوتار المهتزة، والضربات النابضة بالحماس والحرارة، وما كان يفعله دي لوسيا هو التعبير بالموسيقى عن ثقافة وتاريخ كامل، وفلسفة وأسلوب حياة وطريقة عيش، فالفلامنكو ليس مجرد تراث فلكلوري، لكنه أكبر وأشمل من ذلك بكثير. وهو فن قلق لا يطمئن ولا يهدأ ولا يعرف الشعور بالاستقرار، يواجه المتلقي بجمال عنيف لا يهادن، في صورته البرية غير المنمقة أحياناً، حيث التمرد والإثارة، والحب المستعر والإغواء القاتل، وكذلك الهياج والغضب والثورة، وتضارب المشاعر في النفس الواحدة وفي اللحظة الواحدة، وتعبر إيقاعاته وأنغامه عن هذه الحرية المطلقة، التي لا ترضى القيود ولا تقبل الأغلال. وهناك دائماً ذلك الشموخ والكبرياء، حتى في لحظات الألم والهزيمة، يظهر غرور القوة والتفاخر بالجسد وأناقة تشكله، سواء في العزف أو الرقص، حتى الغناء عندما يتحول إلى نشيج منغم وبكاء وصراخ، وتأوه من ألم دفين وحزن موجع، لا يفقد أبداً تلك القوة.

وقد أثرت فنون الغجر الفطرية في أرقى الفنون وأعقدها، كالموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، حيث سحرت موسيقاهم موريس رافيل، فألف قطعته الخالدة «بوليرو» وحركت خيال جورج بيزيه فأبدع أوبرا كارمن. فهي إذن تحظى بالاعتراف والتقدير منذ زمن.

مع باكو دي لوسيا، لا يسير العزف على وتيرة واحدة ثابتة، فكثيراً ما يتخلله توقف مفاجئ وسكون، أو انتقالات سريعة مباغتة، والتحرك في مسافات صوتية واسعة. ولا تكمن براعته في التكنيك فقط، وإنما في قدرته على نقل المشاعر من خلال أسلوبه، وهو ينتمي إلى الغجر، وتنطبع هويته الغجرية على فنه الموسيقي، وعزفه على الغيتار بمهارة وعفوية. فمهما كان عازف الغيتار بارعاً، فإنه لن يكون أبداً في مثل مهارة غجري يداعب أوتار غيتاره الذي يعرفه جيداً، كما لو كان جزءاً من روحه. كان دي لوسيا يرتحل بموسيقاه حول العالم ناشراً إياها، بانفتاح كبير على ألوان أخرى من الموسيقى، والامتزاج بها والتحاور معها. بداية من الموسيقى الكلاسيكية وانتهاء إلى موسيقى الجاز، فقدم بعض الحفلات مع الأوركسترا السيمفوني، وتعاون مع عدد من فناني الجاز في حفلاته وألبوماته على السواء. وكان هذا الفنان يخاطب بموسيقاه المشترك الإنساني بين البشر جميعاً، ويحرص على ربط الفلامنكو بالعالم، وإعادة الصلة بينه وبين الحضارات، والثقافات الأخرى التي أثرت فيه منذ البداية، فيعود هو ليؤثر فيها من جديد.
وتعود أصول الفلامنكو إلى أزمان وأماكن بعيدة غامضة إلى حد ما، لكنه بكل تأكيد يرتبط بالغجر، الذين مشوا في سائر أنحاء الأرض، وجابوا أقطارها، بعد أن نزحوا من أماكنهم الأصلية المختلف على تعيينها. وخلال ذلك النزوح والارتحال، شهدوا ما شهدوه من تعذيب ونفي وإعدام وحرق واضطهاد استمر لقرون. ويتميز الغجر بكونهم الأقرب إلى الطبيعة، والأكثر حرية في التعبير عن الرغبات والمشاعر، التي لا ينكرونها ولا يكبحون جماحها، وكانت حياتهم غير المستقرة، وعدم تملكهم لأي شيء، سبباً في تحررهم التام. فلا أرض ولا بيت ولا وطن، ولا جذور تشد المرء دائماً إلى بقعة محددة، كما كان لعزلتهم الفضل في إنتاج هذه الفنون الرائعة، فقد تحول كل هذا الشقاء إلى حرية كاملة، تتجلى في موسيقاهم وغنائهم ورقصهم. فكان الغجري القديم يبدع موسيقاه وفنونه الأخرى، ليقاوم بها واقعه، ويستعين بها على حياته العصيبة، ومن خلالها يذيع آلامه وصراخه وانتفاضه من فرط الألم. ويعبر بها عن نفسه، ويجبر العالم الذي يرفض وجوده، على الاستماع إليه ومشاهدته والشعور به، فالفلامنكو فلسفة وموقف تجاه العالم والحياة، وهو موقف غاضب في كثير من الأحيان ومتمرد، ويحمل في داخله آلاماً عميقة ممتدة في الأزمنة الغابرة.

وقد أثرت فنون الغجر الفطرية في أرقى الفنون وأعقدها، كالموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، حيث سحرت موسيقاهم موريس رافيل، فألف قطعته الخالدة «بوليرو» وحركت خيال جورج بيزيه فأبدع أوبرا كارمن. فهي إذن تحظى بالاعتراف والتقدير منذ زمن، وعلى الرغم من ذلك، كان لباكو دي لوسيا، الفضل في خلق مكانة عالمية رفيعة لموسيقى الفلامنكو تحديداً، يتبعها الغناء والرقص بطبيعة الحال. وكان دي لوسيل لا يفصل بين فنون الفلامنكو الثلاثة قدر المستطاع، ففي ألبوماته تمتزج الموسيقى بالغناء أحياناً، كما في ألبوم «أغنية أندلسية» وغيره من الألبومات، وفي حفلاته أيضاً كان يوجد الغناء والرقص، حيث يؤدي الراقص المنفرد، حركاته السريعة القوية، بفخر ذكوري على وقع ضربات دي لوسيا على الغيتار. ولغيتار دي لوسيا ذلك الصوت الفريد، الأعلى والأقوى والأكثر وضوحاً من الغيتار الإسباني الكلاسيكي. الذي يختلف عنه في طريقة تصنيعه، وفي بعض الأمور التقنية، كالمسافات بين الأوتار، وجسم الغيتار نفسه، وأشياء أخرى تتيح الحصول على الصوت والنغمات المطلوبة، ويشعر المستمع دائماً بالفرق بين غيتار دي لوسيا وأي غيتار آخر. كما يتعجب من الانتقالات السريعة، وقوة سحب الأوتار، والتناوب السريع بين الإبهام والسبابة، وتمرير الإبهام بسرعة فائقة على الأوتار كافة، والنقر في تتابع سريع. وما بين رقة الموسيقى وانسيابها السلس، وسرعتها وحدتها وخشونتها وإيقاعاتها الوعرة أحياناً، كان هذا العازف يقدم ألحانه التي يستسيغها الشرق والغرب.

*كاتبة مصرية









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي