لوموند: سيناريو أوكرانيا كتب في جورجيا عام 2008 ولكن أحدا لم يقرأه

2022-02-24

نبهت الكاتبة إلى أن هذا هو نفس الاتهام الخيالي المستخدم اليوم ضد أوكرانيا في دونباس (أ ف ب)

قالت صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية إن روسيا تستخدم ضد أوكرانيا اليوم الأساليب والإستراتيجية والمبررات نفسها وتعمل بالمنطق نفسه الذي تعاملت به مع جورجيا عام 2008 معتمدة على سلبية الغرب، ولذلك تدفع هذه الدولة وأوروبا من ورائها ثمن تجاهل الدرس الجورجي.

وفي عمودها بالصحيفة، قالت سيلفي كوفمان إن المقارنة التي أجراها الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف أثناء اجتماع مجلس الأمن الروسي المخصص لمنطقة دونباس يوم 21 فبراير/شباط مدمرة للديمقراطيات الغربية، وسيسجلها التاريخ كأعظم لحظة متلفزة تمثل الحكم الاستبدادي، وذلك يتعلق بما حدث في جورجيا التي احتلت القوات الروسية 20% من أراضيها في حرب خاطفة بعد أن اعترفت موسكو بجمهوريتين انفصاليتين صغيرتين فيها.

وقال ميدفيديف على مسمع خليفته فلاديمير بوتين "أتذكر جيدا عام 2008 عندما قررنا الاعتراف بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، لقد أنقذنا مئات الآلاف من الأرواح، الخطر اليوم أكبر، هناك المزيد من الناس، نحن نعلم ما سيحدث بعد ذلك، نعرف العقوبات والضغط، لكننا نعرف أيضا كيف نستجيب، إذا عرفنا كيف نتحلى بالصبر فسوف يتعبون وسيعودون إلينا للحديث عن الأمن والاستقرار الإستراتيجي، يجب أن تعترف روسيا باستقلال جمهوريات دونباس، تقول التجربة إن التوتر سينخفض".

ولم يكلف ميدفيديف نفسه -كما تقول الكاتبة- عناء تسمية من هم المعنيون، لأن الكرملين استبطن سلوك الأوروبيين منذ تلك السابقة الكارثية، وفي ذهنه أنهم (الغربيون) سينددون ويهددون ويعاقبون ثم ينتقلون إلى شأن آخر.

وكان الأوروبيون والرئيس الفرنسي في ذلك الوقت نيكولا ساركوزي هم قادة المناورة في الحلقة الجورجية التي قرعت جرس الإنذار من نواحٍ عديدة للدراما الأوكرانية الحالية، لأن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن كان في نهاية فترة ولايته، وفوض إدارة الأزمة للاتحاد الأوروبي الذي كانت فرنسا تتولى رئاسته الدورية.

إستراتيجية مجربة

أما الأكثر إثارة للقلق فهو سلوك روسيا -حسب الكاتب- لأن من يعيد النظر في الأزمة الجورجية ويستعيد شريط الوقائع يجد أن جميع عناصر الأزمة التي يثيرها بوتين الآن في أوكرانيا موجودة بالفعل، فالإستراتيجية تمت تجربتها، والإطار الجيوسياسي تم إعداده، وكل شيء مكتوب، وبالتالي كانت تكفي قراءة السيناريو.

وبعدما وصل بوتين إلى السلطة عام 2000 -كما تقول كوفمان- أعطته هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 الأمل في التعاون مع الولايات المتحدة، لكن الحرب في العراق أحبطت ذلك، ثم جاءت "الثورات الملونة" بالديمقراطيين إلى السلطة في عامي 2003 و2004، وذلك في "ثورة الورد" في جورجيا، و"الثورة البرتقالية" في أوكرانيا.

وقد شكلت هاتان الثورتان نقطة تحول بالنسبة للزعيم الروسي الذي رأى أن هذين البلدين يتطلعان إلى الغرب، خاصة أن حلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) والاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت كانا يقومان بعملية دمج لدول أوروبا الوسطى.

ولذلك، ألقى بوتين خطابا في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2007 أظهر عدوانية شديدة لتوسع الناتو، مما أثار بعض الإحباط بين الغربيين، وبسببه تراجع بوش الابن في قمة الحلف الأطلسي في بوخارست عام 2008 عن إعلان عضوية أوكرانيا وجورجيا المرتقبة في الحلف بسبب معارضة ساركوزي والمستشارة أنجيلا ميركل لذلك حرصا منهما على عدم إثارة غضب موسكو، وتم تبني حل وسط ضعيف يحدد أن أوكرانيا وجورجيا تتطلعان لعضوية الناتو دون تحديد جدول زمني لذلك، ولكن موسكو لم تر سوى الجزء الأول من هذه المعادلة.

وفي نهاية يوليو/تموز 2008 قام انفصاليون موالون لروسيا بقصف قرية وجنود في منطقة أوسيتيا الجنوبية، مما أوقع جورجيا في الفخ عندما أرسلت تعزيزات ضد الانفصاليين، لتتدخل روسيا بنشر 40 ألف جندي، 20 ألفا منهم في أوسيتيا الجنوبية ومثلهم في منطقة أبخازيا، وفي غضون 5 أيام تم سحق القوات الجورجية.

نفس السيناريو في أوكرانيا

عند بداية الهجوم المصحوب بهجمات إلكترونية يوم افتتاح أولمبياد بكين اتصل ساركوزي بميدفيديف مقترحا الذهاب إلى موسكو، وبعد مفاوضات هناك عاد يحمل اتفاقا غير كامل لكنه يسمح بوقف تقدم القوات الروسية، وقد قال في كتابه "زمن العواصف" إن ذلك كان نجاحا دبلوماسيا كبيرا لأوروبا، وكتب "لقد أوفى فلاديمير بوتين بوعده"، متناسيا أن روسيا سحبت البساط من تحته باعترافها باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية مع أنها لا تزال تحتلهما حتى يومنا هذا بحجة وقف "الإبادة الجماعية" التي ترتكبها جورجيا ضد الروس، كما تقول الكاتبة.

ونبهت الكاتبة إلى أن هذا هو نفس الاتهام الخيالي المستخدم اليوم ضد أوكرانيا في دونباس، حيث قدم ميدفيديف مبررا آخر أصبح مألوفا الآن، وهو مجال "المصالح المميزة" الذي تنوي روسيا الحفاظ عليه "في مناطق معينة".

وفي كتاب آخر بعنوان "حرب صغيرة هزت العالم" يرسم الأميركي رونالد أسموس -الذي كان عضوا في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون- صورة أقل إغراء من ساركوزي عندما كتب أن روسيا "عدّلت بالقوة حدود دولة ذات سيادة، وسمحت بالتطهير العرقي لإنشاء كيانات أكثر تجانسا عرقيا، ولم تحترم إلا جزئيا شروط وقف إطلاق النار الذي وقعه رئيسها ولم يحاسبها أحد".








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي