سام كوك: موسيقى السول والغناء من أجل التغيير

2022-01-24

مروة صلاح متولي *

 

قُتل المغني الأمريكي سام كوك عام 1964 في حادث اعتداء عنصري، تبعه تشويه للسمعة، فلم تكتمل مسيرته الفنية وتوقفت موسيقاه الثائرة، وأُسكت صوته الذي كان يغني من أجل التغيير، ووئدت كلماته التي تعبر عن آلام المقهورين في مواجهة واقع رهيب يحلمون بتغييره، كما مات معه الكثير من الأغنيات العاطفية، التي كان من الممكن أن يبدعها، وأن يضيفها إلى مجموعته الباقية، سواء الهادئة الحزينة، أو الإيقاعية المرحة، فإن فنه لم يكن مقتصراً على الأغاني المناهضة للعنصرية والمطالبة بالحقوق، ولا تكمن أهميته كمطرب في أنه كان يقدم هذه الأفكار وحسب، فهو صوت عظيم قبل كل شيء، مشبع بالإحساس العميق، ذو طبيعة شاعرية درامية بالدرجة الأولى، وكان يزداد قوة وتأثيراً عندما يغني عن مواجع البشر، لذا ظلت أغنيته الخالدة «سيأتي التغيير» A Change Is Gonna Come تواسي الملايين في كل زمان كئيب ومكان بائس، وتمني نفوسهم بالأمل، وتبث فيها الإيمان بأن التغيير مقبل وإن طال الأمد، ربما لن يشهدوه بأنفسهم، لكنه سوف يأتي في يوم من الأيام.
عند الاستماع إلى غناء سام كوك، يغلب الشعور بأن هذا الصوت آت من الينبوع الأصفى لموسيقى السول، وسوف تستدعي الذاكرة السمعية بعض الأصوات الأخرى التي يبدو تأثير سام كوك عليها بأسلوبه النقي الأصيل كفريدي ميركوري، على سبيل المثال، وقد يكون أهم ما يميز كوك عن غيره من مطربي السول والبلوز والغوسبل، هو تمكنه الفائق الذي يجعل أداءه يكاد يكون خالياً من أي مبالغة أو تشنج وصراخ، مهما بلغ الانفعال، ولهذا يكون أسلوبه محبباً ومقبولاً، حتى لدى من لا يهوون هذه الأنواع الموسيقية، فلا وجود للملل الناتج عن التطويل الذي لا لزوم له، والتكرار الذي لا جديد فيه، والضغط على الصوت بشكل مزعج، وهذا يدل على مدى قوته وقدرته على التعبير وصنع الأثر، دون الحاجة إلى كل ما سبق، ولأنه يتقن الغناء ويمتلك روح موسيقى السول، ويدرك جوهرها، يستطيع أن يقدمها إلى المستمع ببساطة، في أنقى حالاتها الخالصة من أي شوائب.

لا تعد أعمال سام كوك كثيرة من ناحية الكم، لكن لها قيمتها الفنية المهمة، وبعض ما غناه كان من إبداعه الأصلي كتابة وتلحيناً، والبعض الآخر كان مما غناه مطربون آخرون، وحرص هو على أن يؤديه بصوته، فعلى سبيل المثال عندما ألف بوب ديلان أغنية « بلوينغ ان ذا ويند» واشتهرت بصوته، أراد سام كوك أن يغنيها وسمح له ديلان بأن يفعل، فهذه الأغنية تلامس وجدان كوك بشكل عميق، في حديثها عن الظلم والموت والإنسانية المفقودة، ويمكن مشاهدته وهو يؤديها في نسخة تلفزيونية بالأبيض والأسود، تعد من الأعمال القليلة التي يظهر فيها كوك صوتاً وصورة، فتبدو ملامح طريقته في الأداء، وانفعالاته الجسدية، ومقدار تأثره بما يغنيه، والغضب الظاهر عند نطق بعض الكلمات من خلال صوته وملامح وجهه، ويمكن القول إنه منح هذه الأغنية روحاً وإيقاعاً حياً قد يفضله البعض على النسخة الأصلية.
ومن الأغنيات الأخرى المهمة التي أعاد غناءها أغنية «ذا غريت بريتندر» التي تعود في الأصل إلى فريق أمريكي قديم، واشتهرت كثيراً بصوت فريدي ميركوري الذي غناها في الثمانينيات، وعلى الرغم من تأثره الواضح بسام كوك في الأداء وطريقة تنغيمه لبعض الحروف في أغنيات أخرى، إلا أنه في هذه الأغنية تحديداً بدا أداؤه أقرب إلى أداء الفريق الأصلي، أما سام كوك فقد منح هذه الأغنية إحساساً هادئاً يتناسب مع كلماتها الحزينة، وعبّر صوته الجريح بالفطرة عن أدق معانيها، التي تصف حال الشخص المتألم الذي يتظاهر بأنه على ما يرام، كالمهرج الذي يرتدي قناع السعادة ليخفي وراءه الباطن الحزين، يغني كوك بصوت في طبقة منخفضة، ربما لم يستخدمها كثيراً في أغنياته الأخرى، كما لا توجد أصوات المجموعة في نسخته، كالموجودة في النسخة الأصلية ولدى فريدي ميركوري أيضاً، فينساب صوته الساحر منفرداً منذ بداية الأغنية وحتى نهايتها، بإحساس متصل ينسجم تماماً مع الإيقاع العاطفي.

لا تعد أعمال سام كوك كثيرة من ناحية الكم، لكن لها قيمتها الفنية المهمة، وبعض ما غناه كان من إبداعه الأصلي كتابة وتلحيناً، والبعض الآخر كان مما غناه مطربون آخرون، وحرص هو على أن يؤديه بصوته.

ومن أجمل أغنياته الأصلية وألطفها أيضاً، «أغنية كيوبيد»، التي كتبها ولحنها بنفسه، وأصدرها عام 1961 وفيها يخاطب كيوبيد ويرجوه بأن يطلق سهمه مباشرة نحو قلب حبيبته التي لا تعلم بوجوده أصلاً، ويعده بأن يحبها للأبد إذا أتى بقلبها إليه، فالكلمات مرحة إلى حد ما، وكذلك الموسيقى ذات الإيقاع الراقص الخفيف، وإيقاع الغناء أيضاً الذي يصنعه كوك بصوته، كما أنه يظهر بعض القدرات التمثيلية لديه باستخدام الصوت، وتصوير المشهد والحوار القائم من طرف واحد، والتعبير عن المشاعر المختلفة كالخوف من فقدان السعادة، وعدم التمكن من الوصول إلى قلب حبيبته، والخضوع والتوسل لهذا الإله الصغير من أجل أن ينقذه ويحل مشكلته، ومن أغنياته الأصلية الجميلة أيضاً، أغنية «برينغ ات أون هوم تو مي» التي أبدع في غنائها وكتابة كلماتها وتلحينها، وتتميز هذه القطعة بالإيقاع شبه الثابت، الذي يسير على وتيرة واحدة، بينما يتنوع الغناء ارتفاعاً وانخفاضاً، دون أن ينفصل عن هذا الإيقاع، كما أنه يعتمد على كثرة ترديد عنوان الأغنية للتعبير عن الإلحاح على الحبيبة بالعودة إليه، والاستسلام الكامل لكل رغباتها، والصفح عن أخطائها والاستعداد لتقبل كل شيء إلا ابتعادها عنه.
أما أغنية «سيأتي التغيير» فإنها قد تكون أهم إبداعاته على الإطلاق، ويروى أنه قام بكتابة كلماتها تأثراً بحادث مشابه للحادث الذي أنهى حياته بالفعل، عندما رفض المسؤولون في أحد الفنادق استقباله بصحبة أعضاء فرقته الموسيقية، بسبب لون بشرتهم، فتشاجر معهم معلناً رفضه لسلوكهم العنصري البغيض، على الرغم من تحذيرات زوجته التي طلبت منه أن ينصرف بهدوء قائلة له سيقتلونك، فقد كان هذا الفنان على الرغم من نجاحه وشهرته التي لا بأس بها، يتعرض للتمييز العنصري كغيره من الأمريكيين ذوي الأصول الافريقية، في مجتمع لم يكن قد تغير بعد، وكان الشعور بالتفوق العرقي لا يزال سائداً، وعلى الرغم أيضاً من أنه في ذلك الوقت كانت حركة الحقوق المدنية الأمريكية قد بدأت نضالها من أجل استعادة الحقوق المسلوبة، بدءاً من حق التصويت وحرية التنقل، والتنزه والاندماج في المجتمع، وما إلى ذلك من أبسط أشكال ممارسة الحياة العادية للبشر، إلا أنها لم تكن قد تمكنت بعد من تحقيق ما تطمح إليه من عدالة ومساواة.

وكان سام كوك يعيش هذه الأجواء، ويشهد ذلك الصراع بين الواقع المرير والمحاولات الأولى لتغييره، ولم يكن يعلم أن أغنيته تلك ستكون بمثابة النشيد الرسمي لحركة الحقوق المدنية الأمريكية، وأن كل المطالبين بالحقوق والتغيير في العالم سوف يلتمسون الإلهام منها، وقوة الاعتقاد في ضرورة التغيير وحتمية التبدل، وإن بدا الأمر حلماً لا سبيل إلى تحقيقه، كما استلهم كوك كلمات أغنيته من تاريخ كامل من الظلم، يتجاوز بمراحل هائلة ما كان يتعرض له هو شخصياً، فربما كان هو من المحظوظين، على الرغم من كل شيء، حوّل كوك ما كان يضطرب في نفسه من أحاسيس وأفكار إلى موسيقى منتظمة تنساب متدفقة كمياه النهر الذي يذكره في بداية الأغنية قائلاً: ولدت بجوار النهر في خيمة صغيرة، ومنذ ذلك الحين ما أزال أجري مثله. والنهر الذي يقصده هو نهر المسيسبي الذي ذهب بخياله إليه، ربما لينشد الراحة والشعور بالأمان والقوة في اللحظات العصيبة، أما المقطع الذي يتكرر خلال الأغنية فهو «لكنني أعلم أن التغيير سوف يأتي» يغنيه كوك وقد ملأ الحزن قلبه، إذ يحس في نفسه عجزاً، ويعيد غناءه بصوت يغلب عليه الأسى والحزن العميق والألم الشديد والعناء المبرح، وقد تثاقل الغم على قلبه، وخلال هذا الوقت الطويل تراكمت الدموع والهموم الراكدة والأحزان الكامنة، ويصف في أغنيته كم كان العيش صعباً، ويذكر خوفه من الموت الذي يخشاه لأنه لا يعرف ما الذي ينتظره هناك، وتتعدد صور المعاناة التي يذكرها، لكنه يتبعها دائما بقول، أعلم أن التغيير سوف يأتي، والجزء الأشد تأثيراً هو الذي يصف فيه كيف كان ينهره الآخرون عندما يذهب إلى دور السينما أو المتنزهات، ويقولون له لا تتجول هناك، كما يصف أيضاً صورة مروعة لخذلان الإنسان لأخيه، وإيذاء البشر لبعضهم بعضا، ما يوحي بمدى صعوبة التغيير، لكنه يتمسك بالأمل في حدوثه على الرغم من ذلك.

*كاتبة مصرية









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي