

واشنطن: بعد شهور طويلة من الشكوك والاتهامات المتبادلة بين الأطراف المشاركة في مفاوضات فيينا التي تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني، الذي يعود إلى عام 2015، لا تزال نتائج المباحثات غير واضحة.
وتسير المفاوضات بوتيرة "بطيئة للغاية"، بحسب وصف وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) مساء أمس الثلاثاء، والذي أضاف: " لا نزال بعيدين عن إبرام صفقة".
وتجري مفاوضات فيينا بين إيران ومجموعة 4+1 (ألمانيا وفرنسا وبریطانیا وروسيا والصين)، إلى جانب مندوب الاتحادالأوروبي. وتشارك الولايات المتحدة بشكل غير مباشر.
وقال أبو القاسم باينات، زميل مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية بجامعة هارفارد، في تقرير نشرته مجلة ناشيونال إنتريست، إنه صار من الواضح بشكل متزايد أن استعادة الاتفاق النووي المعروف رسميا باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة، يشكل تحديا كبيرا دون ضمان استمراره.
ويضيف أنه بعد بضع سنوات من انسحاب الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق، ثم إطلاقه حملة الضغط القصوى ضد إيران، ورد طهران عبر تسريع برنامجها النووي وتوسيعه، يتعين على صناع السياسات في واشنطن وطهران ضمان بقاء الاتفاق ساريا لجميع أطرافه طوال فترة استمراره، بمجرد إحيائه.
وفي حين يدعو بعض الساسة إلى تكثيف الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية على إيران لتمتثل لأغراض أمريكا، أثبتت هذه الأدوات أنها تأتي بنتائج عكسية، وتسبب تصعيدا خطيرا. ويكمن الحل الأفضل في تعزيز الاتفاق النووي بطريقة تقلل إلى أدنى حد احتمال حدوث انشقاق بين أطرافه.
ويقول باينات إنه ليس سرا أن آليات إنفاذ الاتفاق والتكاليف والفوائد الإجمالية الخاصة به، مشوهة، ولكن ما هو أقل إدراكا هو أن الخلل المتضمن في الاتفاق النووي يقوض مصالح الولايات المتحدة وأهداف منع الانتشار النووي. وأخطر مظاهر هذا الخلل هو أن الاتفاق لا يتضمن إرساء ردع قانوني وسياسي متبادل بين إيران والولايات المتحدة فيما يتعلق بانتهاكه أو الانسحاب منه تماما. وبدلا من ذلك، عمل الاتفاق على بناء ردع أحادي الجانب ضد إيران من خلال التهديد بإعادة فرض العقوبات، الأحادية والمتعددة ضدها، والتسبب تلقائيا في إحالة طهران إلى مجلس الأمن الدولي، حال انتهكت الاتفاق أو انسحبت منه.
وعلى النقيض من إيران، لم تواجه الولايات المتحدة وأطراف أخرى في الاتفاق أي عوائق قانونية أو سياسية حال الانسحاب منه، أو عدم الامتثال لبنوده. وعلى هذا النحو، فإن الرادع المحتمل الوحيد ضد انسحاب الولايات المتحدة وأعضاء آخرين، ظل التدابير النووية أحادية الجانب التي اتخذتها إيران خارج الاتفاق لرفع تكاليف عدم امتثال هذه الأطراف.
ورغم ذلك، ترك التفاوت الكبير في القوى بين إيران والولايات المتحدة والشكوك بشأن قدرة طهران السياسية والتقنية على اللجوء إلى هذه التدابير، مجالا لسوء التقدير وقوضت الردع الإيراني أحادي الجانب.
ومن الواضح أن هذا الوضع ليس لا يصب في مصلحة أي من أطراف الاتفاق على المدى الطويل، كما أظهرت التطورات خلال السنوات الماضية. وندد مسؤولو إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن مرارا بانسحاب إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي، منتصف عام 2018، باعتباره خطأ استراتيجيا وأحد أسوأ قرارات السياسة الخارجية لواشنطن على مدى العقد الماضي.
وقد بات المجتمع الدولي، الذي كان في السابق غير مبال إلى حد كبير بالاتفاق، مقتنعا الآن بأن استعادة الاتفاق وعودة جميع الأطراف إلى الامتثال له يصبان في صالح السلام والأمن الإقليميين.
واليوم، وبينما يواصل أعضاء سابقون وحاليون في الحكومة الإسرائيلية رفض الاتفاق باعتباره اتفاقا خطيرا يمهد الطريق أمام إيران لامتلاك قنبلة نووية، يدرك العديد من كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، السابقين والحاليين، أن انسحاب الولايات المتحدة منه كان خطأ فادحا قوض أمن إسرائيل، وعلى هذا النحو دعموا محاولة إدارة بايدن العودة إلى الاتفاق مجددا.
ويقول باينات إن الخروج من هذا المأزق وتقليل فرص انهيار الاتفاق مرة أخرى يتطلب بناء ردع قانوني وسياسي متبادل. وأي إجراءات قانونية وسياسية تجعل انتهاك الاتفاق والانسحاب منه مكلفا ومرهقا يمكن أن تسهم في تحقيق هذا الهدف. ومن هذه الآليات إضافة المزيد من الجهات المحلية والدولية التي تستخدم حق النقض من أجل أن يصبح قرار الانسحاب فعالا. وقد يتخذ ذلك شكل استنفاد عملية مراجعة داخلية صارمة داخل الاتفاق النووي والمطالبة بالحصول على إذن من مجلس الأمن الدولي أو الهيئة التشريعية الوطنية للأطراف المعنية، أو كليهما معا، لاستكمال طلب الانسحاب.
وفي حين أن غياب الردع القانوني والسياسي المتبادل، والفعال، لا يزال يشكل أكبر تهديد لإحياء الاتفاق واستدامته، فإن أي قضايا أخرى تقلل من الفوائد الاقتصادية الفعلية للاتفاق بالنسبة للأطراف تشكل تحديا مماثلا للاتفاق من خلال تقويض الدعم الشعبي والنخبوي له.
ويظهر سجل تنفيذ الاتفاق من عام 2016 إلى عام 2018 أن إيران لم تتمكن من الوصول بشكل كامل إلى النظام المالي الدولي بسبب القيود الأمريكية المستمرة على المعاملات الإيرانية المتعلقة بالدولار ومخاطر التنقل في حقل الألغام القانوني لنظام العقوبات الأمريكية المتبقي للبنوك والشركات الأجنبية. وفي حين أن تطبيق هذه القيود لا يتعارض مع نص الاتفاق، إلا أنه يتعارض مع روحه للسماح لإيران بالانخراط بشكل حر في التجارة الدولية مقابل تقديم ضمانات موضوعية بأن برنامجها النووي لن يتحول أبدا إلى أغراض عسكرية.
ونظرا لمجالات النزاع الأخرى بين طهران وواشنطن، من المفهوم أن الحكومة الأمريكية لن ترغب في التخلي عن سلاح العقوبات ضد إيران في ضوء قيمة نفوذها ووظيفتها السياسية لإرضاء جماعات المصالح المحلية وخدمة أهداف رمزية ومعبرة. ولكن ينبغي الموازنة بين هذه الضرورات والهدف الأكثر أهمية المتمثل في منع الانتشار النووي فيما يتعلق بإيران. كما أن أي عقوبات جديدة تقوض الفوائد الاقتصادية للاتفاق بالنسبة لإيران تخاطر بتقويض الدعم للاتفاق النووي داخل إيران، وبالتالي الإضرار بأهداف أوسع نطاقا لمنع الانتشار النووي.
وأخيرا يرى باينات أنه بدلا من الإصرار على استعادة الاتفاق بشكله الأصلي وتنفيذه حرفيا، ينبغي على الطرفين السعي إلى تصحيح مظاهر الخلل في التوازن به فيما يتعلق بآليات إنفاذه وتحقيق فوائده الاقتصادية. ومن المرجح أن يؤدي الفشل في معالجة أوجه القصور المهمة هذه إلى تمهيد الطريق أمام إيران ذات القدرة النووية الأكثر تقدما وغير المقيدة والتي تتمتع بوضع العتبة نووية، أو اندلاع صراع عسكري كارثي معها يمكن أن يجتاح منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وقد يمتد إلى خارجها.