باليه «كسارة البندق»: تشايكوفسكي والخيال الموسيقي الراقص

2022-01-04

عرض باليه «كسارة البندق»مروة صلاح متولي*

عرض باليه «كسارة البندق» للمرة الأولى عام 1892 قبل سنة واحدة من وفاة تشايكوفسكي، الذي بدأ في تلحينه بعد أن تجاوز الخمسين، لكنه أطلق طفولته الكامنة في أعماقه لتعبر موسيقياً عن أجواء الكريسماس والمرح العائلي، ولعب الصغار وفرحتهم بالهدايا، وأحلامهم وخيالهم الواسع، وكل ما جاء في الحكاية الخرافية، التي ألفها الكاتب الألماني إرنست تيودور هوفمان، فلا تنقطع المتعة الموسيقية في هذا العمل، منذ الافتتاحية وحتى آخر نغمة من نغماته.
وبعيداً عن بقية أعمال تشايكوفسكي العظيمة، من يستمع إلى موسيقى هذا الباليه تحديداً، يتساءل كيف لنفس واحدة أن تحمل كل هذا التنوع الموسيقي في داخلها، حيث ينتقل تشايكوفسكي من ميلودي جميل إلى آخر أكثر جمالاً إلى آخر ساحر، كأنه يستطيع أن يبتكر الألحان إلى ما لا نهاية، وتتضاعف المتعة بالرقص الذي صممه الفرنسي ماريوس بيتيبا بالتعاون مع الروسي ليف إيفانوف، ومن خلاله تُروى أحداث الحكاية الخيالية من جديد بلغة الحركة، ورغم قدم هذا الباليه واعتماده على عناصره الفنية الأساسية، التي تعد قليلة، إلا إنه يحتوي على خيال ساحر للعقول الصغيرة والكبيرة، يكاد ينافس أفلام ديزني بإمكانياتها الحديثة وطاقاتها الجبارة، ويمنح المتفرج متعة حقيقية خالصة، قد تفوق المتعة الموجودة في الرسوم المتحركة.
يقع القسم الأكبر من أحداث الباليه داخل حلم غريب وجميل، تراه الطفلة كلارا بعد أن تنام وهي تحتضن هدية الكريسماس، التي تلقتها من أحد الأقارب في سهرة العيد العائلية اللطيفة التي جمعت الكثير من الأطفال والكبار من أجيال مختلفة، والهدية دمية على شكل رجل يمكن استعمالها ككسارة للبندق، هذا الرجل يحميها من الفئران، وتنقذ هي الأخرى حياته بعد معركة حامية خاضها مع ملك الفئران، وكاد أن يقتله لولا أن صوبت كلارا نعلها باتجاه رأسه، وبعد التخلص من ملك الفئران وجيشه، وكما هي العادة في الحواديت الخرافية، تعيد الجميلة الأمير المسحور إلى طبيعته البشرية، فتتحول الكسارة إلى أمير وسيم، يقع في غرام كلارا، التي تتحول من طفلة صغيرة إلى شابة فاتنة، ويصحبها في رحلة إلى غابة الصنوبر التي يكسوها الجليد، حيث ترقص حبات الثلج، ثم يذهب بها إلى مملكته وقصره المقام على أرض الحلوى، وتبدأ في هذا القصر حفلة كبيرة على شرف كلارا، وتؤدى من أجلها الرقصة الإسبانية (رقصة الشوكولاتة) والرقصة العربية (رقصة القهوة) والرقصة الصينية (رقصة الشاي) والرقصة الروسية (رقصة عكاز الحلوى) وكذلك رقصة الفلوت الثلاثية وفالس الزهور، ورقصة جنية البرقوق، وبعد الرقصة الثنائية الشهيرة Pas de deux تتوج كلارا أميرة على مملكة الحلوى، ثم تصحو من نومها لتعود طفلة صغيرة مرة أخرى، لا أحد معها في غرفتها سوى الدمية الصامتة أو كسارة البندق، التي ترفعها عالياً وتنظر إليها بحب.

التنوع الصوتي

ينعم المستمع دائماً بالتنوع الصوتي في موسيقى تشايكوفسكي، فهو كريم في استخدام الآلات الموسيقية على وجه الإجمال، وزاد كرمه بدرجة كبيرة في باليه «كسارة البندق» حيث توجد الأوركسترا الكاملة التي أضاف إليها بعض الآلات غير المشهورة، أو غير المستخدمة كثيراً، كآلة الشيليستا التي لا هي بالبيانو ولا هي بالهاربسيكورد، لكنها تشبههما إلى حد ما، وآلة البيكولو وهي من الهوائيات الخشبية وتنتمي إلى عائلة الفلوت، وآلة الكورنو الإنكليزي، وهي أيضاً من الهوائيات الخشبية وتنتمي إلى عائلة الأوبوا، واعتمد على عدد هائل من الآلات الإيقاعية، وكذلك على ثنائي الهارب والانسحابات المتكررة للأصابع على الأوتار، التي تذكر بأن كل شيء يجري في عالم الخيال، كما اعتمد على الصوت البشري وغناء الكورال الذي يهمهم بلا كلمات منطوقة في رقصة حبات الثلج، ويحتوي هذا العمل على مجموعة من الألحان القصيرة، التي عندما يصغي إليها البعض، سيتذكر على الفور أنه قد استمع إليها من قبل في مناسبة أو أخرى، وأنه يعرف هذه الموسيقى بعيداً عن الباليه، فقد خرجت هذه القطع من كسارة البندق لتحقق نجاحاً مستقلاً، وليتم استخدامها في السينما والدعاية والبرامج التلفزيونية وأفلام الكارتون، ويخاطب تشايكوفسكي بموسيقاه الحواس كافة، لا السمع فقط، فالألحان نفسها تحتوي على الحركة والألوان والخيال والشعور، وكل ما يتصل بالأطفال والأعياد والحواديت الخرافية، فالعمل بطلته طفلة، ومكان حدوثه وهمي غير موجود في الواقع، أما زمنه فهو حلم قصير مملوء بالتفاصيل، وكل شيء من خلق الخيال وفي عالم الأحلام، ومن رقصة إلى رقصة، ومن قطعة موسيقية إلى أخرى، تصطبغ الموسيقى بصبغة المكان والحدث، وتتسم بخصائص الشخصية الراقصة وحالتها الشعورية، ويتكيف التعبير الموسيقي مع الحركة، من خلال الإيقاعات المبتكرة وعناصر التقسيم والتقطيع المتتابع، الموزعة بين الجمل الموسيقية، أما التعبير الجسدي عن هذه الموسيقى فيعتمد على التأثر الحسي بالأنغام، الذي يخلق الحركة العاطفية في الحيز الزماني والنفسي للرقصة بتتابع الخطوات وتطور إيقاعها.
كان تشايكوفسكي يؤلف موسيقى للرقص، بطلب من مصمم الباليه ماريوس بيتيبا وبتوجيهات محددة أحياناً، تتضمن ملاحظات وتصورات حول الشكل الموسيقي المناسب للرقصة، فكانت الحركة في ذهن الموسيقي دائماً وأمام عينيه، ولم يكن تعبيره الموسيقي عن حكاية كسارة البندق حراً ليكون سيمفونية في النهاية، على سبيل المثال، أو أي قالب موسيقي آخر، وكان يعلم أن تأليفه لهذه الموسيقى ليس آخر مراحل العملية الفنية، وأن ألحانه لن تصل إلى الجمهور عن طريق السماع فقط، لكنها سوف تقترن بالمتعة البصرية ومشاهدة خطوات الراقصين، والحق أنه يجب عدم اختزال موسيقى كسارة البندق إلى المتتالية الشهيرة، التي تضم منتخبات من الألحان الرائعة بالفعل، فكل نغمة في هذا العمل جديرة بحسن الإصغاء والتمعن في الاستماع إليها، والانتباه إلى التفاصيل الفنية الدقيقة واللمسات الخارقة، ويمكن الحديث عن كل نغمة من هذه النغمات طويلاً، وإن مقدمة العمل وحدها قطعة فنية بديعة، تحقق المتعة والبهجة، رغم أنها تعزف قبل فتح الستار وابتداء الرقص، ومن أهم عناصر البهجة في هذا الباليه هو وجود الأطفال بالطبع، الذين يؤدون رقصات مختلفة فردية وجماعية، سواء في الجزء الأول الواقعي في حفلة الكريسماس، أو في الجزء الخيالي الحالم في أرض الحلوى، وكان تشايكوفسكي يلحن لهذه الأقدام الصغيرة بحب ومرح انعكسا على موسيقاه، وبابتسامة ربما كانت ترتسم على وجهه أثناء التأليف.

ينعم المستمع دائماً بالتنوع الصوتي في موسيقى تشايكوفسكي، فهو كريم في استخدام الآلات الموسيقية على وجه الإجمال، وزاد كرمه بدرجة كبيرة في باليه «كسارة البندق» حيث توجد الأوركسترا الكاملة التي أضاف إليها بعض الآلات غير المشهورة، أو غير المستخدمة كثيراً، كآلة الشيليستا التي لا هي بالبيانو ولا هي بالهاربسيكورد، لكنها تشبههما إلى حد ما.

الاحتراف المبكر

ويعد باليه «كسارة البندق» من الأعمال التي تتيح لأطفال معاهد الباليه فرصة الاحتراف المبكر، وتذوق طعم النجومية ولذة الوقوف على خشبات المسارح العريقة أمام الجمهور الكبير، الذي يشجعهم بعاطفة قوية دائماً، ويكرر الثناء والتصفيق بعد كل رقصة، ويصاحبهم أحياناً بالتصفيق أيضاً أثناء الرقصة نفسها، على إيقاع موسيقى تشايكوفسكي التي تخلق في داخلهم هذه الرغبة وتساعدهم عليها، وفي الفصل الأول يبدأ رقص الأطفال بدخول مجموعة من الأولاد والبنات، على لحن المارش الشهير بدقاته السريعة المتلاحقة وتكرارها الذي لا يمل، هذا اللحن ودخول الأطفال ينقل المتفرج إلى درجة أعلى من الحماس والانغماس في أجواء الباليه، وينتهي اللحن بظهور كلارا وتفردها على المسرح بحركات قليلة مع صاحب الهدايا، وخلال فقرة الأراجوز، أو مسرح العرائس الصغير الذي يقام في الحفلة، يكون على الأطفال أداء بعض الحركات الجسدية غير الراقصة، والكثير من الأداء التمثيلي الصامت في الجزء الخاص بفتح الهدايا، والتعبير عن الدهشة والإعجاب والانبهار، وتشايكوفسكي نفسه كان مبهراً بموسيقاه في هذا الجزء البديع من الباليه، الذي يقوم فيه الأب الروحي لكلارا بفتح ثلاث هدايا قبل أن يمنحها كسارة البندق، حيث ألف لكل هدية، اللحن الذي يصفها تماماً ويعبر عن طبيعتها وأثرها وحركتها، وهيئتها الجسمانية كما يجب أن يكون، وهي ألحان قصيرة جداً، يرقص على أنغامها الراقص لدقيقة واحدة أو أقل من دقيقة، لكنها تحقق نجاحاً كبيراً في العرض، الهدية الأولى هي البهلوان، وقد منحها تشايكوفسكي لحناً سريعاً يتحرك على شكل قفزات إيقاعية، والهدية الثانية هي الدمية الشقراء الفاتنة، التي منحها لحناً راقياً فخماً تدور موسيقاه ولا تكف عن الدوران، أما الهدية الثالثة فهي ذلك الجني الذي ينطلق من صندوق أسود كبير، وتنطلق معه موسيقى تشايكوفسكي، بنغمات متقطعة وإيقاعات ثرية، وتصاعدات متلاحقة، تصاحبها رقصة من أصعب الرقصات في هذا الباليه، رغم إنها تؤدى في لحظات قليلة جداً، لكنها تتطلب السرعة الشديدة ودقة التوازن أثناء الدوران على ساق واحدة.

الاداء الصامت

صات وبعد انتهائها، يواصل الأطفال الأداء التمثيلي الصامت، حتى تأتي لحظة تقديم كسارة البندق، اللعبة التي ينصرف عنها الجميع ويرفضونها، ما عدا كلارا التي تحبها وتأخذها بفرح تعبر عنه برقصة جميلة على لحن رائق بديع، يعكر صفوه دخول الأطفال الذكور الأشقياء، حيث يكسر أحدهم اللعبة، فتبكي كلارا حتى يصلحها الأب الروحي ويعيدها إليها، فتضمها بحنان وترقص معها من جديد على لحن أكثر رقة، ويخلو المسرح من الآخرين وتهنأ كلارا بالانفراد مع لعبتها، وتهدأ الأجواء بعد انصراف الضيوف ومغادرتهم المنزل، واللطيف في هذا الجزء تلك الموسيقى البطيئة جداً التي عبر بها تشايكوفسكي عن رقصة الجدة التي بالكاد تتحرك وتتمايل بخطوات قليلة، وتكاد الموسيقى تنام أيضاً مع مشهد نوم كلارا في فراشها، وفي الحلم تستمر هذه الطفلة في الرقص والأداء التمثيلي في معركة الفئران، حتى يظلم المسرح تماماً وتحل محلها كلارا الشابة الجميلة بصحبة أميرها، وفي معركة الفئران أيضاً تكون جيوش كعك الزنجبيل من الأطفال، أما رقصة الفلوت الثلاثية التي تؤدى في القسم الأخير من الباليه، خلال حفلة قصر الحلوى، فيؤديها ثلاثة أطفال، ولد يتوسط بنتين معظم الوقت، يرقص مع كل منهما قليلاً، ويرقصون مجتمعين، ويرقص كل منهم منفرداً، ويؤدي الولد تحديداً بعض الرقصات المنفردة والحركات الصعبة كتلامس القدمين وضرباتهما السريعة المتلاحقة أثناء القفز في الهواء، وتعتمد موسيقى هذه الرقصة على آلة الفلوت بشكل أساسي.
ومن المثير حقاً للمستمع العربي أن يكتشف كيف عبر تشايكوفسكي عن هذه المنطقة وثقافتها، ولا يمكن القول إنه استخدم الوسيلة المثلى في سبيل هذا، لكنها رؤية أجنبية على كل حال ولا يُنتظر منها أكثر من ذلك، وبشكل عام يلاحظ السامع أنه قد جعل الموسيقى غامضة إلى حد ما، وداكنة ذات حس غرائبي عجائبي، بإيقاعات صارمة وحزينة، وكذلك جاءت الحركة غامضة أيضاً في الرقصة التي تؤديها أربع راقصات، بالإضافة إلى الراقصة الرئيسية، ويميزهن المظهر الشرقي المرتبط في المخيلة بألف ليلة وليلة، حيث الملابس الحريرية والأوشحة والسراويل الواسعة، والضفائر السوداء الطويلة، والحلي والزينة والمجوهرات، هذه الرقصة هادئة ورصينة، تعتمد على حركات الباليه الأساسية مع تحريك الخصر قليلاً بمقدار محدود تماماً، أما أكثر ما استلهمه المصمم من الرقص الشرقي، فهو حركة الذراعين والأيدي، وعملت المناديل الحريرية الرقيقة المثبتة في أصابع اليدين، على إبراز الحركة وإظهار أثرها، وجذب الانتباه إليها وزيادة الإحساس بها، حيث تحرك راقصة الباليه ذراعيها ويديها بنعومة وانسيابية في الهواء كما تفعل الراقصة الشرقية.

 

*كاتبة مصرية









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي