ما المكاسب التي سينالها من أزمة أوكرانيا؟

فعل ما لم يفعله ستالين.. سر جرأة بوتين أمام الغرب

2021-12-09

الرئيس الروسي بوتين (ا ف ب)

لا أحد يعلم هل ستهاجم روسيا أوكرانيا أم لا، ولكن المؤكد أنه في الحالتين إما سيقضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غنيمة حرب جديدة من أوكرانيا أو سيخرج بمكسب سياسي من الغرب.

بينما حاولت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تصوير الاتصال الهاتفي، الذي أجراه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه دليل على قوة أمريكا، وهيبة رئيسها الديمقراطي، ولكن بصرف النظر عن صحة ذلك من عدمه، فإن الاتصال انتصار لبوتين، الذي عاد للواجهة، باعتباره نداً للرئيس الأمريكي، الذي يسعى لإقناعه بكف يده عن أوكرانيا.

فلماذا أصبح بوتين أكثر تجرؤاً على الغرب بطريقة فاقت حتى جرأة السوفييت في ذروة قوتهم.

ستالين كان يراعي مصالح الغرب

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية بهزيمة ألمانيا وظهور الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة كقوتين عالميتين سارع الاتحاد السوفييتي بوضع يده على المناطق التي حررها من ألمانيا النازية، بما في ذلك الشطر الشرقي من ألمانيا ذاتها، ورغم أن ذلك بدا أكبر توسع لروسيا في تاريخها الاستعماري منذ عهد القياصرة، ولكن اللافت أن هذا تم بتغاضٍ أو قبول ضمني غربي.

ولكن عندما كان يخرج السوفييت عن حدود دائرة نفوذهم المتفق عليها، كانت الولايات المتحدة تسارع بالعمل على التصدي لهم مثلما حدث خلال فترة الاحتلال السوفييتي لشمال إيران وتشكيله لجمهوريتين مستقلتين في أذربيجان الإيرانية وكردستان إيران.

بل إن اللافت أن الاتحاد السوفييتي حتى في عهد زعيمه الدموي جوزيف ستالين، كان حذراً عندما كان حلفاؤه الشيوعيون يقررون توسيع نفوذهم أمام الغرب، بدا ذلك واضحاً في حرب كوريا المنسية والتي شهدت هجوماً من كوريا الشمالية على كوريا الجنوبية، فلقد شهدت هذه الحرب تدخلاً صينياً واسع النطاق ومعلناً، بينما كان التدخل السوفييتي حذراً وحرصت موسكو على إخفائه بشكل كبير.

بل في ظل ذروة قسوة الحكم السوفييتي تحت قيادة ستالين، كان الاتحاد السوفييتي يضغط على حلفائه من الأحزاب الشيوعية في دول كثيرة مراعاة لمصالح الغرب، مثلما حدث في الحرب الأهلية اليونانية، والتي اعترف خلالها الاتحاد السوفييتي بأن اليونان هي ساحة للنفوذ الغربي ولاسيما البريطاني رغم أن الشيوعيين كانوا القوة المسيطرة على البلاد خلال فترة نهاية الاحتلال النازي وبداية الحرب الأهلية.

ويمكن القول إن كثيراً من النفوذ الذي اكتسبه الاتحاد السوفييتي في العالم خارج القارة الأوروبية كان جزءاً منه ليس من السياسات الهجومية السوفييتية بقدر ما هي ما نتيجة عوامل محلية مثل ظهور الحركات والزعامات المحلية المعادية للاستعمار والمطالبة بالاستقلال وتقوية والرافضة للهيمنة الاقتصادية الغربية والراغبة في إزالة الفروق الطبقية وهي عوامل دفعت كلها هذه الزعامات لطلب الدعم السوفييتي.

وأغلب مغامرات وغزوات الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، كانت في مناطق نفوذه التقليدية وكان هدفها وأد أي تمرد على منظومته الشيوعية.

وإذا كان يجرى دوماً المقارنة بين أفغانستان باعتبارها فيتنام الاتحاد السوفييتي، فيجب تذكر أن أفغانستان ملاصقة للاتحاد السوفييتي، بينما فيتنام تقع على بعد آلاف الأميال من الولايات المتحدة.

مالت السياسية السوفييتية في تنفيذ مخططاتها التوسعية لمنطق تقاسم النفوذ مع الغرب، وعدم استفزازه وتوريط العالم في حرب نووية، وهو ما ظهر في أزمة الصواريخ الكوبية التي كانت مغامرة سوفيتية نادرة انتهت بانصياع موسكو لطلبات واشنطن.

ولكن في عهد بوتين شهد السلوك الروسي تطوراً مختلفاً، فإذا كان يمكن اعتبار حروب روسيا وتدخلاتها في جورجيا ومولدوفا والشيشان حروباً صغيرة تحاول ترميم النفوذ الروسي المتداعي، فإن بوتين وسّع التدخل العسكري الروسي بشكل غير مسبوق في تاريخ روسيا سواء في عهودها القيصرية أو السوفييتية.

فحتى في ذروة الدعم السوفييتي للدول العربية في حروبها ضد إسرائيل لم يكن لموسكو يوماً مقدار هذا النفوذ في الشرق الأوسط والبحر المتوسط مثلما هو الحال الآن؛ حيث تسيطر على سوريا فعلياً، وهي لاعب رئيسي مؤثر في ليبيا، أكثر من أي دولة أوروبية أو أمريكا وأكثر من  مصر والإمارات ولا يوازنها سوى الدور التركي.

الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين (التواصل الاجتماعي)

نقطة الانقلاب في السياسة الروسية

يعتقد أن نقطة الانقلاب في الاستراتيجية الروسية بدأت عام 2013، عندما اعتبرت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما أن استخدام الرئيس السوري بشار الأسد الأسلحة الكيماوية ضد شعبه ومعارضيه خطاً أحمر، ولكنها لم تفعل شيئاً لمعاقبته بعد أن "هددت وتوعدت وأرغت وأزبدت"، وانتهى الأمر بتسوية تضمنت تسليم جزء من السلاح الكيماوي السوري بوساطة روسية، في صفقة ثبت أنها لم تؤد إلى تخل الأسد الكامل عن ترسانته الكيماوية التي أعاد استخدامها بعد ذلك بسنوات.

أثبتت هذه الصفقة "وهن الغرب"، وجرّأت روسيا على أن تقوم بخطوتها التالية، وهي غزو أوكرانيا وضم القرن وفصل إقليم الدونباس عن كييف عام 2014، وكان رد فعل الغرب باهتاً عبر عقوبات اقتصادية متوسطة، سرعان ما تغلب عليها الدب الروسي الذي فُتحت شهيته لتوسع خارجي آخر سيتبين أنه ضعيف التكلفة كثير المكاسب.

فسرعان ما أرسل بوتين قواته وطائراته لسوريا لتفتك بمدينة حلب معقل المعارضة السورية وواحدة من أقدم المستوطنات البشرية عمراناً، واخترقت طائراته أجواء تركيا عضو الناتو دون رد يذكر من أمريكا التي بدأت تتعامل مع الأمر كوسيط وطرف محايد إن لم يكن شامتاً في أنقرة.

وتحول التدخل الروسي في سوريا إلى نقطة تحول جديدة في النفوذ الروسي، فتحسّنت العلاقة مع تركيا بعدما أوشكت أن تتحول لاشتباك إثر إسقاط أنقرة لطائرة روسية اخترقت أجواءها، وانفرد روسيا وإيران وتركيا بتحديد مصير سوريا دون أي دور عربي أو غربي.

وبعد انتصاره في سوريا، بات حلفاء واشنطن العرب يخطبون ود بوتين ويريدون شراء أسلحته، ثم أرسل الرجل مرتزقته هذه المرة إلى ليبيا، لدعم حفتر، محاصراً أوروبا من خاصرتها الجنوبية دون رد فعل من الغرب، بل على العكس فرنسا كانت في نفس الصف معه في دعم حفتر.

وتحوّل بوتين لصديق للإمارات ومصر وبصورة أقل السعودية، إضافة إلى علاقة حليف الحليف التي تربطه بإيران، وهو على تنسيق رفيع المستوى مع إسرائيل في سوريا وبلغ الأمر به إلى التطلع لتشييد قاعدة بحرية في السودان، وباع أسلحة لمصر بطريقة لم تحدث منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

أصبح النفوذ الروسي يحيط بأوروبا وهو نفوذ كان حجمه وأسلوب تشكيله صادماً للمسؤولين الغربيين الذين كانوا يتساءلون كيف لدولة حجم اقتصادها معادل لاقتصاد كندا أو كاليفورنيا أن تهدد الاتحاد الأوروبي أو تتحدى أمريكا رغم أن اقتصاد موسكو أقل من عُشر أي منهما.

كيف نجح بوتين في حصار الغرب؟

يمكن القول إن نجاح بوتين في بعث النفوذ الروسي وراءه نوعان من العوامل الأساسية.

عوامل مرتبطة بروسيا نفسها واستراتيجيتها، والعوامل الأخرى مرتبطة بأخطاء الغرب أو عيوب هيكلية لديه.

فيما يتعلق بالعوامل المرتبطة بروسيا، قد يكون أبرزها الاقتصاد.

يمكن القول إن بوتين طور اقتصاداً قادراً على التكيف مع الأزمات.

منذ سنوات لم تحقق روسيا نمواً اقتصادياً مثيراً مثل تركيا والدول الآسيوية التي تقف على رأسها الصين، ولم تحقق روسيا اختراقات تذكر في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد، كالصين وأمريكا وألمانيا.

في المقابل، يتمتع الاقتصاد الروسي باحتياطيات مالية كبيرة نسبياً لحجم الاقتصاد، كما أن الميزانية الروسية قادرة على تحمل انخفاض أسعار النفط، أكثر من معظم دول الأوبك، إضافة إلى أن البلاد منتج مهم للحبوب ومواد خام كثيرة، ولديها تميز في بعض الصناعات الاستراتيجية مثل الطاقة النووية ومحطات الكهرباء والأقمار الصناعية والصناعات العسكرية بطبيعة الحال.

وليس لدى البلاد قطاع تكنولوجي مثير للإعجاب كالذي طورته الصين، ونمو صناعاتها يبدو أنه يسير كالسلحفاة مقارنة ببكين ولكن أكثرها اعتماداً على الذات، وأقل حاجة للغرب في هذه الصناعات مقارنة بالصين.

فمازالت هواتف الصين المحمولة وطائراتها المدنية التي تدخل الخدمة تحتاج إلى استيراد المعالجات والمحركات من الغرب أو روسيا.

يخلق بوتين ما يمكن أن نسميه العالم الروسي، الممتد من المحيط الهادى إلى إقليم الدونباس الأوكراني، وهو هو عالم مستقل لم يصل للاكتفاء الذاتي، ولكن اعتماده ليس كبيراً على الخارج، وهو متداخل مع العوالم الصينية والعربية والإفريقية؛ حيث يقدم نفسه أحياناً كبديل للغرب.

الأهم أن العالم الروسي مازال متداخلاً مع العالم الغربي وتحديداً أوروبا، ولكن مع وجود حاجات متبادلة، فعبر صادرات الطاقة الروسية، فإن أوروبا تحتاج إلى موسكو كثيراً، والمخاطرة بفرض عقوبات شديدة عليها من أجل إقليم الدونباس الذي لا يعلم عنه أغلب الأوروبيين شيئاً يعني ببساطة تعريض أمن الطاقة الشخصي لكل مواطن أوروبي للخطر.

ولا يكتفي بوتين بورقة الطاقة، ولكن يستخدم ما يمكن تسميته الغموض المثير للخوف، والذي عزّزه نجاح مغامرتيه في أوكرانيا وسوريا، ففي حال وقوع أي أزمة، لا يخشى الغرب ما يحدث في الأزمة حالياً بل دوماً يخشى التصعيد لأنه لا يعلم إلى أي مدى سيصل بوتين.

فإذا هاجم بوتين أوكرانيا كما فعل في عام 2014، فإن الناتو لن يفكر في أوكرانيا غالباً، بل كل ما سيفكر فيه هو كيفية حماية جبهته الواهنة في البلطيق، وبالتالي فحتى فإذا فكر المسؤولون الأوروبيون والأمريكيون في رد شبه عسكري أو عقوبات مدمرة للاقتصاد الروسي، فإن ما سيوقفهم ببساطة أن بوتين يستطيع توسيع الهجوم.

وبالتالي يصبح أفضل سيناريو للغرب هو تقليل ما سيقضمه بوتين عبر عقوبات صورية وتطبيع تدريجي.

كيف هزم الغرب نفسه؟

في مقابل التخطيط الاستراتيجي الماكر لبوتين، فيمكن القول إن الغرب هزم نفسه بمواقفه الضعيفة، في أوكرانيا، وسوريا.

فالعقلانية المبالغ فيها والتي اتسمت بها إدارة أوباما تحديداً، كانت رسالة لبوتين بأن افعل ما تشاء فلن يكون هناك رد حاد من الغرب.

كما أن هناك فارقاً أساسياً بين الوضع خلال الحرب البادرة والوقت الحالي.

فخلال الحرب الباردة كان الرأي العام الغربي ولا سيما الأمريكي مؤهل لفكرة الحرب بما فيها النووية، وبالتالي استعداد واشنطن للتصعيد كان عالياً، وكان أي تفريط بمثابة خيانة؛ ولذلك كانت أزمات مثل حصار برلين أو الاحتلال السوفييتي لشمال إيران أو الحروب العربية الإسرائيلية تتحول لأزمات كبرى يجرى فيها سن أسنان الأسلحة النووية، وهو أمر كان يردع السوفييت عن فكرة التصعيد.

ولكن اليوم في الأزمة الأوكرانية، يستهل أي مسؤول أمريكي حديثه بالتأكيد على أن بلاده لن تدخل في حرب مع روسيا من أجل أوكرانيا، وهو أمر مفهوم ومنطقي، ولكنه يضعف موقف الغرب الأولى في الأزمة.

والمفارقة هنا أن شبح الحرب النووية هو الذي حقق استقراراً نسبياً خلال الحرب الباردة وردع الاتحاد السوفييتي قليلاً وثبت خطوط التماس نسبياً بين الكتلتين الشرقية والغربية، حينما كان يمكن أن يتحول أي عراك بين جندى ألماني شرقي وآخر ألماني غربي إلى شرارة لمثل هذه الحرب.

أما اليوم فإن شبح الحرب  النووية هو نفسه الذي يسبب عدم الاستقرار؛ لأن روسيا تتلاعب بمحيطها وهي واثقة أن أمريكا لن تتصدى لها عسكرياً خوفاً من اندلاع مواجهة نووية.

المفارقة الثانية أن المقارنة العسكرية بين الناتو أو الاتحاد الأوروبي أو أمريكا، وبين روسيا تظهر عجزاً روسياً في كل شيء باستثناء السلاح النووي.

ولكن الغرب ليس شيئاً واحداً، ففعلياً القوة الوحيدة الأقوى من روسيا هي أمريكا البعيدة عن أوروبا والمهمومة بصعود الصين، والتي قد لا يفهم مواطنوها لماذا يعرضون حياتهم للخطر وينفوقون أموالهم للدفاع عن بلد لم يكن يعرفون مكانه على الخريطة أو حتى اسمه قبل استقلاله عن الاتحاد السوفييتي.

وفرنسا صديقة خفية للروس أكثر من كونها عدوة لهم. أما ألمانيا فهي الدولة الوحيدة الأوروبية القادرة لو أرادت بناء قوة عسكرية نظيرة لروسيا خلال بضع سنوات، ولكن بالإضافة إلى تمكن الفكر المعادي للحرب في ألمانيا فإن ساسة البلاد ومواطنيها يفضلون استثمار الأموال في اقتصاد البلاد المتنامي واستمرار الصفقات المربحة مع روسيا، وسيظل هذا الموقف الألماني أكبر عائق أمام اتخاذ موقف غربي حاسم من روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجتمع مع نظيره الأذربيجاني إلهام علييف (د ب أ)

ماذا سيحصل بوتين هذه المرة من تفجيره للأزمة الأوكرانية؟

لا يمكن الجزم إذا كان بوتين يخطط لشن هجوم على أوكرانيا أم لا، كما أن الأمور قد تخرج عن سيطرة الجميع وتصل لهذا الحد.

ولكن في حال إتمام صفقة لإنهاء الأزمة يبدو أن بوتين يريد منها عدة مكاسب.

أولها الحصول على الالتزام بعدم انضمام أوكرانيا للناتو، وقد يشمل ذلك فيتو روسي حتى على انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي.

وحتى لو حصل بوتين على التزام صريح بذلك، ففي الأغلب، قد نجح في فرض خط أحمر على هذه المسألة حتى لو أعلنت أمريكا وأوكرانيا رفضهما لتقديم أي التزام.

ولكن بوتين قد يريد الحصول على مكاسب أخرى.

ففي مقابل تلويح أمريكا بأن أي هجوم على أوكرانيا من شأنه أن يطيح بالأمل، في تشغيل خط غاز السيل الشمالي 2 الذي ينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر الشمال.

فإن المنطقي، أن أحد الأثمان التي قد يتلقاها بوتين لتخفيف الحشد حول أوكرانيا هو تفاهمات أو تلميحات عن تقدم خطوات تشغيل غاز السيل الشمالي.

وقد يسعى بوتين أيضاًَ لرفع بعض العقوبات الحالية على روسيا، علماً بأن بايدن عرض  بالفعل تفعيل الحوار الأمريكي-الروسي على مستويات عالية، والرئيس الأمريكي وإن بدا حازماً مع بوتين، فإنه لم يكن متعالياً، بل تفيد تقارير بأن أجواء ودية سادت اللقاء.

ومثلما اضطر بايدن للاتصال ببوتين فور فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية بسبب أزمة أوكرانية مماثلة، في مطلع 2021، ها هو يكرر الاتصال في نهاية العام، حيث يبدو واضحاً أن بوتين يسعى لتحويل أوكرانيا من مصدر تهديد مفترض لبلاده إلى ما يشبه الرهينة التي يستغلها لابتزاز أمريكا وأوروبا.

واحد من أهم المكاسب التي قد يسعى لها بوتين، هي نيل ضمانات بعدم تعزيز تسليح أوكرانيا  لتقليص الفجوة الهائلة بين البلدين، علماً بأن روسيا أبدت قلقاً شديداً من استيراد أوكرانيا لطائرات بيرقدار التركية المسيرة، ويعتقد أن ذلك أحد أسباب حشده العسكري الحالي.

ولا يعرف هل يؤدي هذا الحشد إلى تعزيز الغرب دعمه لأوكرانيا بالسلاح، أم العكس، أي سيخفف الناتو من وتيرة تزويدها بالسلاح حتى لا يستفز روسيا.

خسائر روسيا ستكون بعيدة الأمد

بطبيعة الحال، لن يخرج بوتين من الأزمة محملاً بغنائم فقط، بل سيلحق به بعض الخسائر وأغلبها بعيدة المدى.

أول هذه الخسائر هي أنه أعاد تنصيب نفسه عدواً للغرب، والشخصية الشريرة التي يجب ترصدها، ومع أن الغرب لم تعد لديه العزيمة على أن يرد رداً قاسياً على هذه الشخصية، فإنه سيحاول التحوّط منها على المستوى البعيد.

وقد ينتج عن ذلك تسريع عدة تغييرات في سياسات الاتحاد الأوروبي والناتو.

فعلى المستوى العسكري، سيحاول الناتو تعزيز جبهته الضعيفة في البلطيق وبولندا، كما قد يسعى لتعزيز دور تركيا وهي إحدى الدول القليلة التي تجيد التعامل مع روسيا بخليط من الخشونة والصفقات بشكل جعل البلدين يتواجهان ثم يتفقان في ثلاث جبهات مشتعلة هي: إدلب بشمال سوريا وليبيا والقوقاز.

ليس من المتوقع حدوث طفرة عسكرية في قدرات الناتو ما لم تخرج ألمانيا بعض النقود من محفظتها لتعزيز قدراتها العسكرية، ولكن على الأقل فإن ما حدث سيدفع الناتو لمحاولة تدارك العجز الهائل في حدوده مع روسيا.

كما أن الاتحاد الأوروبي سيحاول تقليل اعتماده على مصادر الطاقة الروسية لا سيما الغاز الروسي الذي يلبي أكثر من ثلث احتياجات الاتحاد الأوروبي.

ولكن الأمر ليس بالسهل، كما ظهر في أزمة الطاقة التي اندلعت هذا الخريف وتسببت في وصول أسعار الغاز لمستويات قياسية، خاصة في ضوء عدم وجود أي مصادر بديلة ذات حجم مؤثر، فالغاز القطري أقرب لآسيا، وغاز شرق المتوسط تعرقله الخلافات التركية اليونانية.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي