الروائي القاص والشاعر اليمني الامريكي عبدالناصر مجلي : اكتب للمهمشين والمنسيين ولا اكتب للنخبة!

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2010-02-04 | منذ 10 سنة

صنعاء (الجمهورية اليمنية) –  حاوره: محمد السياغي
عندما سألته عن روايته "رجال الثلج" صدح قائلا: "من سفح العالم إلى قمته أتيت كبدوي يأتي من الصحراء، عاش أجيالا، جيلا بعد جيل، في الصحراء، يقف أمام بحر يسمى البحر، عندما يفتح مفهوم البحر، يفكك مفردة البحر، فجـأة يدخل في محيط، عندما تأتي من مجتمع جاف يغلب عليه الرمل والجبل والصحراء، وتصل إلى عالم فيه جبال وانهار ومساحات واسعة من الثلج، أنت تتساءل ما مفهوم ثقافة الثلج؟ أنت تقصد أن "رجل الثلج" أتت صدفة لكني لم أقصدها تكنيكيا بل أتت هكذا مع السياق". إنه الروائي والقاص والشاعر اليمني المهاجر عبد الناصر مجلي. فإلى الحوار:

* نفهم من كلامك أنك هاجرت في وقت مبكر، ماذا عن سقطات الغربة؟
- لم تكن هناك سقطات الحمد لله سبحانه وتعالى لأني حددت أولوياتي بسرعة كنت أمام خيارين، إما أن أكون مجرد مغترب عادي مهمته يجمع المال ويعود إلى وطنه كي يتزوج وينتهي به الأمر عند هذه الطريق، أو أن أكون مغايرا. ولو لاحظت في مقدمة مجموعتي القصصية ستجد أن الكتابة كانت خياري، وكانت ربما بفضل الله سبحانه وتعالى وهدايته بمثابة قارب النجاة. أظن أن من دخلوا معي أميركا أو وجدتهم هناك يكاد يكون التيار الأميركي جرفهم إلا قلة اسم أو اسمين.
بالنسبة لي الأمر كان مختلفا تماما كنت أراني أمام مهمة صعبة، أعمل ثماني عشرة ساعة وأعود إلى البيت وأجد نفسي أمام خيارين إما أن أنام وأستيقظ في صباح اليوم الثاني أو أن أمسك القلم وأكتب. شيء ما بداخلي غريب كان يقول لي ضروري أكتب؟

* ما الذي دفعك نحو الكتابة رغم المغريات ومتطلبات العمل والعيش؟
- أعتقد أن الكتابة مثل كائن حي داخلك يبدأ يضج يريد الخروج، المشكلة ليست أن عبد الناصر مجلي يكتب لكي يعزز اسمه كأديب بقدر ما كان يجب أن أكتب ما أراه، أنت أمامك بشر يسحقون في هذه الدوامة الكبيرة وأغلب المغتربين باستثناء الأشقاء في الخليج، حيث كان بعضهم يأتون كطلاب وبعضهم سقطوا أيضا في الطريق الأميركي الوعر، بينما المغتربون اليمنيون كان بعضهم يأتي لا سلاح لديه أكثر من شهادة ابتدائية أو ثانوية ولم يكن أمامه خيار أمام ما عليه من التزامات كبرى كانوا يقسون على أنفسهم من أجل توفير بعض المال للأفواه المفتوحة التي في البلاد وفي الأخير يقال هذا رجل قتل لا تدري من قتله، هكذا فجأة تجن!
أما بالنسبة لي كانت تجربة الكتابة بمثابة أمل متجدد كلما كتبت قصيدة أشعر أني حي وأني لم أنهزم بعد وأرفض رفع شارة الهزيمة والاستسلام والسقوط في الرتابة أو في الانغماس في الطبقة السفلى من أميركا مثل بنات الليل، المخدرات، الكحوليات.

* هل ابتعثت من الحكومة للدراسة؟
- لا، الأمر بالنسبة لي كان مختلفا، فأنا لم أكن ذلك  الذي باع أرضه واشترى فيزا وسافر وفي رقبته أم وأب وشيخ عجوز وأربع أخوات وستة أيتام لم يكن أمامي خيار خصوصا عندما كنت أشاهد مثلا زميلا يعيش معي في سكن جماعي يخبئ البيضة في الغرفة عندما تنكسر عليه بيضة يشعر بالأسى فيما أنت تشعر بالحسرة لأنك تعرف أنه في الوطن لم يكن بذلك البخل وهو لا يقسو خشيته على نفسه من البيضة ولكن قيمتها ستكلفه مما يدفعه للآخرين.

* هل معنى هذا أن الكتابة بالنسبة لك الحياة؟
- فعلا أنا كتبت نظرية اسمها "الوحشية المضادة"، منذ بداياتي أقرأ لشعراء كبار وعمالقة عرب أو مسلمين أو عالميين، وأتساءل: ما الذي يجعل ضريرا مثل الأستاذ عبد الله البردوني رحمه الله يكتب مثل هذا الإبداع الكبير في الخمسينيات والستينيات؟ يتحدثون عن جماعة شعر في لبنان عن الحداثة بينما كان البردوني خلف أسوار التاريخ يعيش الحداثة، ما هي الروح، أن تأتي لمحمود درويش، لأدونيس، عبد العزيز المقالح، ستجد أنني توصلت إلى اكتشاف النظرية المضادة الوحشية الخلاقة التي تدفعك إلى هذا الشيء، وكثيرا تجد من الأدباء وفناني العالم ومبدعيها حين يشعر في لحظة أنه قد توقف أو أفلس خصوصا ممن هم يتمثلون رداء الكتابة كاملة تجد أنه إما يموت أو ينتحر.

* كتبت في مجال الشعر والقصة والرواية، أين وجدت نفسك؟
- نحن نستغرب في هذا العصر أن نجد شاعرا عربيا وقاصا أو روائيا، والسؤال عندما نتحدث عن تراثنا العربي والإسلامي: من نحن بدون تراث وجذر تاريخي يربطنا بالواقع؟ ستجد أن كثيرا من أجدادنا وآبائنا العظام الذين صنعوا الحضارة الإسلامية بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، والتي أضاءت شمس البشرية وستظل إلى يوم الدين شاءوا أم أبوا تجدهم كانوا شعراء وفلاسفة وأطباء وفلكيين. ولهذا أتساءل: لماذا نستغرب الآن أن يأتي أي شاب ويجمع بين كل ذلك.

* لكن لماذا الرواية بالذات، رغم ما تحتاجه من نفس طويل؟
- أعتقد أن الإنسان عندما يصل إلى مثل سني في الأربعين من العمر فإنه يبدأ في التفكير باستغلال خبراته المتراكمة وخصوصا المتراكم منها في وعيه سواء مما رآه أو ما شاهده على مستوى التجربة الشخصية كإنسان عاش في هذه الحياة أو على المستوى المبدع نفسه وإنتاجه الإبداعي، لأن المسألة ليست مسألة الكم بقدر ما هي في الكيف، وفي الأخير أنت لا تكتب لنفسك ولا إلى الدرج، وعندما يخرج الكتاب للقارئ فإن الكاتب لم يعد يملك منه سوى أقل من المليجرام من الحبر المكتوب باسمه، ويبقى السؤال هنا: لمن تكتب؟ وما الأثر الذي أحدثه من هذا الشيء؟

* هل نفهم من حديثك أنك لا تسوق لاسمك في كتبك بقدر ما تحاول صنع المعجزات في رواياتك؟
- أنا لا أصنع فردوسا في كتبي أو رواياتي ولا حتى في الصحيفة، أنا أحاول أن أضغط الواقع واللحظة بقوة وتحويلها إلى هذا المنجز على مستوى الكتابة لشخصي أو لثقافتي كعربي، لأن في عصر الثقافات وتصادم الثقافات بين الأمم التي لا تمتلك ثقافة تندحر وتؤكل تموت وتنسخ، لحسن الحظ رغم أننا، عربا ومسلمين، مقصرون في الجانب الحضاري على المستوى الإبداعي في الترويج وليس في الإبداع نحن نعمل وننتج شيئا نباهي به العالم لكننا نعجز في الترويج له، الترويج الأمثل بحيث يلقى حقه من الاهتمام.

* الانتقال من الشعر إلى القصة ومن ثم إلى الرواية بكل ما تتطلبه الأخيرة من تقنية ونفس عال ألا تعتقد أنه كان بالنسبة لك كنوع من التحدي أو ما يشبه المغامرة؟
- كان ولا يزال مغامرة حتى الآن، لأنه عندما تلبس بدله القصيدة يجب أن تعرف أن لغة الشعر تختلف عن لغة القصة ولغة القصة تختلف عن الرواية والثلاث الأشياء الإبداعية تختلف عن النقد. لكن السؤال: كيف تستطيع أن تروض الوحش الخرافي الذي هو اللغة؟ كيف تجعله يدخل من سم الإبرة وكيف تجعله يخرج من أوسع بوابة؟

* ما هي فلسفتك في الكتابة الرواية؟
- هذا سؤال أول مرة يطرح علي حتى الآن. وربما قد لا أستطيع الإجابة عليه، لكن قد لا تكون فلسفة بالمعنى العميق للفلسفة، قد تكون دوافع ومن ضمن الدوافع التحدي بأن أفعل هذا الشيء وفلسفتي في الكتابة هي كتابة الرواية التي لم تكتب هكذا أظن.

* لو عدنا إلى أول قصة وأول قصيدة أو رواية كتبتها ما ذا تحدثنا؟
- أول قصيدة كتبتها في 1986 أذكر كان اسمها "قصيدتي والبحر"، كان عمري حوالي 12 سنة والمفارقة أنني كتبت القصيدة ولم أر البحر بعد، إلا عبر التلفزيون أو السينما أو الفيديو كتبتها لصديقة وامتدحتها وقرأتها لها ذات يوم ونحن نمشي في الشارع، وقالت لي: ما هذا الكلام الفارغ الذي تكتبه؟ لكني لم أنصدم، شعرت أني متميز.

* كيف اكتشفت أنك متميز؟
- الشعراء من خطورتهم أفرد الله سبحانه وتعالى سورة كاملة عنهم، وهو أعلم بمن خلق سبحانه وتعالى.

* طيب وماذا عن أول قصة؟
- أول قصة لا أذكرها لكني أذكر أنني كنت أشتري دفترا 100 ورقة وخلال أسبوع أو يومين ثلاثة أكتب رواية خيالية عن شخصيات خيالية. وعندما دخلت دبي في 86 كنت أكتب القصص وأنشرها في صحيفة "الخليج" و"البيان" و"الاتحاد" الإماراتية وهؤلاء كان لهم فضل كبير علي بطريقة أو بأخرى لأنهم حفزوني على الكتابة خصوصا عندما أجد أن ما كتبته كان يحظى بترحاب وقبول في عملية النشر عبر بريد القراء. ومن ثم أستطيع أن أقول إن أول قصة كتبتها وتحسب لي في هذا المضمار هي قصة البحث عن وظيفة والتي نشرت في الملحق الثقافي لـ"اتحاد" أبوظبي الذي ما يزال من أقوى الملحقات الثقافية حتى اللحظة وكان يكتب فيه الكثير من الكتاب الكبار مثل حسام الدين الخطيب وعبد الله البردوني. وهذه القصة جعلت الاعتراف بي كقاص بمعنى الكلمة.

* من واقع كتاباتك هل نستطيع القول إن عبد الناصر مجلي صارم في كتاباته؟
- بالفعل أنا لا أخذ قلما وأكتب في نفس اللحظة، هذا كان يحدث في البدايات، الآن تصبح البرمجة داخلك أكتب الآن أجمل ما سأكتبه وليس هذا فحسب أكتب بشيء أزعم أنني لم أكتبه من قبل وهذا جد مهم، لأنه إذا بدأت تكرر نفسك خطاء مجرد أنك تغترف من البئر القديمة إلى البئر الجديدة لن يحدث أي تطور ولا تميز مطلوب.

* هناك من يرى أن التمرد على ثلاثي السياسة والدين والجنس، هو الطريق إلى الشهرة. أين مجلي من ذلك؟
- أنا لا أفكر فيه بل أنتقده، وأذكر أن أحد علماء النفس العرب قال في مرة من المرات في أحد منتديات علماء النفس العرب إنه يجب أن يكون هناك أطباء نفسيون للطبيب النفسي، لأن كثرة معايشته للمرضى النفسيين تجد أنه يتأثر مع مرور الوقت. لهذا أعتقد أن كثيرا من الأدباء العرب هم يعانون من نفس المشكلة بمخالفتهم للثقافة الدينية والإيغال فيها.
وهنا أتساءل: لمن يسعون إلى ذلك؟ عما يبحثون؟ عن الحرية، أي حرية التي تصنع ثقافة نفسها بنفسها، من يخالف المعتقد ألا يدرك أنه يعمل وسط مجتمع مأزوم؟! أنت كأديب هل أنت بصدد هدم المعبد على ساكنيه أم بصدد الإصلاح؟ أنت لست منظرا اجتماعيا، لكن يجب أن تكون منصفا، بإمكاني أن أكتب عشرين ألف رواية تتكلم عن الجنس، لكن ما الذي تنتجه؟ أنت من خلال إيغالك في مخالفة الثقافة الدينية تحاول أن تصل بكتاباتك إلى مستوى الكتابة النبوية. لكن ألا تدرك أن آخر الرسل هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لن تقول أكثر مما قال؟ أنت ككاتب تعمل على الجانب الإنساني البشري لا أكثر ولا يجب أن تجاري في السديم.

* هل معنى هذا أنك لست مع التمرد؟ على المحددات الاجتماعية والثقافية؟
- أنا أظن أنك لو عملت على تفعيل اللغة وتفجيرها من الداخل وجعلت اللغة نفسها متمردة سيكون التمرد هنا، لكن أن آتي لأمس المجتمع العربي في دينه فهذا هو الخطأ، لأنه مجتمع حساس ولهذا لا يجب أن آتي بشخصية وأسقط عليها عقدي.

* ماذا تقول لدرويش؟
- درويش كنت أشبهه ومازلت حتى الآن، على أنه صقر عربي أصيل كان يحاول أن يحتوي أمته ويدافع عنها ويعرف بها العالم.

* أدونيس؟
- أدونيس مدرسة وحده وعملاق بلا شك، أكتشف في قراءتي لأدونيس أنه الرجل الذي يكتب قصائد في قصيدة واحدة.

* نجيب محفوظ؟
- محفوظ هرم روائي عربي، الحمد لله أن هناك أهرام بعده.

* زيد مطيع دماج؟
- رحمة الله سأقرنه بمحمد عبد الولي هؤلاء البوابة التي دخلت منها القصة والرواية إلى اليمن بأسلوبها الحديث ولو أن فيه من يسبقهم لكن هم كتبوها بأسلوب العصر الحديث.

* عبد العزيز المقالح؟
- أحد أولياء الثقافة والإبداع في الوطن العربي وحراسها، حارس للإبداع واللغة نفسها وقمة من قمم اليمن والوطن العربي والذي نفتخر بهم أطال الله عمره وهذا هو رائد الحداثة بلا جدل أحد مؤسسي الحداثة في الوطن العربي ورائدها الأكبر في الخليج بلا منازع.

* ما مفهوم الحداثة لديك؟
- أن تعيش اللحظة بمعطياتها وهي من داخلها وليس من خارجها.

* هل أنت حداثي ؟
- من جانب ديني أظن نعم حداثي.

* ما حدود طموحك؟
- ملامسة النجوم كلها بما يرضي الله.

* أي سؤال يخطر على بالك وكنت تتمنى أن يطرح عليك في مقابلات ولم يطرح؟
- أنه لماذا تكتب يا عبد الناصر مجلي؟ ولمن؟ ما هي الأسباب؟ حتى الآن لا أستطيع الإجابة لمن أكتب؟ ولماذا؟ لكنني أستطيع أن أقول إنني أكتب للمهمشين والمنسيين ولا أكتب للنخبة. صحيفة (السياسية) اليمنية



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي