هآرتس: لتكون وتداً إقليمياً.. إيران تعزز علاقاتها الاستراتيجية مع "شركاء إسرائيل"

2021-11-19

الرئيس الايراني إبراهيم رئيسي (أ ف ب)

أسبوع مكتظ ينتظر ولي عهد الإمارات محمد بن زايد. ومن المتوقع أن يهبط الأربعاء، في تركيا للقائه الأول مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. الحلف الجديد الذي انعقد بين الدولتين جاء بعد سنوات من القطيعة والمقاطعة، خصوصاً بعد عداء شديد وجد تعبيره في أقوال سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، في 2017 التي قال فيها إن تركيا أخطر من إيران. “لا نريد أن تحدد تركيا وقطر قائمة وجبة العشاء. الأحرى بهما إدارة دولتيهما”، كتب في حينه في رسالة بالبريد الإلكتروني لصحيفة “نيويورك تايمز”.

وقعت تركيا وإيران والإمارات في هذا الشهر على اتفاق تعاون اقتصادي مهم، بحسبه يجب أن تمر البضائع من الإمارات عبر إيران ومنها إلى تركيا في مسار بري. وهو اتفاق يقلق مصر، التي تخاف من تقليص كبير في حجم المواصلات البحرية في قناة السويس، وسيقصر فترة النقل من 20 يوماً عبر القناة إلى أسبوع فقط. هذا ليس التعاون الأول الذي يوقع بين الإمارات وإيران. فقبل سنتين تقريباً، وقع بين الدولتين اتفاق تعاون عسكري استهدف تأمين الملاحة في الخليج الفارسي بعد أن انسحبت أبو ظبي من حرب اليمن وتركت لشريكتها السعودية مواصلة التمرغ في الحرب وحدها. منذ ذلك الحين، تتمتع الإمارات بحزام أمان ضد هجمات الحوثيين على أهدافها ومطاراتها.

في الأسبوع الذي سيمكث فيه بن زايد في تركيا ويناقش سلسلة من المشاريع الاقتصادية والاستثمارات بمليارات الدولارات مع أردوغان، يتوقع أن يزور مستشاره للأمن القومي، الذي هو بالمناسبة شقيقه طحنون بن زايد، إيران للمرة الأولى لفحص إمكانية توسيع العلاقات الاقتصادية إلى علاقات دبلوماسية كاملة. طحنون، الشخص القوي في الدولة والمشجع الكبير لجين جيتسو بارزيلاي، هو مبعوث محمد بن زايد للمهمات السياسية الخاصة التي تتضمن إعداد الأرضية لاستئناف العلاقات مع تركيا وصياغة اتفاق سلام مع إسرائيل وتطوير علاقات الدولة مع الصين وروسيا والولايات المتحدة ومؤخراً أيضاً مع سوريا. ومن المتوقع بأن حاكم الدولة سيصل إليها بعد زيارته في طهران، وبهذا ستنتهي حياة التحالف العربي ضد إيران الذي شكله محمد بن سلمان، ولي عهد السعودية. بالمناسبة لن يكون بن سلمان مصدوماً من خطوات نظيره الإماراتي؛ لأن السعودية عقدت ثلاث جولات من المحادثات مع مندوبين إيرانيين كبار في بغداد.

تعزيز العلاقات بين إيران ودول الخليج هو أحد أسس سياسة إيران الخارجية، كما أعلن عنها الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، بعد فترة قصيرة على انتخابه رئيساً. وهي لا تنفصل عن المفاوضات التي ستبدأ في 29 تشرين الثاني حول استئناف الاتفاق النووي. إيران والسعودية والإمارات ودول الخليج الأخرى ستحتاج إلى تعاون بينها في الوقت الذي ستعود فيه إيران إلى سوق النفط العالمية. وهي المرحلة التي ستريد فيها إيران إعادة زبائن كبار إلى حضنها مثل الهند وكوريا الجنوبية والحفاظ على الزبون الأكبر، الصين.

الخطوات السياسية لإيران والسعودية والإمارات قد تشير إلى نوايا إيران بالنسبة للاتفاق النووي، الذي بدونه لا تستطيع أن تحقق المزايا لاقتصادية والسياسية التي يمكنها استخلاصها من علاقاتها المتجددة مع جيرانها. لقد مرت خمسة أشهر على وقف المفاوضات بين الدول العظمى وإيران بسبب الانتخابات الرئاسية وبعد ثلاثة أشهر على تسلم رئيسي لمنصبه. ولكن يبدو أن الافتراض الأساسي والآخذ في التبلور في إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية، والذي يقضي بأن إيران لن تعود للمفاوضات وغير معنية باستئناف الاتفاق النووي، لم يعد يقف على أرض صلبة. مصلحة إيران في العودة إلى الاتفاق بقيت على حالها، وهذا لا يعني أن الاتفاقات ستكون سريعة وسهلة.

في هذا الأسبوع نشر الموقع الحكومي “إيران ديلي” أقوال نائب وزير خارجية إيران، علي بكري قاني، الذي يترأس طاقم المفاوضات الإيراني، وبحسبها لن تناقش إيران الموضوع النووي والتقدم الذي تحقق في المحادثات التي كانت حتى الآن مع الدول العظمى. اتفق على هذا الموضوع في السابق، أكد بكري قاني. وقال إن المحادثات الجديدة ستتركز حول رفع العقوبات. لا جديد في هذه الأقوال، فقبل وقف المفاوضات السابقة في حزيران، كان وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، والرئيس حسن روحاني، أعلنا بأن الاتفاق استكمل تقريباً. وحتى أن روحاني أعطى إشارات على أن النظام هو الذي يعيق التوقيع لأسباب سياسية. قيلت هذه الأقوال عشية الانتخابات الرئاسية، ويبدو أن تردد الزعيم الأعلى، علي خامنئي، كان حول هل يمنحون الإنجاز لروحاني أم الانتظار حتى انتخاب وريثه. يبدو أن المواضيع التقنية المرتبطة بمكونات المشروع النووي تم الاتفاق عليها، وأن إيران لن تجمد فقط الوضع القائم الذي يشمل الخروقات الجوهرية، بل ستعود إلى الوضع الذي كان سائداً عند التوقيع على الاتفاق النووي الأصلي في 2015.

حسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية، خصبت إيران منذ أيلول حوالي 17.7 كغم من اليورانيوم بمستوى 60 في المئة مقابل 3.67 في المئة المسموح لها حسب الاتفاق، ويبدو أنها شغلت أيضاً أجهزة الطرد المركزي من النوع المتطور في منشأة فوردو خلافاً للاتفاق. المشكلة هي أن المراقبين في الوكالة لا يمكنهم التأكد من حجم التخصيب وفحص النشاطات في كل المنشآت بسبب الحظر الذي فرضته إيران على دخول المنشآت والذي سمحت به طبقاً للاتفاق مع رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية، رفائيل غروسي، ومواصلة عمل الكاميرات. الاثنين المقبل، يتوقع أن يصل غروسي إلى إيران لإجمال موضوع الرقابة مرة أخرى، تقريباً في اللحظة الأخيرة قبل انعقاد الوكالة الدولية للطاقة النووية، الذي يتوقع أن تناقش فيه الرقابة منظومة عقوبات ستفرض على إيران إذا واصلت منع الرقابة المباشرة والكاملة.

شركاء في العقوبات

حسب التصريحات العلنية التي تصل من إيران، ستكون في مركز النقاشات القريبة القادمة مسألة الضمانات التي تطلب إيران الحصول عليها من الولايات المتحدة، والتي ستضمن عدم انسحاب أي إدارة أمريكية من الاتفاق مرة أخرى، وأن يتم تشكيل جهاز خاص للرقابة على رفع العقوبات. هنا تكمن مشكلة دستورية أمريكية، حيث لا يمكن لإدارة بايدن التعهد باسم رؤساء مستقبليين. يعتبر الاتفاق النووي “اتفاقاً” وليس “ميثاقاً” يقتضي مصادقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ وينتقل بالوراثة من إدارة إلى أخرى. ولكن استعداد بايدن لرفع جميع العقوبات الأمريكية التي فرضت بسبب البرنامج النووي لا يكفي إيران، التي تطالب برفع العقوبات التي فرضت عليها وعلى شخصيات وشركات إيرانية بسبب المس بحقوق الإنسان ودعم الإرهاب. هنا تظهر عقبة دستورية أخرى، حيث إن الغاء العقوبات الإضافية يقتضي تشريعاً خاصاً لا يرتبط فقط برغبة الرئيس.

المقالات التي نشرت في وسائل الإعلام الإيرانية طلبت من الرئيس الإيراني مطالبة الولايات المتحدة أيضاً بالاعتذار عن الانسحاب من الاتفاق النووي، وأن تدفع لإيران تعويضات عن الأضرار التي تسببت بها العقوبات التي لم يتم رفعها. تصريحات بايدن التي بحسبها انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق كان خطأ، لا يعتبر بالنسبة لهم اعتذاراً. وبالنسبة لدفع التعويضات، ليس للولايات المتحدة نية لمناقشة ذلك.

بخصوص الإشراف على رفع العقوبات، تطالب إيران بالتأكد من أن الولايات المتحدة لن تشكل منظومة عقوبات غير مباشرة مثل استخدام الضغط على دول ثالثة كي لا تقيم علاقات تجارية مع إيران، وبذلك تفرغ رفع العقوبات من المضمون. كما تخشى إيران، مثلاً، من وضع تفرض فيه واشنطن، فيه في إطار المواجهة السياسية الجارية بين الولايات المتحدة والصين، عقوبات على الصين إذا طبقت الاتفاق الاقتصادي بعيد المدى الذي وقعته مع إيران، والذي ستستثمر الصين في إطاره نحو 400 مليار دولار على مدى 25 سنة، في إيران. من المشكوك فيه إذا كان لإيران سبب للخوف من أن يخرق بايدن الاتفاق الجديد عندما سيتم التوقيع عليه، ثم يفرض على إيران عقوبات غير مباشرة، لكن عدم الثقة بالولايات المتحدة لا يقل عن عدم ثقة الولايات المتحدة بإيران.

لقد تعلمت إيران أنها لن تعتمد على الدول العظمى التي وقعت على الاتفاق، لا سيما الدول الأوروبية التي -رغم غضبها من انسحاب ترامب من الاتفاق- لم تنجح في تأسيس آلية بديلة تقوم بتفعيل الاتفاق النووي بدون الولايات المتحدة، واضطرت إلى الموافقة على شروطها. شركات دولية غادرت إيران بعد فترة قصيرة من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، وآلية التمويل البديلة باليورو التي اقترحتها فرنسا، بل وبدأت في تطبيقها، لم تمنح الشركات الأوروبية أي بديل أو أي حماية من العقوبات الأمريكية. في الوقت نفسه، توقف الزبائن القدامى عن شراء النفط منها، وحتى الصين قلصت حجم مشترياتها.

إن إزالة الشك حول نية إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات، لا توضح حتى الآن إذا كانت تنوي إجراء مفاوضات استعراضية وكسب الوقت لزيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب، أو أنها ستسرع العملية وتعمل بوتيرة سريعة وحازمة، التي ميزت الجولات الست من المفاوضات التي كانت بين نيسان وحزيران. لا تكمن إجابة هذا السؤال فقط في الاحتياجات الاقتصادية الملحة لإيران. فإيران تعيش منذ عشرات السنين تحت نظام العقوبات، من بينها أكثر من ثلاث سنوات تحت “الحد الأعلى من الضغط” الذي فرضه عليها الرئيس ترامب ولم يجعلها تنهار.

تطمح إيران إلى أن تكون دولة عظمى إقليمية، وقد فضل رئيسها المشاركة في مؤتمر “دول اتفاق شنغهاي” الذي عقد في طاجاكستان على المشاركة في لقاء الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لذا فإنها تجري مفاوضات مع روسيا على اتفاق تعاون استراتيجي يشبه الاتفاق مع الصين، وهي تهدف إلى ما هو أبعد من الظروف التي ستسمح لها بالبقاء اقتصادياً. وكي تجسد طموحاتها، لم تحتج إلى التحرر من قيود العقوبات، بل عليها رفع تهديدها أيضاً عن الدول الساعية لمساعدتها إلى بناء نفسها كوتد إقليمي رئيسي. وتحول هذا الاعتبار الاستراتيجي إلى واقعي أكثر عند دخول السعودية والإمارات إلى دائرة الدول التي تقوم بدعوة نفسها إلى طهران، الذي قد يكون هو نفسه الذي يحدد الجدول الزمني للمفاوضات حول الاتفاق النووي.

 

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 19/11/2021







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي