

في الأعوام الأخيرة شهدت المنطقة العربية محطات ومنعطفات خطيرة وانعقدت قمم عربية مختلفة ظهر خلالها الانقسام العربي واضحاً وجلياً وما زلنا نتطلع إلى قمة عربية تنزع الإملاءات الغربية عنها وتنطلق بموقف عربي واحد وموحد، فبعد قمة الدوحة والكويت السابقتين ومانتج عنهما من فجوة كبيرة بين العرب فيما بين القمتين المذكورتين تأتي القمة مرة اخرى في بلد عربي أصيل لطالما عانى من الحصار طويلاً بلد الشيخ المجاهد الشهيد البطل عمر المختار الجماهيرية العظمى – ليبيا العروبة وفي عاصمتها طرابلس التحدي ليجتمع قادة العرب من جديد في قمة طرابلس فهل سنشهد ما شهدناه سابقاً أم أن حكام العرب وقادتهم قد استفاقوا وأدركوا ن وحدتهم العربية هي الأساس والدرع الواقي والحصن المنيع للأمة العربية جمعاء وسيحضروا وسيشاركوا ضمن رؤية عربية واحدة وخالصة؟! أم أن الأجندات الأمريكية والغربية سيكون لها يدها الطولى؟! وتفسد هذه القمة؟ كل هذه التساؤلات ستجيب عليها القمة القادمة. ولكن يظل الاعتقاد راسخا أن القمة لن تجيب بالإيجاب ما لم يتصالح العرب مسبقاً دون أي شرط سوى شرطاً واحداً هو مصلحة الأمة العربية لتصبح تلك القمة قمة المصالحة العربية الحقيقية بل قمة النصر العربي المظفر.
لقد جرب العرب في الماضي التحالفات مع المعسكرات الخارجية مثل ما حدث من تحالف بعض قوى التحرر العربية مع ما يسمى بالمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقاً على أرضية مواجهة المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وما إن انقضى هذا الحلف وانهارت الإمبراطورية السوفيتية وحلفائها من المعسكر الشرقي من دول أوروبا وانهيار جدار برلين وكادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تصبح الشرطي الوحيد الممسك بزمام الأمور في العالم حتى ذهبت دول أوروبا لإنشاء وتشكيل ما يسمى بالاتحاد الأوروبي للحفاظ على هويتها الأوروبية حتى لا تندثر في قارب الولايات المتحدة الأمريكية الجارف فيما سارعت دول جنوب شرق آسيا لإحداث ثورة صناعية كبرى ليكون لها ثقلها الصناعي أيضاً وخلق حالة من التوازن مع القوة الأمريكية الجديدة في المنطقة، أما دولنا العربية فظلت تتخبط في تيهها وضياعها وزادها الانقسام مازادها إلى أن بلغ ذروته و بات يسمى فيما بعد بمعسكر الاعتدال ومعسكر الممانعة حتى تتلاعب فيها قوى إقليمية ودولية لصالح حساباتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.
لقد ثلاثة وستون عاماً مضت على انعقاد أول مؤتمر قمة عربي في أنشاص بالإسكندرية في مصر، تلاه أربعة وثلاثون مؤتمراً، كانت الشعوب العربية خلال كل مؤتمر تتطلع إلى تحقيق أهدافها من حيث التحرر من قبضة الإستعمار الغربي الغاشم، إلى مشروعات الوحدة التي أصرت عيها الجماهير، ولم يحققها المؤتمرون، إلى تحقيق التنمية وأسباب القوة التي تزحف كسلحفاة كسرت صدفتها، فصارت تسير على غير هدى ، غير آمنة من هجوم أقل أعدائها بأسا، وأكثر الطامعين بلحمها شراسة وإذا كان المؤتمر الأول عام 1946 قد أقرَ إنشاء الجامعة العربية التي لم تُلَبِ أقل طموحات العرب ، بل إنها أصبحت عنواناً للفرقة وتكريس الروح القطرية، والتمسك بالحدود، والحسابات الشخصية للحكام الذين غرتهم المناصب ، وتمكنت من نفوسهم متعة الجاه ، وبريق السجاد الأحمر وحرس الشرف، لذا فإنني أعود وأؤكد أنَ الجامعة العربية كانت بديلاً مخدراً لوحدة العالم العربي بعد أن أمعن سايكس و بيكو تقطيعاً وتجزئته لأوصال أرض العرب التي تشكل كلاً واحداً، لا يعرف الحدود، ولا يعترف بتأشيرات السفر، وشروط الإقامة.
وإذا كان العرب قد ارتضوا على مضض بميثاق الجامعة العربية التي أقرتها الدول السبعة الأولى، ووقعت عليها، فإنهم تطلعوا عبر الثورات التحررية والحركات القومية إلى تعديل هذا الميثاق وتحقيق الوحدة، ومن ثمَ أسباب القوة التي تمكنهم من أخذ مكانهم تحت الشمس في عالم لا يعترف بضعيف، ولا ينظر إلى متخلف أخلد إلى الأرض، وانكمش على نفسه، لا يتغنى إلاَ بالماضي، ولا يعزف إلاَ لحن الجنازة الأخير.
وإذا كان قادة العرب لا يجتمعون في قممهم إلاَ تحت راية الجامعة العربية، فإنَ المطلوب منهم أولاً وقبل كل شيء تقييم دور الجامعة، وما أنجزته خلال مسيرتها الطويلة، وما قدمته للأمة من جمع للكلمة، وصون للكرامة، ومعرفة للعدو، وتمحيص للصديق، وتحقيق لأبسط الطموحات التي يحلم بها العرب في مدنهم وقراهم وبواديهم، مع العلم أنَ القادة العرب في مؤتمر القمة للقادة العرب، والذي أطلق عليه مؤتمر القمة الأول في القاهرة من "13-17"كانون الثاني عام 1964، كانوا يتطلعون إلى الوحدة المدروسة القائمة على أخذ ما أنتجه التمحور القطري من سلبيات بعين الاعتبار، وعلى كل حال لقد أفرز المؤتمر أن تكون هناك مؤتمرات قمة في كل عام، بعد أنْ طرحت مشروعات التضامن العربي، وإقامة سوق مشتركة، وتلبية حاجات الجماهير. التي لم ينفذ منها شيء في ضوء نظرة كل دولة عربية إلى النفس القطرية على حساب النفس القومية، مع سعي بعض الدول العربية إلى تجاوز الجامعة العربية في ضوء مشروعات وحدوية، أو قيادات صورية مشتركة للجيوش العربية دفعاً للشر القادم من إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.
وتوالت مؤتمرات القمة العربي فمنها ما كانَ عادياً ، ومنها ما كان يطلق عليه غير العادي، وهي مؤتمرات القمة من المؤتمر الثاني وحتى المؤتمر الحادي عشر، وهي مؤتمرات كانت فيها التحديات ضد الوطن العربي عظيمة، والعلاقات بين العرب لا تسرُ صديقاً، ولا تبهج حبيباً، وخلاصة القول توالت مؤتمرات القمة، واستمرت بين أخذ وردْ والعربي المسكين ينتظر ما يمكن أن ينشأ عن هذه المؤتمرات، تصدر قرارات ، ويتعانق الرؤساء، ويودعون بعضهم بعضاً، وسرعانَ ما تتبخر هذه القرارات، وتسوء الأحوال، وينسى ما قيل، حتى بلغ إحباط العربي في مدنه وقراه وبواديه حدَاً، جعل ينظر من خلاله إلى هذه المؤتمرات نظرة الريبة والشك في جدوى انعقادها، باستثناء ما كانَ ينتج عنها من مصالحات بين رؤساء هذه الدول التي لا يدري المواطن العربي أصلاً، لماذا تقوم الخلافات حتى تأتي بدورها الخلافات مع أنه عبر هذه السنين كانَ الأجدى أنْ نأخذ العبر، وأن نحفظ الدروس لإبعاد كل ما من شأنه وأد التواصل، وصقل الوحدة.
والآن والتحضيرات تجري على قدم وساق لانعقاد مؤتمر القمة العربي السادس والثلاثين في الجماهيرية العظمى، وفي طرابلس الحرية، برئاسة القائد معمر القذافي رئيس الاتحاد الإفريقي وملك ملوك إفريقيا فهل ستكون هذه القمة قمة القمم نتجاوز فيها ما فاتنا من تناحر وتباغض وتباعد، نحلَ فيها على الأقل المشاكل المستعصية على الصعيد الاستراتيجي العربي، ونحن نعي ما يدور حولنا من محاولات لا تكل ولا تمل من أجل إبقاء هذا الوطن ضعيفاً مفتتاً مستهلكاً لا منتجاً، مستباحاً لا منيعاً، وبين هذا وذاك يزمجر العدو الصهيوني مستوليا على الأرض، ومهوداً قدس الأقداس ، لا يرُدَه احتجاج، ولا يثنيه عن مخططاته استنكار.
إن المناخ العربي الآن بعد أن أطفئت الكثير من الحرائق بين كثير من الدول العربية في المؤتمر السابق تبدو مواتية للزعيم المفكر بما يتمتع به من خبرة واسعة، وفكر نير حتى يقود جلسات المؤتمر بكفاءة الثائر، ومعرفة القائد الغيور على أمته، فالنجاح الذي حققه الزعيم القذافي على الصعيد الإفريقي يمكن - إذا صلحت النوايا - أن يقود إلى ما يحقق للأمة أهدافها. ولا شك أنَ القمة العربية القادمة التي ستنعقد تعالى على أرض الفاتح العظيم في الجماهيرية العظمى تاريخية بكل المقياس، إبتداءً من تاريخية المكان والقائد والزمان، وليس انتهاءً بحجم المعروض عليها من قضايا جسام وأحداثٍ عظام.
إنَ التحديات التي يواجهها هذا المؤتمر تحت قيادة الأخ القائد المفكر تتلخص في أقل ما يمكن تحقيقه من بناء وطن عربي متماسك يأخذ بمصلحة الجماعة على نفس المستوى من مصلحة القطر، آخذاً العبرة من التجربة الإفريقية التي هندس معطياتها الأخ القائد، والتي طالما دعا الأخ أنْ تكون إفريقيا سنداً للوطن العربي في الملمات، وأنْ تتشارك والوطن العربي في فضاء اقتصادي اجتماعي سياسي واحد في مواجهة ما ينشأ من تكتلات وفضاءات في العالم فهل ستحل في هذا المؤتمر مصطلحات تطبيقية جديدة بدلاً عن نغمة كلمات التضامن والتصالح، عن طريق إجراءات بسيطة تتمثل في برامج دراسية موحَدة، وسوق عربية مشتركة، ومشروعات استثمارية عربية عربية تخفف فيها من وطأة الفقر والمرض التي تأخذ بتلابيب الوطن العربي، فهل سيخرج هذا المؤتمر بخبرة الأخ القائد بحل مشاكل الصومال والسودان واليمن وحصار غزة، وإيقاف تهويد القدس، وإحلال الديمقراطية، والمصالحة بين الفلسطينيين وجبر كسر العراق؟.
إننا بانتظار قمة ليبيا القادمة والتي يستكشف المراقب السياسي أنها ستشكل مرحلة مهمة في العمل العربي المشترك،حيث ظهر ذلك أيضاً في كلمة الأخ القائد الختامية بتركيزه على إعطاء دور لمؤسسات الجامعة المعطلة، واقتراحه لأدوار جديدة على شاكلة استحداث موقع ممثل السياسة الخارجية العربية،وممثل السياسة الدفاعية العربية وغير ذلك مما يمكن ان يطور أداء مؤسسة الجامعة العربية بما يجعلها ممثلة للإرادة الشعبية العربية بصفة عامة ولا تخضع لنفوذ بلد واحد هو البلد المضيف، وإنَنا على ثقة أنَ قيادة الأخ القائد لهذا المؤتمر لا بدَ أنْ تخرج بشيء جديد، يتجاوز الكلمات، ولا يقف عند القرارات التي طالما تناقلتها وسائل الإعلام، ولم ينفذ منها إلاَ القليل القليل، داعياً الله أن يفتح بصيرة القادة لإدراك ما يريده هذا الوطن العربي الكبير الذي ما عاد يحتمل ما يراد به من استهانةٍ وإذلال من قبل قوى لا تهمها سوى مصالحها ومكاسبها وإشعال الحرائق.