صدفة أم مرتَّبة.. ما العلاقة بين زيارة المبعوث الأمريكي للسودان والإطاحة بالحكومة؟

2021-10-25 | منذ 1 شهر

عبدالله حمدوك رئيس الحكومة السوانية (أ ف ب)

الخرطوم: جاءت الإطاحة بالحكومة المدنية في السودان بعد زيارة المبعوث الأمريكي إلى البلاد مباشرة لتثير تساؤلات حول حقيقة الموقف الأمريكي من الإطاحة بالحكومة السودانية، وهل تعمل واشنطن على إعادة المسار الديمقراطي بالبلاد أن تكتفي بالتنديد لتبرئة الذمة؟!

وكان جيفري فيلتمان، المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الإفريقي، موجوداً في العاصمة السودانية الخرطوم، حيث التقى برئيس الوزراء عبد الله حمدوك يوم السبت، وانضم إليهم قادة آخرون، بما في ذلك الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري والسيادة، واللواء محمد حمدان دقلو نائب رئيس المجلس.

ولكن عقب ساعات من الزيارة، تم اعتقال رئيس الحكومة السودانية واعتقال أغلب الأعضاء المدنيين في مجلس السيادة السوداني، والإطاحة بالحكومة السودانية.

الموقف الأمريكي من الإطاحة بالحكومة السودانية

جاء الموقف الأمريكي من الإطاحة بالحكومة السودانية فاتراً، إذ بدأ الموقف الأمريكي بالإعلان عن القلق من التطور في السودان، رغم أنه تبع ذلك مواقف أكثر حدة.

وحثت سفارة الولايات المتحدة في العاصمة السودانية الخرطوم الأشخاص الذين يعرقلون الانتقال إلى الديمقراطية على التنحي والسماح للحكومة التي يقودها المدنيون بمواصلة عملها في أول رد فعل لواشنطن على الانقلاب الواضح.

وعبر المبعوث الأمريكي الخاص عن قلق بالغ بشأن تقارير الانقلاب العسكري في السودان.

وقال إن الولايات المتحدة تشعر بقلق بالغ جراء تقارير عن سيطرة الجيش على مقاليد الأمور في الخرطوم.

وهددت إدارة بايدن بقطع المساعدات الأمريكية عن السودان إذا استمر الانقلاب العسكري. وقال المبعوث الأمريكي جيفري فيلتمان في بيان إن استيلاء الجيش على السلطة أمر غير مقبول.

وقال فيلتمان إن "الولايات المتحدة تشعر بقلق عميق إزاء التقارير التي تتحدث عن تولي الجيش للحكومة الانتقالية. وهذا من شأنه أن يتعارض مع الإعلان الدستوري والتطلعات الديمقراطية للشعب السوداني. وأي تغيير في الحكومة الانتقالية بالقوة يعرِّض المساعدة الأمريكية للخطر".

وجاءت اعتقالات الفصيل المدني في الحكومة السودانية بعد يوم من لقاء فيلتمان بالجنرال برهان وحذره من الانقلاب، حسب الموقع الأمريكي.

وجاء في بيان نشره الحساب الرسمي لمكتب الشؤون الإفريقية التابع لوزارة الخارجية الأمريكية على تويتر: "هذا من شأنه أن يتعارض مع الإعلان الدستوري والتطلعات الديمقراطية للشعب السوداني وغير مقبول على الإطلاق". "كما قلنا مراراً وتكراراً، فإن أي تغييرات في الحكومة الانتقالية بالقوة تعرِّض المساعدة الأمريكية للخطر".

أمريكا تقول إنها تدعم حكومة حمدوك

ويرى موقع Axios أن إدارة بايدن ألقت بثقلها وراء حمدوك والقيادة المدنية، حيث غرد وزير الخارجية توني بلينكن دعماً لرئيس الوزراء الأسبوع الماضي.

كما اتصل مستشار الأمن القومي جيك سوليفان بحمدوك بعد محاولة الانقلاب قبل عدة أسابيع وأصدر تحذيراً لأولئك الذين يسعون لإحباط الانتقال.

وانضم الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة في الإعراب عن قلقه البالغ إزاء احتمال انقلاب عسكري في السودان.

وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول 2021، دعت وزارة الخارجية الأمريكية الشركاء السودانيين إلى الالتزام بمعايير المرحلة الانتقالية والتعاون معاً في تنفيذها من أجل السلام والديمقراطية.

ودعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية ، نيد برايس، في إيجاز صحفي يوم الجمعة الماضية، أعضاء الحكومة الانتقالية إلى الاستجابة لدعوات المتظاهرين السودانيين، وشدد على ضرورة "المضي قدماً بروح الحوار والشراكة للبناء على زخم مظاهرات الأمس".

وأضاف: "إننا نحث على إحراز تقدم بشأن المعايير الانتقالية الرئيسية اللازمة لتحقيق الاستقرار في المرحلة الانتقالية وحل الخلافات السياسية، وتعزيز التحول الديمقراطي التاريخي في السودان".

من جانبه، أكد المبعوث الأمريكي الخاص للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان في 21 أكتوبر/تشرين الأول أن المكونين المدني والعسكري يجب أن يتعاونا على تنفيذ المعايير الرئيسية للمرحلة الانتقالية بدلاً من السعي إلى تهميش بعضهما البعض.

وقال فيلتمان لصحيفة ذا ناشيونال: "إذا توقف الانتقال، إذا حاول جانب أو آخر في هذه الشراكة (المدنية-العسكرية) أن يسود، فإن دعم الولايات المتحدة لجميع هذه القضايا، بما في ذلك الإعفاء من الديون، سيكون موضع تساؤل".

حمدوك وبومبيو (أ ف ب)

فيلتمان ينتقد تحالف الحرية والتغيير والبرهان يعده بعدم الانقلاب

وزار فيلتمان الخرطوم عشية الإطاحة بالحكومة، حيث التقى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، كما التقى وزير رئاسة مجلس الوزراء خالد عمر ومستشار رئيس الوزراء ياسر عرمان، علاوة على الاجتماع بقادة تحالف الحرية والتغيير قبل أن يعود للاجتماع مجدداً برئيس الوزراء عبد الله حمدوك للمرة الثالثة خلال 3 أيام.

وخلال لقائه بقوى الحرية والتغيير لفت فيلتمان إلى أن التحالف العريض يواجه أزمة تنظيمية وخلافات داخلية تستوجب الحل.

وعقد محادثات مع أطراف الأزمة السياسية بالخرطوم ووضع بين أيديهم حزمة من الموجِّهات للدفع باتجاه الحل.

ولكن اللافت أنه خلال لقائه بقوى الحرية والتغيير لفت فيلتمان إلى أن التحالف العريض يواجه أزمة تنظيمية وخلافات داخلية تستوجب الحل وحث قادته على تسريع تكوين المجلس التشريعي واستكمال هياكل السلطة – بحسب وسائل إعلام محلية.

وحث فيلتمان الحكومة الانتقالية على الاستجابة للرغبات المعلنة للشعب السوداني في الديمقراطية بما في ذلك إنشاء المجلس التشريعي الانتقالي، كما حث الحكومة الانتقالية على الشروع في عملية إصلاح قطاع الأمن وإنشاء إطار للانتخابات وإعادة تشكيل المحكمة الدستورية.

وقال مجلس السيادة الانتقالي في تصريح مكتوب إن المبعوث الأمريكي "قدم عدة مقترحات من شأنها تعزيز روح الشراكة، والعمل الجاد من أجل الخروج الآمن للبلاد من أزمتها الراهنة، وأن رئيس مجلس السيادة وعد بدراستها مع رئيس مجلس الوزراء".

وأفاد المجلس بأن البرهان أكد للمبعوث خلال اجتماعهما الأحد حرصه على العمل مع القوى السياسية لتذليل كافة العقبات والتحديات للخروج بالبلاد من الأزمة السياسية الراهنة.

ويبدو أن كل الوعود التي قدمها العسكريون للأمريكيين، لم يكن لها أي قيمة، ولم يوفر الدعم الأمريكي لحمدوك أي حماية، لدرجة أنه قيل إن بعض القيادات المدنية اعتُقلت بملابس النوم.

هل الإطاحة بالحكومة بعد زيارة المبعوث الأمريكي مجرد صدفة؟

التزامن بين الإطاحة بالحكومة واعتقال رئيسها عبد الله حمدوك يبدو أمراً مثيراً للانتباه.

فلقد كان المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي في السودان يوم السبت، وحث القيادة العسكرية والمدنية على مواصلة الانتقال المخطط للبلاد إلى الديمقراطية مع اندلاع الاحتجاجات، وعلى الأرجح كان فيلتمان آخر مسؤول دولي يلتقى برئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك قبل اعتقاله.

ولم يعرف متى غادر فيلتمان الخرطوم تحديداً، ولكن أفادت مصادر أمريكية لسكاي نيوز أن مبعوث الرئيس الأمريكي للقرن الأمريكي جيفري فيلتمان غادر الخرطوم، إثر التطورات التي يشهدها السودان.

وكان لافتاً في تصريحات فليتمان رغم تأييده للحكومة التي يقودها المدنيون، إلا أنه أيضاً طالبها بتنفيذ مطالب المحتجين، مثل تشكيل مجلس تشريعي، وتوسيع السلطة، علماً بأن الكثيرين يرون أن المظاهرات مدبرة من العسكريين، بل هناك تقارير بأنها ممولة مالياً، وأن هناك مبالغ ضخمة تدعم اعتصام المطالبين بالحكم العسكري.

ولذا فإنه أمر غريب أن يقدم الجيش السوداني، على الإطاحة بالحكومة بعد زيارة فيلتمان، بل بعض تقديم رئيسه عبد الفتاح البرهان بالحفاظ على شكل الحكم الحالي.

والسؤال: هل كانت الولايات المتحدة الأمريكية على علم بما حدث وهل لها علاقة به، وكيف سيكون رد فعلها؟

من الصعب معرفة إجابات دقيقة لهذه الأسئلة، ولكن أمريكا التي لديها شبكة تنصت على العالم كله من الصعب ألا تكون على علم مسبق بما حدث في السودان، أما عن علاقتها به فهي مسألة أكثر صعوبة في تحديدها، ولكن من الصعب تصور أن أمريكا أعطت موافقة صريحة على الإطاحة بالحكومة السودانية المدنية، ولكن يمكن أن تكون قد أعطت ما فهم أنه عدم اعتراض شديد على ما فعله الجيش.

فمن الصعب تصور أن الجيش السوداني سيقوم بمثل هذا التصرف بدون تأمين دعم عربي، وبدون تأكيده أن رد الفعل الغربي سيكون ضعيفاً، فالسودان في وضع اقتصادي سيئ، وأي عقوبات غربية يمكن أن تضع البلاد ومن يحكمها في مأزق.

ولذا فإن البرهان وحميدتي اللذين أعطيا أولوية منذ توليهما السلطة لتأمين الدعم العربي والغربي لتحركاتهما، بل ينظر لهما أنها صديقا التحالف العربي المضاد للديمقراطية الإمارات ومصر والسعودية، لا يمكن تصور أنهما قد تخليا عن حذرهما فجأة دون تمهيد البيئة الدولية والعربية لهذا العمل.

ولكن الإجابة عن هذه الأسئلة ستظل مرتبطة برد الفعل الأمريكي على ما حدث ورد الفعل الذي بدا فاتراً حتى الآن، وبيروقراطياً بطريقة تبدو أقرب إلى إبراء الذمة منها إلى محاولة الحفاظ على المسار الديمقراطي في السودان.

ما الذي سيحدد طبيعة الموقف الأمريكي من الإطاحة بالحكومة السودانية؟

في ظل العلاقة الوثيقة بين البرهان وحميدتي وإسرائيل باعتبارهما عرابي التطبيع السوداني، فإن هذا يؤشر إلى أن رد الفعل الأمريكي على الإطاحة بالحكومة السودانية سيكون ضعيفاً لأن الولايات المتحدة تنظر للمنطقة بمنظار مصالح إسرائيل، إضافة إلى مصالحها الذاتية التي تتمحور حول مكافحة  الإرهاب وأمن الطاقة، علماً بأن ارتفاع أسعار النفط الأخير، يجعل الولايات المتحدة أكثر حاجة للإمارات والسعودية، وبالتالي أقل مقاومة لرغبة الدولتين في القضاء على أمل الديمقراطية الأخير في السودان.

ومن هنا فإن دوافع الإدارة الأمريكية للحفاظ على الديمقراطية، تبدو نابعة  من أسباب أيديولوجية بالأساس متعلقة، بتوجهاتها الليبرالية الحقوقية، بينما دوافع حرصها على دور البرهان وحميدتي تتمثل في الضغط الإسرائيلي الخليجي، وقد يكون أيضاً رغبتها في تحقيق الاستقرار الذي يعاني جراء المؤامرات التي تستهدف حكومة حمدوك.

والصراع بين المثاليات الأمريكية وبين المصالح وضغوط الحلفاء تكون نتيجته عادة في غير صالح المثاليات التي قد تكون تأثيرها الوحيد شكلياً.

وقد يعني ذلك أن أمريكا قد تحث العسكريين السودانيين على جعل الأمر لا يبدو انقلاباً فجاً وأن يأخذ شكلاً سياسياً يرفع الحرج عنها، رغم أن الولايات المتحدة ستظل الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور حقيقي في حماية المسار الديمقراطي السوداني، خاصة إذا تعاون الاتحاد الأوروبي معها.

 






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي