لماذا بات دعم إسرائيل يتراجع بين يهود أمريكا؟ دبلوماسي سابق يحذر من تحول انتقاد تل أبيب إلى تيار سائد

عربي بوست
2021-10-01

واشنطن: سلط دبلوماسي إسرائيلي سابق في الولايات المتحدة الأمريكية يدعى ناداف تامير، الضوءَ على ما يعتبره ظواهر متنامية لانتقاد إسرائيل داخل الأروقة السياسية الأمريكية، بالإضافة إلى التراجع في حماس بعض يهود أمريكا، لا سيما في أوساط التقدميين والليبراليين الشباب، عن الدعم الذي كان مطلقاً ذات يوم لإسرائيل.

وحذر ناداف، الذي شغل لسنوات عديدة منصب القنصل العام الإسرائيلي في مدينة بوسطن الأمريكية، وكان مستشاراً للسياسة الخارجية لدى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، في مقالة له نشرتها صحيفة The Jerusalem Post الإسرائيلية، مما أسماه "تحوُّل هذه الانتقادات، مع إصرار إسرائيل على نهجها، من مجرد ظاهرةٍ متنامية إلى تيار سائد في الولايات المتحدة الأمريكية"، التي تعتبر أهم وأكبر حاضنة دعم بالنسبة لإسرائيل.

 

يقول تامير إن أنصار إسرائيل ربما ينظرون إلى محاولة بعض الأعضاء التقدميين في مجلس النواب الأمريكي منعَ حزمة مساعدات كانت مخصصة لدعم القبة الحديدية الإسرائيلية على أنه أمر هيّن على المدى القصير، لكن واقع الأمر أن ما حدث يوضح كيف تحوَّل ما بدا للإسرائيليين يوماً أنهما قصتا نجاح مذهلتان إلى إخفاقين فادحين: القصة الأولى هي حرب 1967 (المعروفة إسرائيلياً بحرب الأيام الستة) والإخفاق هو ما آلت إليه من مشروع استيطاني في الضفة الغربية، والثانية هي  قصة التأثير منقطع النظير الذي تنامى لمجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الكونغرس الأمريكي.

حيث أسفرت رحلتا الاغترار بالقوة في كلتا الحالتين عن عمى استراتيجي إسرائيلي تبرز عواقبه الآن في التحديات التي ما انفكت تتزايد تدريجياً في مواجهة دعم الكونغرس المطلق لإسرائيل، كما يصف تامير.

ويعود مقال الكاتب إلى انتصار الجيش الإسرائيلي على العرب في عام 1967، ليشير إلى ما أسهم فيه هذا الانتصار من ترويج للرواية الإسرائيلية بعد فترة من القلق الوجودي في الأشهر التي سبقت الحرب، وما تولَّد عنه حماسٌ غير مسبوق لإسرائيل في أوساط يهود أمريكا خاصةً والأمريكيين عامةً، وشيوع الرواية التي تشبِّه انتصار إسرائيل على العرب في الحرب بـ"انتصار داود على جالوت في الرواية التوراتية".

هل انفض يهود أمريكا عن دعم إسرائيل؟

لكن يقول الكاتب، إن بذور الانقلاب التدريجي على هذه السردية في وجهات نظر العديد من الناخبين الديمقراطيين والشباب اليهود الأمريكيين حول إسرائيل بدأت في التنامي خلال السنوات الأولى التي أعقبت الانتصار الإسرائيلي.

ولم يكن السبب الوحيد في ذلك هو النزوع الطبيعي لدى التقدميين لدعم الطرف المستَضعف، بل نشأ أيضاً عن التداعيات الأخلاقية والاستراتيجية للاحتلال طويل الأمد وغطرسة الحركة الاستيطانية التي هيمنت على السياسة الإسرائيلية.

يقول تامير إنه من الطبيعي أن يشعر الإسرائيليون بالصدمة عندما يرفض مشرِّع أمريكي الموافقة على تمويل نظامٍ دفاعي يعتبره الإسرائيليون "منقذاً لحياتهم". لكنه يستدرك بأنه من المهم أن ندرك أن العمى عن الفروق الدقيقة في السياسة الأمريكية هو ما يجعل الإسرائيليين ينظرون إلى واقعة الرفض لتمويل القبة الحديدية في الكونغرس على أنها نابعة من مشاعر معادية لإسرائيل، في حين أنها في واقع الأمر تعكس نوعاً من صراعات القوى داخل الحزب الديمقراطي على أولويات محلية، على حد تعبير المقال.

 

 

يضيف تامير: على النحو نفسه، فإن معظم هؤلاء التقدميين لا يدركون الفروق الدقيقة بين حماس وسكان غزة أو بين القبة الحديدية والأسلحة الهجومية؛ وكل ما يرونه هو امتناع إسرائيل عن إنهاء احتلالها المستمر لأراضي شعب آخر فيما يُطلب من دافع الضرائب الأمريكي أن يسدد هو فاتورة ذلك ويتعامل مع عواقبه.

ويجادل الدبلوماسي الإسرائيلي السابق بأن النجاح الذي حققه "التيار المؤيِّد لإسرائيل" في الكونغرس على مدى عقود بدأ يتحول إلى فشل يشهده الجميع. ففي البداية، كان هذا الدعم هدفاً مقدساً لدى المنظمات اليهودية الأمريكية للتعويض عن تقاعس الولايات المتحدة عن حماية اليهود خلال الهولوكوست ولحشد المساعدة لما كان يروّجون أنه دولة فتيّة محاطة بالأعداء. لكن ما آلت إليه الأمور، هو أنه كلما ازدادت قوة هذه المنظمات، اشتدت عدوانيتها وغطرستها في إسكات أي تلميح إلى انتقاد أو بادرة انحراف عن الدعم التلقائي المطلق لسياسات حكومة إسرائيل.

عوامل أخرى أدت إلى تراجع دعم إسرائيل بين الديمقراطيين ويهود أمريكا

ويلفت الكاتب إلى أن هذا الأمر ظل ناجحاً ما دامت الحكومات الإسرائيلية تحاول إنهاء الاحتلال، وما دامت القواعد السياسية للحزبين مستمرة في النظر إلى دعم إسرائيل على أنه إحدى مسائل الإجماع السياسي الداخلي. ومع ذلك، فقد أخذت هذه المنظمات تفقد تدريجياً اتصالها بالأغلبية الليبرالية التقدمية من أبناء الجالية اليهودية وبكثير من الناخبين الديمقراطيين. وأهم من ذلك كله أنها فقدت التواصل بجيل الشباب من اليهود الليبراليين الذين تتحكم في تشكيل وجهات نظرهم منظومةٌ قيمية مختلفة تماماً عن تلك التي شكَّلت آراء آبائهم.

أضاف تامير أن تغيّرات سكانية غير مرتبطة بإسرائيل، مثل صعود القوة السياسية للمهاجرين ومكانة سياسات الهوية، كان لها تأثير في نقص الدعم لإسرائيل، التي اعتبرتها هذه المجموعات ذات النفوذ المتزايد جزءاً من المؤسسة ذات الامتيازات التي عارضتها. كما أن السرديات التي تشكل تصورات الجيل الأصغر في المجتمع اليهودي الأمريكي شهدت بدورها تغيُّرات عميقة، فلم تعد المحرقة ولا ما كان يروّج له عن "معجزة تأسيس إسرائيل" تلك التجارب الغائرة التي كانت لآبائهم.

 

 

ويزعم المقال أن ما ينتظره هؤلاء الشباب من إسرائيل هو أن ترتقي إلى المعايير التي تعكس قيمهم. فهم يطلبون منها ألا تكون كالدول غير الديمقراطية، ويتوقع بعضهم منها أن تتصرف بما يعتبرونه يليق بالدولة القومية للشعب اليهودي، أي تلك الدولة التي يتطلعون إليها ويعتبرون أنفسهم ذوي مصلحة فيها، بحسب وصف تامير.

أسطوانة "معاداة السامية" المشروخة

في الوقت نفسه، فإن ردود الفعل الإسرائيلية على ظواهر الانتقاد لإسرائيل التي طرأت بلا رابط مباشر في البداية بالسياسات الإسرائيلية، كانت ضارة أيضاً. فقد كان بإمكان الإسرائيليين الدخول في حوار حقيقي مع المنتقدين، لكن عنفوان الغطرسة دفعهم إلى وصم كل منتقد لهم بمعاداة السامية والعمل على تقويض أي تقدم لهم في السياسة الأمريكية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك،  فقد دأب الإسرائيليون على الدفع لإقرار تشريعات تحرم منتقديها حقَّهم في التعبير السلمي عن آرائهم، في انتهاك واضح لقيم حرية التعبير التي يعتبرها الليبراليون الأمريكيون أمراً مقدساً.

يخلص تامير، في نهاية مقاله، إلى أن التحركات العدوانية التي لطالما انتهجها "التيار المؤيد لإسرائيل" لم تعد فعالة، ومن ثم فالأولى هو إعادة ضبط المسار. ويشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة تحاول ترميم منهجية التعامل مع الحزبين الأمريكيين والعلاقات مع يهود أمريكا الليبراليين، ويعتبره جهداً جديراً بالثناء، إلا أنه غير كاف. فما دام الأمر لا يتجاوز بعض الجهود الإسرائيلية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأراضي ما بعد عام 1967، وما دامت الحكومات الإسرائيلية مستمرة في اعتبار أي نقد لها غير شرعي، فإن ظواهر معارضة إسرائيل المشهودة اليوم بين عدد قليل من المشرعين ستنتشر وتصبح تياراً سائداً في جيل المستقبل، كما يقول الكاتب.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي