انفراج الأزمة اللبنانية في ميزان لعبة السياسة الإقليمية والدولية

بي بي سي
2008-05-26
ضاحي حسن

بُعيد وقت قصير من الإعلان في العاصمة القطرية عن التوصل إلى "اتفاق الدوحة" التاريخي لإنهاء الأزمة اللبنانية -التي أغرقت البلاد في فوضى سياسية وأمنية وكادت مؤخرا أن تدخلها في أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر- راحت وسائل الإعلام العربية والعالمية تتناقل من كل من دمشق والقدس واسطنبول الأنباء العاجلة بشأن بدء مفاوضات غير مباشرة بين سوريا وإسرائيل بهدف التوصل إلى اتفاق سلام شامل بين البلدين.

كما صدرت على الفور من كل من إيران والسعودية -الدولتين صاحبتي النفوذ الكبير في لبنان- تصريحات مؤيدة ومرحبة بـ "اتفاق الدوحة" ومباركة للبنانيين انفراج أزمتهم وتوصلهم إلى تسوية وصفت بأنها "حل لا غالب ولا مغلوب".

غياب أمريكي

أما في واشنطن، فكان اللافت ليس فقط تأخر رد الفعل الأمريكي "المرحب بحذر" بتوصل اللبنانيين لاتفاق المصالحة، بقدر ما كان التوقف المفاجىء، حتى قبل إعلان التسوية، عن سيل التصريحات المؤيدة لموقف الحكومة اللبنانية ورئيسها فؤاد السنيورة والمنددة بما أقدمت عليه المعارضة مؤخرا، بقيادة حزب الله، من تصعيد عسكري ضد قوى السلطة وإرغامها على التراجع عن قرارين حكوميين اتخذا أوائل شهر مايو/أيار الجاري ورأت فيهما المقاومة اللبنانية استهدافا مباشرا لأمنها ووجودها.

أما على الأرض في لبنان، فكان المشهد يتحول هو الآخر بشكل دراماتيكي ومتسارع ويتخذ منحى مختلفا جذريا عما اتسم به طوال الفترة الماضية من تشنج فاقتتال وتراشق إعلامي وتبادل اتهامات وخوف وحذر وترقب وشكوك بين الأطراف المتخاصمة.

ففي ساحة رياض الصلح وسط العاصمة اللبنانية بيروت راحت قوى المعارضة تفكك خيام الاعتصام التي نصبت منذ أكثر من 20 شهرا احتجاجا على ما اعتبرته "استئثارا من قبل الموالاة بالسلطة".

تفكيك معسكر الاعتصام

لقد جاء تفكيك معسكر الاعتصام تنفيذا فوريا وسريعا لما كان نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني وأحد أقطاب المعارضة، قد أعلنه من الدوحة بالرفع الفوري للاعتصام "كهدية لدولة قطر على جهودها الجبارة في التوصل إلى إعلان الدوحة".

وفي قرية عمشيت في قضاء جبيل شمالي بيروت، مسقط رأس قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان والمرشح التوافقي لشغل منصب رئاسة الجمهورية الشاغر لمدة أكثر من ستة أشهر مذ غادره الرئيس السابق أميل لحود في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فقد أخذ السكان المحليون بإطلاق العيارات النارية، لا مشاركة في أي حرب أو اقتتال مع أي طرف، بل ابتهاجا بقرب انتخاب ابن قريتهم رئيسا للبلاد.

أنصار تيار المعارضة يرفعون الخيام بعد 18 شهرا من الاعتصام وسط العاصمة اللبنانية بيروت (21/05/2008)
أعلن رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري تفكيك خيام المعارضة بعد عام ونصف من الاعتصام

الفرح بالتوصل إلى اتفاق لم يقتصر فقط على المتحاورين والوسطاء الذين وصلوا نهارهم بليلهم طوال الأيام الخمسة التي أمضوها داخل فندق شيراتون الدوحة، قبل أن يتصاعد "الدخان الأبيض" إيذانا بالتوصل إلى اتفاق قُبيل بزوغ الفجر، بل شمل كافة اللبنانين داخل بلادهم وخارجها، ومعهم أصدقاء ومحبو لبنان في العالم أجمع.

مفارقات ملفتة

ولربما كان من بين المفارقات الملفتة بروز قطر كوسيط فاعل ولاعب أساسي على الساحة السياسية في المنطقة، إلى درجة تفوق هذه المرة بكثير حجم البلاد الجغرافي ووزنها السياسي كما عبر عن ذلك أمير البلاد صراحة خلال كلمته الافتتاحية لمؤتمر الحوار اللبناني الأخير حيث أقر بأن "الدوحة تعرف حدودها ولا تسعى لأخذ دور أحد".

لقد تمكنت قطر من إنجاز ما عجز اللبنانيون، ومعهم دول وجهات إقليمية ودولية عدة مثل فرنسا والجامعة العربية وأطراف أخرى، عن إنجازه على مر الأشهر العشرين الماضية من عمر الأزمة اللبنانية الأخيرة.

لعبة السياسة

ومهما قيل عن أهمية الدور القطري والتوافق اللبناني-اللبناني في التوصل إلى اتفاق الأربعاء التاريخي، وهما أساسيان بلا شك، إلا أن لعبة السياسة الإقليمية والدولية تبقى هي صاحبة الأثر الأكبر في تقرير ما جرى في ردهات فندق شيراتون الدوحة خلال الأيام القليلة الماضية.

وقد عكست تصريحات المسؤولين اللبنانيين والوسطاء القطريين والعرب الآخرين، أهمية الدور الإقليمي والدولي في التوصل إلى التسوية، وإن كانت بعض تفاصيل هذا الدور ستبقى ربما طي الكتمان لفترة طويلة.

فها هو السنيورة، الذي طالما اتهمته المعارضة خلال الفترة الماضية بالعمل ضدها لصالح أطراف أخرى، يصرح بُعيد "إعلان الدوحة" قائلا: "ليس لدينا مستقبل سوى وحدتنا الداخلية، فهي التي تحمينا وتمكننا من مواجهة إسرائيل."

ولكنه لا ينسى أن يذكرنا السنيورة أيضا بأساس المشكلة حين يقول: "ما حصل في لبنان كان أساسا مشكلة عربية."

أما النائب وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي وأحد أقطاب الموالاة الذي كان قد أعلن في السابق طلاقه مع المعارضة وطلب التدخل الأجنبي لحماية الحكومة منها، فيقول: "أعتقد أننا نستطيع أن نعود الآن إلى لبنان ونقول للبنانيين إننا اخترنا التسوية السلمية بعيدا عن لغة التشنج والتخوين."

وها هو أيضا أحد الوسطاء يعلن صراحة في أعقاب التوصل إلى التسوية: "لقد أبقينا قنوات الاتصال مفتوحة مع كل من السعوديين والإيرانيين والسوريين، ووجدنا تجاوبا من العواصم الثلاث."

صورة قائد الجيش البناني العماد ميشال سليمان نصبها أبناء بلدته عمشيت (21/05/2008)
يتوقع أن تعقد جلسة برلمانية عما قريب لانتخاب رئيس جديد للبنان

أما برنار كوشنير، وزير الخارجية الفرنسية، فقد خرج هو الآخر ليبارك "'إعلان الدوحة" ولكنه يعود للتذكير بأن "جل ما تم التوصل إليه استُمد من روح المبادرتين الفرنسية والإيطالية."

لاعب آخر

أما اللاعب الدولي الآخر الذي لم يجر الحديث عن دوره في التسريع في حلحلة الأزمة اللبنانية، فهو "الذهب الأسود" (النفظ) الذي سجل سعره يوم الأربعاء رقما قياسيا تجاوز الـ 130 دولارا للبرميل الواحد.

ترى، هل لنا أن نتخيل كم كان سيصبح سعر برميل النفط فيما لو قُيّض للغة التدخل العسكري لدى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بمعالجة الوضع في لبنان أن تنتصر على لغة الحوار والتسوية، وكم كان سيكون لمثل ذلك الخيار من انعكاسات سلبية على اقتصاد وأمن المنطقة والعالم؟

وختاما، مهما قيل عن علاقة انفراج الأزمة اللبنانية بما يجري من جهود علنية أو سرية للتوصل إلى تسوية سلمية شاملة بين العرب والإسرائيليين وبما يجري في العراق من محاولات للقضاء على العنف، فلا بد أن اللبنانيين أدركوا مجتمعين هذه المرة أهمية أن أهمية أن يكونوا فاعلين، وليسوا منفعلين، في لعبة السياسة الإقليمية والدولية التي استفاقوا صباحا ليجدوا بلادهم على مشارف فجر سلام جديد لربما كان بجوهره من مفرزات تلك اللعبة.

 












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي