فاغنر على أبواب مالي.. ما هي خيارات فرنسا في إفريقيا بعد التمدد الروسي؟

2021-09-17 | منذ 1 شهر

الرئيس الفرنسي، ايمانويل ماكرون

كما كان متوقعاً، تستعد روسيا عبر شركة "فاغنر" الأمنية لملء فراغ الانسحاب الفرنسي التدريجي من شمالي مالي، لكن باريس تبدو مُمتعضة من أي دور لمرتزقة "فاغنر" في أحد أكثر البلدان الإفريقية الخاضعة لنفوذها التقليدي.

بينما يحاول انقلابيو مالي، بقيادة العقيد عاصيمي غويتا، الرد على قرار فرنسا سحب قواتها من شمالي البلاد مطلع 2022، وإنهاء عملية برخان العسكرية بالساحل، بالسعي لتعويضهم بنحو ألف مقاتل من "فاغنر" الروسية.

ويتهم الإعلام الفرنسي، وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، الذي تدرب في روسيا، بقيادة المفاوضات لجلب ألف مرتزق من فاغنر.

وزار كامارا، في هذا الصدد، روسيا عدة مرات، منذ الانقلاب الأول الذي قاده غويتا في أغسطس/آب 2020، بحسب موقع "موندافريك" الفرنسي.

بينما تقول رويترز، إن المفاوضات بين باماكو وشركة فاغنر "متقدمة جداً".

الصفقة على وشك التوقيع

إذ من المتوقع أن يتولى عناصر فاغنر مهمة تدريب (ومرافقة) الجيش المالي، وضمان حماية كبار المسؤولين، على غرار ما يقومون به في جمهورية إفريقيا الوسطى.

لكن المقابل سيكون مكلفاً بالنسبة لدولة فقيرة مثل مالي، حيث تتفاوض فاغنر للحصول على 6 مليارات فرنك إفريقي (10.8 ملايين دولار)، وعلى حقوق استغلال عدة مناجم معدنية بينها الذهب، وهذا ما يعوق توقيع الاتفاق.

فبحسب تصريح لمصدر فرنسي "رفيع المستوى"، لموقع "موندافريك"، فإن الماليين يعتقدون أن المقابل المادي "مرتفع جداً"، لذلك "لم يتم التوقيع على أي شيء بعد".

إلا أن وزارة الدفاع المالية نفت علمها "بمثل هذا الاتفاق"، لكنها أعلنت أنها منفتحة على المحادثات مع الجميع.

ليبيا ماكرون بايدن أردوغان

عناصر مرتزقة "فاغنر" الروسية

وهذه رسالة من باماكو، لباريس، أنها أيضاً تملك أوراق ضغط وبدائل في حال قررت سحب قواتها وتركها وحيدة في مواجهة التنظيمات الإرهابية الناشطة بكثافة في شمالي ووسط البلاد.

فالانقلابيون في مالي تعرضوا لانتقادات شديدة من باريس، التي أوقفت تعاونها العسكري معهم لفترة وجيزة بعد الانقلاب الثاني لغويتا، في مايو/أيار الماضي، كما ضيّقت عليهم الخناق سياسياً ودبلوماسياً.

ويبحث الانقلابيون عن بدائل واقعية لمواجهة الضغوط الفرنسية، وتمثل فاغنر أحد هذه البدائل لإنقاذ بلادهم من الانهيار الأمني على يد الجماعات الإرهابية والانفصالية.

وليس من المُستبعد أن تكون محاولة اغتيال غويتا، في 20 يوليو/تموز الماضي، ساهمت في تسريع تقدم المفاوضات مع فاغنر.

إذ يحتاج زعيم الانقلابيين في مالي لحماية خاصة من مقاتلين محترفين، لمواجهة المخاطر التي تستهدف حياته، من عدة أطراف معادية، في ظل وضع أمني واقتصادي مضطرب.

وفي حال قررت فرنسا وحلفاؤها الانسحاب بشكل سريع من مالي، فلن يجد الانقلابيون من حل سوى الارتماء في أحضان فاغنر.

ضغوط أوروبية على باماكو

تراجُع النفوذ الفرنسي في مالي لصالح روسيا، ليس وليد اليوم، بل سبقته مظاهرات صاخبة في باماكو حتى قبل انقلاب أغسطس 2020، تطالب باريس بالرحيل، وتدعو لاستبدالها بالتعاون مع روسيا.

لذلك فالأجواء مهيأة أمام موسكو شعبياً ورسمياً للتواجد عسكرياً عبر شركة فاغنر، خاصة أن باماكو كان يربطها تعاون عسكري متين مع الاتحاد السوفيتي عقب استقلالها عن فرنسا عام 1960، خاصة في عهد الرئيس موديبو كيتا (1960 -1968).

باريس لم تتأخر في إبداء قلقها من تعاون انقلابيي مالي مع فاغنر، وهددت بسحب قواتها بشكل سريع من البلاد.

واعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الثلاثاء 14 سبتمبر/أيلول 2021، أمام لجنة الشؤون الخارجية بالجمعية الوطنية (الغرفة الأولى للبرلمان) أن مشاركة فاغنر في مالي ستكون "غير متوافقة" مع الإبقاء على قوة فرنسية.

وقال لودريان: "لا يمكن التوفيق بين ذلك ووجودنا على الإطلاق"، ملوحاً بإمكانية سحب كامل القوة العسكرية الفرنسية من كامل مالي وليس شمالها فقط.

ويتواجد 5100 عسكري فرنسي في الساحل، وقررت باريس في يونيو/حزيران الماضي، إنهاء عملية برخان العسكرية، وتقليص عدد جنودها إلى النصف.

كما حذر لودريان من أن مشاركة فاغنر في العمليات العسكرية ضد التنظيمات المسلحة في مالي "لا يتفق مع عمل شركاء مالي الساحليين والدوليين"، في إشارة إلى إمكانية سحب مجموعة الخمسة ساحل (تشاد النيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا علاوة على مالي) لقواتها من البلاد، بالإضافة إلى القوات الخاصة الأوروبية ممثلة في عملية "تاكوبا".

وتكاد تشاد تكون الدولة الوحيدة في مجموعة الساحل الخمسة التي تتواجد قواتها في مالي بمنطقة الحدود الثلاثة المشتركة مع النيجر وبوركينا فاسو، والتي قلّصتها إلى النصف مؤخراً، بعدما بلغت 1200 جندي في فبراير/شباط الماضي.

كما لوّحت ألمانيا هي الأخرى بسحب قواتها من مالي، والبالغة 1500 عسكري ضمن عملية "تاكوبا"، وأيضاً ضمن القوات الأممية في شمالي البلاد.

وحذرت وزيرة الدفاع الألمانية آنغريت كرامب-كارينباور، على تويتر، من أنه "إذا وقّعت حكومة مالي مثل هذه الاتفاقات مع روسيا، فهذا يتناقض مع كل ما فعلته ألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في مالي منذ 8 أعوام"، و"سيشكك" في تفويض الجيش الألماني في مالي.

وهذه الضغوط الفرنسية الألمانية التي قد تنضم إليها تشاد، من شأنها إما تقويض الاتفاق المالي مع فاغنر، أو سحب سريع للقوات الفرنسية وقوات تاكوبا الأوروبية، وأيضاً الوحدات التشادية من البلاد، لإحداث فراغ أمني من الصعب على السلطات العسكرية المالية ملؤه، حتى ولو توصلت إلى اتفاق مع فاغنر.

ومن شأن ذلك التأثير على القوات الأممية في شمال مالي، والتي تضم قوات ألمانية وتشادية، ما قد تستغله الجماعات الإرهابية الموالية للقاعدة أو داعش في مضاعفة عملياتها ضد القوات الحكومية.

ناهيك عن توقيف الدعم المالي والمساعدات الإنسانية لسلطات باماكو، بهدف خنق النظام الانقلابي، ودفعه إما للتنازل أو الانهيار.

فاغنر تزحف نحو الساحل

كان متوقعاً أن تصل فاغنر إلى مالي، منذ إعلان مسؤولين عسكريين فرنسيين رغبتهم في الانسحاب من منطقة الساحل في ديسمبر/كانون الأول 2020.

إذ إن سيناريو جمهورية إفريقيا الوسطى يوشك أن يتكرر في مالي.

فبعد إنهاء فرنسا عملية "سانغاريس" العسكرية في جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2016 بعد إطلاقها في 2013، سارعت روسيا لملء الفراغ عبر إرسال نحو ألف عنصر من فاغنر، بحسب موقع "ذي أفريكا ريبورت".

وتولت فاغنر تدريب الحرس الرئاسي وقوات الجيش وحماية كبار الشخصيات في جمهورية إفريقيا الوسطى، والمشاركة في عمليات أمنية ضد المتمردين.

كما أرسلت موسكو أسلحة ثقيلة إلى العاصمة بانغي، مقابل استفادتها من حقوق التعدين في عدة مناجم بالبلاد.

كما تتواجد فاغنر في ليبيا، ولديها قواعد عسكرية في مدينتي سرت والجفرة وسط البلاد، ولها حضور في إقليم فزان في الجنوب الغربي، الذي تعتبره فرنسا منطقة نفوذها التاريخية، وبوابة ليبيا نحو دول الساحل، وبالأخص النيجر وتشاد.

السودان أحد البلدان، التي تنشط فيها فاغنر، في مجال التعدين والتنقيب عن الذهب، ولكن لها تواجد أمني محدود بالبلاد، خاصة في عهد نظام عمر البشير.

وانتشار فاغنر بالدول المحيطة بمنطقة الساحل، يمهّد لتوغّلها في المنطقة انطلاقاً من مالي، إلا أن فرنسا لا تبدي رغبة سريعة في التخلي عن هذه المنطقة بسهولة، مما قد يؤجل انسحابها منها، أو تتركها تنهار تحت ضربات التنظيمات الإرهابية والحركات الانفصالية.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي