

يحكي سائق سيارة أجرة أن مروره أمام أحد معسكرات الأمانة صادف لحظة استلام الجنود لرواتبهم، وفيما هو يسبح في عالم الخيال باغته زبونه بسؤال عفوي: ايش اسم هذا المستشفى ومتى بنوه؟ لينتبه السائق على صور المعاقين والمرضى الموزعة على بوابة ذلك المعسكر.. هذه صورة من طرف واحد فيما القرى والضحايا المدنيين لا يستطيع الصحفيون تصويرهم. الصراعات الدموية السابقة خلفت وراءها جروحا غائرة لا تزال مكشوفة ومعرضة للتلوث في كل لحظة، وبالتالي يتوسع الجرح وتتعاظم آثاره الجانبية ليصل الأثر إلى الجسم كاملا، وأحيانا قد يدفع الضرر إلى الاستغناء عن عضو مقابل سلامة بقية الأعضاء.
لقد فشلت السلطة بتحقيق انتصار حاسم في ميادين القتال بصعدة منذ 2004م وأخيرا امتدت الحرب لتلتهم جزءا من محافظتي عمران -حرف سفيان- وصنعاء -بني حشيش- كما أن المناوشات تطول وتقصر بالنسبة لمحافظتي حجة والجوف، ذلك الصراع الذي تشكلت نواته في مديرية مران ما لبثت أن توسعت وكانت كل حرب تضم إلى نطاقها مديريات جديدة.
وتتبادل الأوساط الشعبية أحاديث من قبيل تضاؤل العقيدة القتالية للجيش اليمني وتسرب العديد من منتسبيه من ميادين القتال، بسبب رخوة الموقف الرسمي وتعامله مع الأحداث الدائرة في صعدة وفق أجندة غير واضحة المعالم، كما تعتقد تلك الأوساط أن السلطة فشلت في حرب صعدة وتتداول قصص تستقيها من جنود شاركوا في المعارك عن براعة أتباع الحوثي وحداثة أساليبهم القتالية وابتكارهم أساليب هجومية مباغتة، ومقابل ذلك وفي كل محطة جديدة من الصراع كانت السلطة تفقد جزءا من هيبتها لصالح خصمها.
ويرى مراقبون أن الصراع بمراحله المتعددة لم يكن بين السلطة ممثلة بالجيش كطرف والحوثي كطرف ثان بل دخلت على الخط الكثير من القوى المتضررة، واستطاع الحوثي تحييد مساحة واسعة من مراكز القوى الموجودة في الميدان كما ضم إلى صفوفه البقية من الناقمين والذين مسهم ضرر الأخطاء الرسمية في الميدان.
الرئيس يعلن انتهاء الحرب
إعلان الرئيس انتهاء الحرب الخامسة في محافظة صعدة الأسبوع الفائت جاء بدون مقدمات ولم تعلن الكيفية التي أدت إلى إنهاء الحرب خاصة بعد تعثر جهود الوساطة القطرية في تطبيق اتفاق الدوحة، فيما يدور حديث عن مكالمة تلفونية بين الطرفين كانت السبب، وهو مانفته الأوساط الرسمية بشدة، واكتفى الرئيس بتحميل من سماهم بالعناصر المتمردة والتي بسبب غلوها وتطرفها وجهلها سقطت ضحايا كثيرة لهذه الحرب من الجانبين، وقال في حفل افتتاح المخيمات الصيفية للشباب في صنعاء إن الحوار هو الوسيلة الحضارية للحل وأفضل من إراقة الدماء.
وقد بارك يحيى الحوثي في تصريح بثته الجزيرة هذا الموقف، مؤكدا وجود تفاهم بين الرئيس علي عبد الله صالح وأخيه عبدالملك بصعدة على وقف إطلاق النار.
وقال الحوثي إنه حصل تفاهم شفوي بين الطرفين لوقف الحرب ورفع الحملات العسكرية، مرجعا ذلك إلى تشديد الحوثيين الحصار على اللواء 17 مشاة بمران والذي يقوده العميد عبد العزيز الشهاري (الرئيس والسعودية يهتمون به حسب الحوثي) منذ شهرين.
وأكد الحوثي أن الرئيس هو هكذا مرة يعلن الحرب ومرة يعلن السلم وهو الذي يعصد اليمن عصيد، مشيرا إلى أن التفاهم قائم على توقف الحرب ورفع الحملات العسكرية، وأن الرئيس عندما أعلن انتهاء الحرب قابله تهدئة من أتباعهم، وأوقفوا الحرب ماعدا بعض المناوشات.
وفيما يري مراقبون أن الاشتباكات الأخيرة تعتبر الأعنف منذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش وأنصار الحوثي في 28 يوليو 2004م، والتي أودت بحياة الآلاف من الطرفين، جرى الحديث خلال الأسبوع الفائت عن وساطات قبلية لوقف الاقتتال وشهدت دار الرئاسة حضوراً كثيفاً للمشائخ القبليين وعقدت عدة لقاءات معهم تمهيدا لاحتواء الحرب التي امتد أثرها ليصل كل بيت يمني.
الخسائر تكبدها كل بيت يمني وآثارها الاجتماعية والاقتصادية لامست أطراف كل أسرة، والدم اليمني وحده كان هو المسفوح في الفيافي والقفار وعلى رؤوس الجبال، ولذا فالسلطة محملة بتبعات ثقيلة وهي ملزمة بمعالجتها واحتواء آثارها، وربما أن الوساطة القطرية حاضرة في المشهد الأخير ليتم الاستفادة من المبلغ الذي التزمت به لمعالجة آثار الحرب وتعويض المتضررين.
الجيش الشعبي..
فيما كانت التحضيرات جارية لتشكيل جيش شعبي قوامه 20 ألفاً لمواجهة الحوثي في صعدة وحماية مناطق القبائل ومنع أنصار الحوثي من دخولها، وسد الفراغ في جبهات القتال الجديدة التي فتحت في
حرف سفيان وبني حشيش، فقد شكل إعلان الرئيس بانتهاء الحرب شهادة وفاة لهذه الفكرة التي كانت ستتحول إلى حرب أهلية وثارات لن تنتهي. بالمقابل كانت الحرب تشكل مصدر ثراء غير مشروع للكثير من المشائخ القبليين الذين يدورون في فلكها، وعلاوة على مواقفهم الداعمة لطرفي الصراع يتاجر البعض بالسلاح لإشعال فتيل المواجهات ويشكل مصدر إمداد للمحتاجين من الطرفين وحسب تأكيدات مصادر مطلعة ضبطت خلال الفترة الماضية ناقلة سلاح في طريقها إلى أتباع عبد الملك الحوثي في إحدى مديريات صعدة.
وقد شاركت في الحروب السابقة مجاميع شعبية مارست أعمال الفيد وارتكبت أخطاء كانت السبب وراء انحياز بعض القوى إلى الحوثي، ويحضر في الذهنية اليمنية اشتراك القبائل في الحروب الداخلية كمجاميع فيد تستبيح ما يعترض طريقها.
وتعد مشاركة البشمركة في الحروب السابقة ورقة في يد عدد من المشائخ لابتزاز النظام الذي يدفع فاتورتها حتى اليوم، لكنه وكما يبدو فقد تنبه النظام أخيرا إلى العبء الذي يضيفه الحضور الشكلي لهذه المجاميع على الفاتورة الوطنية فسارع إلى إنهاء الحرب بمكالمة تلفونية.مراكز القوى..
بعيدا عن مراكز القوى الموزعة بحكم تواجدها الجغرافي ميدانيا يدور حديث كواليسي عن صراع بين قوى سلطوية ظهر على شكل خمس حروب في صعدة، هذه المراكز تصارع بأدوات تقليدية لتصفية حساباتها، وهي إذ تدير هذا الصراع عن بعد توظفه لإضعاف الخصم وتحقيق مكاسب على المدى المتوسط تضمن معها مستقبلها. ويدخل على خط التصفيات خصوم ثانويون تُستغل الظروف المحيطة بالحرب لتقليص حجمهم والتخلص منهم إن أمكن، كما تحضر قوى تقليدية تحاول الاستفادة من هذه الأجواء قدر الإمكان.
وتبدو الصورة معقدة وأحيانا قد تتغير ملامحها الرئيسية ويتوه الرسام الأصلي في التعرف على زواياها المختلفة، ما يستدعي استقدام خبراء لفك طلاسمها والعودة بها إلى خط البداية، وأحيانا اتخاذ قرار استراتيجي وتراجيدي بتغيير الصورة جذريا، والبحث عن مساحة أخرى للرسم.
المصفقون كثيرون والراقصون حول الجثث أكثر، ومشعلو فتيل الحروب بعدد الحصى وبسعر التراب لكنهم يتحكمون في صورة البداية فقط!!
الحوار
في الوقت الذي يقبع فيه سجناء الحراك السلمي في سجون السلطة ويحكم عليهم بسنوات من السجن عقابا جراء أدائهم السياسي السلمي الرافض لأداء السلطة الرسمية، يرفض الأخير الإفراج عنهم أو التحاو
ر مع أحزاب المشترك في القضايا الوطنية، بينما يؤكد الرئيس أثناء إعلانه انتهاء الحرب أن لغة الحوار هي التي يجب أن تسود.
في هذه الأثناء فشلت جولات الحوار بين المشترك والمؤتمر مما دفع الأخير إلى تشكيل تكتل يجمعه بأحزاب المجلس الوطني للمعارضة-تجمع الأحزاب المجهرية الموالية للحاكم- ويخوض معهم جولات حوار حول التعديلات الدستورية وقضايا تتعلق بمصالح الحزب الحاكم، إذ يخطط لتمديد السلطة لنفسه أقصى فترة ممكنة.
وفي أكثر من موقف أكدت أحزاب المشترك أنها لن تتحاور مع المؤتمر حفاظا على الحوار -كقيمة ومبدأ- من تدميره في الوعي المجتمعي، لكنها لا تلبث أن تعود من جديد، وهكذا دواليك تفشل كل جولات الحوار في صورة شبيهة بالمسلسل الكرتوني «توم وجيري».
في المقابل أثبتت السلطة أنها لا تتحاور إلا مع القوة، بدليل التنازلات التي تقدمها لمن تسميهم بالمتمردين نهاية كل جولة من جولات الحرب، وهي ملزمة حاليا بالإفراج عن كل المعتقلين على ذمة الحوثي والتحاور معه من موقعه، والتعامل مع شروطه التي يفرضها، كما أنها لا تستجيب إلا للأصوات المرتفعة حتى ولو كانت أقل ضررا، فيما الحوار في مربع الوطن يراوح مكانه منذ سنوات، وهنا يقترح البعض إضافة المعتقلين السياسيين على قائمة مطالب الحوثي ليحضوا ببركة العناية الرسمية وربما تصلهم تعويضات تعينهم على نوائب الدهر.
محكمة الجنايات الدولية!
الظروف المحيطة بطلب محكمة الجنايات الدولية للرئيس السوداني بتهمة جرائم ضد الإنسانية ترشحه ليكون أحد العناصر الفاعلة في قرار إيقاف الحرب بصعدة، وإن بصورة أقل من المعطيات الأخرى القابضة برحى الحرب الخامسة. وارتفعت في الآونة الأخيرة أصوات تبدي مخاوفها من تحول صعدة إلى دارفور اليمن جراء الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون بفعل الحرب التي تغيب فيها لغة العقل وتسيطر عليها لعلعة الأسلحة التي لا تتعرف بأحد. وعلى الرغم من أن أداء الإعلام الرسمي كان على أشده في إطار التأكيد على الحسم العسكري فقد كان إعلان انتهاء الحرب مفاجئا، وهو ما يخفي وراءه دوافع لا يعرفها إلا القلة ممن يدورون بالقرب من طرفي الصراع والزمن كفيل بكشفها للرأي العام.
وكدلالة على نية السلطة إطالة أمد الحرب فقد دفعت باتجاه انتزاع مباركة من مؤتمر العلماء الذي عقد الأسبوع الفائت برعاية رسمية، لكن المدافعين عن موقف السلطة أصيبوا بخيبة امل وعبروا عن استيائهم الشديد من هكذا قرار، ففيما كانت أيديهم ترتفع مطالبة بالحسم العسكري كانت يد الرئيس ترتفع إيذانا بانتهاء الحرب وبدون رجعة.
الوساطات..
عشرات الوساطات تعثرت وتحطمت مساعيها على صخور جبال صعدة وفيما كان القائمون على لجان الوساطات المحلية والإقليمية يبذلون جهودا مضنية بغية الوصول إلى إنهاء الحرب كان التلفون الرسمي قادر على التواصل المباشر وحسمها، وبينما شاركت الأحزاب في إحدى لجان الوساطة وشاركت منظمات المجتمع المدني، ومشائخ القبائل، والشخصيات الاجتماعية ودخلت على الخط القوى الرسمية لم تفلح في تحقيق أي تقدم يذكر، بينما تمكن التلفون من إنهاء الحرب!!
الوساطة القطرية تعثرت أكثر من مرة لكنها لم تدن أي طرف باعتبارها على خط الحياد، وخاضت جولات متعددة أبدت فيها الكثير من الجدية والاهتمام لكنها فشلت أمام رغبة غير مرئية في الحل النهائي، وظلت الحرب الأشد ضراوة في تاريخ اليمن المعاصر، تلقي بآثارها على المشهد اليمني برمته اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
ولم تسلم الجهود القطرية من تقليل دورها ومهاجمتها ووصف ذلك الدور بالمنحاز وتعاملت الأطراف المتباينة وفق مصالحها الآنية، ولم تشفع 500 مليون دولار لاستمرار الدور القطري الذي حل الأزمة اللبنانيةرغم تعقيداتها، وصاحب اتفاقية الدوحة الأخيرة حديث عن شروط مجحفة بحق الدولة وتحقيق الحوثي لمكاسب لم يكن يحلم بها، ويبدو أن هذا الحديث شكل أرضية لرفض الاتفاقية وكانت حادثة مسجد بن سلمان في صعدة بمثابة إعلان وفاتها وبدء الحرب الخامسة.
حديث عن الكرامات..!
الحديث عن الكرامات التي ساندت الحوثي وأتباعه في الحروب الخمس تلقى رواجا واسعا، وعلى غرار الكرامات التي نشرت بعد الحروب التي خاضها المجاهدون في أفغانستان ضد السوفيت، تتهامس الأوساط القريبة والمتعاطفة مع الحوثي عن تأييد القدر لهم في ميادين القتال، فعلى سبيل المثال تحيط عناية القدر بأحد القادة الحوثيين في بني حشيش فيتمكن من إبادة كتيبة كاملة بمفرده، ومن ثم يفر إلى صعدة!!
وأيضا من تلك الكرامات استيلاء خمسة من أتباع الحوثي على سيارة إسعاف كانت في طريقها إلى أحد المعسكرات وعند وصولهم باشروا بإطلاق النار مما أربك الجنود الذين تبادلوا إطلاق النار وأتاحوا الفرصة للحوثين بتصفيتهم وخرجوا سالمين بعد أن قضوا غرضهم، وإذا كان سفك الدماء اليمنية المسلمة بأيدي بعضها يتخللها أمر يؤيد بكرامات فإن المشوار يبدو طويلاً!!
مثل هذه القصص تمثل جرعة نفسية قوية تعزز من شعور المتعرض لها بالنصر كما تمده بأسباب البقاء والاستمرار وفي المقابل تعتبر ميداناً خصباً لكسب أنصار جدد من خلال استثارة عواطفهم وتشكيل قناعاتهم في المستقبل.
وكالعادة بعد كل مواجهة تنتشر مثل هذه الأخبار التي تحكي عن جثث لم تتعفن، وأخرى تتصاعد منها روائح زكية وطيبة، وكيف أن عناية الله حفظت شخصا من هلاك محقق مقابل هلاك مجاميع كبيرة مرت بذات الموقف، ومن المتوقع أن تشهد الأيام القريبة توزيع منشورات تتضمن هذه الكرامات -كما يقولون!!