فيتّورينو أندريولي.. ما يقوله بينوكيو لعالمِنا

2021-09-10

تمثال لريكاردو روسي في بونتريمولي، إيطاليا، يستعيد فيه شخصية بينوكيو

يوسف وقّاص*

يُعدّ أنف بينوكيو من أشهر الأنوف في إيطاليا والعالم، وقد تكيّف الإيطاليون جيّداً مع أنف هذه الشخصية، ولولا كذبه البريء، لأضافوه إلى ثلاثيتهم الشهيرة: بلد البحارة والشعراء والقدّيسين.

إلّا أنهم، مع مرور الزمن، ابتكروا إيماءةً لطيفة لتمثيل "كذبه الأبيض"، وذلك بضمّ الإبهام والسبّابة والوسطى والبنصر، كمن يمسك بكُرة صغيرة، وتقريبها من أرنبة الأنف وسحبها إلى أقصى ما يمكن، للدلالة مجازاً على أن المتكلّم بلغ الذروة في اختلاقه.

قد يفعلون ذلك بطريقة محبّبة مع الأصدقاء، وربما مع بعض التحفظ مع الغرباء، إلّا أنهم لطالما ألمحوا بها إلى السياسيين، لتبدو الإيماءة كما لو أنها ابتُدعت خصيصاً للتنديد بأكاذيبهم.

عندما كتب كارلو كولودي روايته الشهيرة هذه للأطفال ونشرها متسلسلةً في "مجلّة الأطفال" الأسبوعية بين عامي 1881 و1882، تحت عنوان "مغامرات بينوكيو: قصّة دمية"، وأكملها بعد ذلك في كتاب صدر في فلورنسا عام 1883، كانت الفلسفة الوضعية التي تعتمد على البيانات الحسّية والمعالجة المنطقية لها هي السائدة، وهي التي اختزلت علم التربية إلى عنصرين أساسيين: الفهم والإرادة، أي جعل الأفكار مفهومة وتقوية الإرادة لترجمة هذه الأفكار إلى سلوكيات محدّدة.

هل لدى بينوكيو ما يمكن أن يقوله ويعلّمه لأطفالِ وآباء اليوم؟ ابتداءً من هذا السؤال - ومن هذا الإدراك - يبدأ فيتّورينو أندريولي بإعادة قراءة وكتابة تحفة كولودي، وذلك في كتاب صدر قبل عامين تحت عنوان "فيتّورينو أندريولي يعيد كتابة 'بينوكيو' لكارلو كولودي" (منشورات "بيبلوتيكا أونيفرساله ريتسولي").

   

يعيد المؤلف كتابة قصة بينوكيو بلغة تخاطب عصرنا ومشاكله

وفيتّورينو أندريولي واحدٌ من أشهر الأطباء النفسيين في إيطاليا. تخرّج من كلية الطب في "جامعة بادوفا"، وأجرى أبحاثاً تجريبية على الدماغ في "معهد علم الأدوية" في "جامعة ميلانو"، وعمل لاحقاً في قسم الكيمياء الحيوية في "كامبريدج" وكلية "كورنيل" الطبية في نيويورك و"جامعة هارفارد".

سمحت له هذه الأبحاث بافتراض وجود علاقة بين لدونة الدماغ والسلوكيات المنحرفة. كان محور دراساته موضوع الجنون، باعتباره شكلاً متكيّفاً جرت صياغته على أساس المجالات التجريبية الفردية وتأثيرات البيئة الخارجية.

ساعدت دراسات أندريولي في كسر افتراض تشيزارِهْ لومبروزو (1835 - 1909) للمرض العقلي، باعتباره تدهوراً في وظائف الدماغ.

كان لامبروزو طبيباً وفيلسوفاً وأكاديمياً إيطالياً، من أنصار الفلسفة الوضعية، وأحد روّاد دراسات علم الجريمة، ومؤسّس الأنثروبولوجيا الإجرامية. وقد تأثّر عمله بشدّة بعلم الفراسة والداروينية الاجتماعية وعلم فراسة الدماغ.

إلّا أن معظم نظرياته ليس لها أيّ أساس علمي، حتى إن العديد من العلماء وصفوه بأنه حالم وهمي، وفي نهاية حياته الأكاديمية والمهنية المثيرة للجدل، طُرد من "الجمعية الإيطالية للأنثروبولوجيا والإثنولوجيا" (عام 1882).

في هذه الأثناء، تغيّر علم أصول التدريس كثيراً بفضل تعاليم ماريا مونتيسوري (إيطاليا 1870 - هولندا 1952) ــ التي ترتكز على أن التعليم لا يتمثّل في ملء رأس الطفل بالأفكار، بل على العكس من ذلك، في جذبها إلى خارجه ــ ونظريات سيغموند فرويد (1856 - 1939) في علم النفس والتحليل النفسي. النظريّتان جاءتا بعد كتاب بينوكيو، ما اقتضى – حسب أندريولي - إعادة كتابة الرواية في ضوء تطوّر أصول التدريس لدى مونتيسوري والتحليل النفسي لدى فرويد.

   

 

يمكن تلك الدمية المتخيلة قول الكثير لعالمنا بعد كورونا

يقول أندريولي: "بينوكيو أجمل حكاية في تقاليدنا الثقافية، وقد 'أعدتُ كتابتها' لأنني أعتقد أن هذه الرواية لا تزال مفيدة في علم التربية الحديث، لمساعدة الأطفال خلال نموّهم، ولإسباغ الحداثة على رسالة كولودي.

أمّا أنف بينوكيو، فهو مقياس لرغباته. كذِب بينوكيو ــ على عكس كذِب اللذّة الذي يمارسه الطفل لتأكيد قدراته على الإيقاع بالآخرين والنيل منهم ــ لا يؤذي أيّ شخص، وهو مجرّد تعبير عن رغبته في أن يصبح طفلاً، كذلك فإن عاطفة الحورية الزرقاء وحبّ جيبيتّو الأبوي هما اللذان يجعلان هذا التحول ممكناً.

فالتعليم يحتاج إلى العاطفة، وبفضل المشاعر، لا يصبح بينوكيو طفلاً مثل الآخرين فحسب، بل طفلاً نزيهاً. على العكس من ذلك، فإن العنف لا يُجدي نفعاً ولا التلقين المباشر للجُدجد الناطق".

لا شكّ في أن قصّة الدمية الخشبية التي ترغب في أن تكون طفلاً قد فتنت أجيالاً عديدة، ولا تزال تفرض وجودها حتى اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى. في إعادة كتابتها، يضفي أندريولي، بمعرفة الطبيب النفسي وشغف الراوي، وباحترام عميق للنصّ الأصلي، ملامح جديدة على بينوكيو، وماسترو جيبيتّو، والجُدجد المتكلّم، والحورية الزرقاء، والقطّ والثعلب، والشخصيات الأخرى، حيث نراها تكتسب نضارةً جديدة وتعيد تحفة كولودي إلى قرّاء زمننا - الأطفال والآباء والأجداد والمعلّمين - والتحدّيات التعليمية التي يواجهها التربويّون في الوقت الحاضر، خاصّة بعد جائحة كورونا والتعليم عن بعد والآثار الجانبية الأخرى التي أصابت المجتمع الإنساني برمّته.

في سرد ​​هذه القصّة، بقدر ما هي قديمة، لا يختلف أندريولي كثيراً عن النصّ الأصلي، ويؤكّد ذلك قائلاً: "كان تدخّلي يهدف أوّلاً وقبل كل شيء إلى إعادة ترتيب بعض جوانبها، وثانياً لجعل بعض المقاطع أكثر سلاسة للقارئ. ومع ذلك، لا يبدو هذا قليلاً جدّاً، حيث إن النسخة الجديدة من القصّة تجعلها أكثر قابلية للقراءة والاستخدام".

من ناحية أخرى، يتابع أندريوليو، لم يكن الغرض من إعادة الكتابة البحثَ عن المجد، بل الأمل والرغبة في أن يتمكّن جميع الأطفال من الاطّلاع على قصّة هذه الدمية.

في صفحات المعالج النفسي - المعروف لدى عامّة الإيطاليين بنشاطه الكثيف، لا الأدبي فحسب - نجد كلّ الهواجس والهوَس وجنون العظمة والنزعة الاستهلاكية التي تميّز مجتمعاتنا الحالية. ويمكن فهم نموذج فكر أندريولي في قصّة "المحاكمة"، مع القفص الفارغ، بلا متّهم، ولكنه مراقب بصرامة من قبل رجال الدرك،

الذين يتبادلون النوبات بانتظام وباحتراف كبيرين، مع رهط من المحامين المفوّهين المستعدّين للتباهي بمداخلاتهم التي غالباً ما تكون خالية من أيّ مضمون. مع هذا الامتياز للشكل الذي يحلّ محلّ الجوهر، والذي يمكن من خلاله حتّى تبرئة الجاني في حالة حدوث أخطاء شكلية فقط، نجد أن تأمّلات المؤلّف الفلسفية هنا لا ترحم، وتتصاعد السخرية في تصعيد عارم، كمن ينظر من النافذة إلى عالم هارب غارق في تشوّهاته الخاصة.

إن ما يبدو لنا، بعد قراءة أندريولي، خصوصاً كتابه "قرن من الجنون"، في الأحوال اليومية من مشاعر وسلوكيات عادية، نجدها لدى بينوكيو مثيرة للدهشة على نحو لم نكن لنتوقعه من قبل، وتنتابنا رغبة كبيرة في أن نتساءل، لكن من دون أن ندري إن كان علينا أن نوجّه السؤال إلى بينوكيو أو إلى أندريولي: والآن، أي طَوْفٍ تقترحون علينا لنمخر عُبَاب هذا البحر الصاخب؟

 

  • كاتب سوري مقيم في ميلانو






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي