تقرير2009: اقتصاد مدمر في غزة

خدمة شبكة الأمة يرس الإخبارية
2009-12-22

غزة - شهد اقتصاد قطاع غزة مزيداً من التردي بعد الهجوم الإسرائيلي الواسع عليه مطلع العام في ظل الحصار المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات، مقابل حالة نمو غير مستدامة في الضفة الغربية، فيما ظلت فرص تحقيق انتعاشة معلقة بإنجاز مصالحة وطنية.

ويتفق خبراء في الاقتصاد الفلسطيني على أن الحرب الإسرائيلية على غزة التي بدأت في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 واستمرت 22 يوماً وأدت إلى مقتل 1400 فلسطيني وجرح آلاف آخرين بالإضافة إلى تدمير 20 آلف وحدة سكنية ،وخراب واسع في المنشآت الصناعية والبنى التحتية، شكلت ضربة قاصمة لبقايا الاقتصاد الهش في القطاع الذي دمرته نحو أربع سنوات من الحصار الإسرائيلي المشدد منذ فوز حماس في الانتخابات عام 2006.

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بغزة الدكتور معين رجب ليونايتد برس انترناشونال إن أهم حدث انعكس على مجمل الاقتصاد الفلسطيني هو الحرب الإسرائيلية على غزة الخاضعة لسيطرة حماس منذ منتصف يونيو/ حزيران 2007، والتي كان لها تأثير مدمر على البنية الاقتصادية في ظل استمرار الحصار.

ويتفق معه الخبير الاقتصادي جعفر صدقة مؤكداً أن الحرب على غزة كانت لها آثار تدميرية ألقت بظلالها على المشهد السياسي والاقتصادي والمالي الفلسطيني.
ويقر وزير الاقتصاد الفلسطيني "في حكومة سلام فياض" حسن أبو لبدة بأن الاقتصاد في قطاع غزة مدمر تماما وخاصة بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة .

ويقول المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص إن الحرب ألحقت أضراراً متفاوتة بأكثر من 700 منشأة اقتصادية من بينها 268 تضررت بشكل كلي و 432 بشكل جزئي، وهي تمثل نحو 80 % من المنشآت العاملة في قطاع غزة.

وقدرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في تقرير في أيلول/ سبتمبر الماضي الخسائر الناجمة عن الحرب الإسرائيلية على غزة بـ 4 مليارات دولار، لافتة إلى أن قيمة الخسائر المباشرة وغير المباشرة لتلك الحرب تمثل ثلاثة أضعاف حجم اقتصاد القطاع.

ووصفت الوضع الراهن في غزة بأنه الأسوأ منذ العام 1967 الذي شهد بداية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وحاولت السلطة الفلسطينية وحركة حماس تخفيف بعض هذه الأعباء بتوزيع تعويضات ومساعدات عاجلة قدرت بملايين الدولارات دون ان يكون ذلك كافياً في ظل حجم التدمير والخسائر الهائلة وانعدام فرص إعادة الإعمار مع عدم توفر مواد البناء وإغلاق المعابر.

مقابل هذا الوضع المتردي يبدو ان الأمور في الضفة الغربية آخذة في التحسن للعام الثاني على التوالي، ما يعمق الفجوة بين المنطقتين.

وأكد أبو لبدة أن نسبة النمو في الاقتصاد في الضفة وصلت مع نهاية العام الجاري إلى 5% وهي نسبة كبيرة بالمقارنة مع الأعوام السابقة.

وعزا النمو الاقتصادي الملحوظ هذا العام إلى عوامل عدة أبرزها تدفق أموال الدول المانحة بشكل مكن من دفع فاتورة رواتب موظفي السلطة بشكل منتظم، بالإضافة إلى تسديد القطاع الخاص الفلسطيني لديونه للحكومة وانطلاق عدد كبير من المشاريع التي سمحت بتوفير الآلاف من فرص العمل والحد من البطالة.

ورأى الخبير ،أستاذ الاقتصاد في جامعات الضفة الدكتور نائل موسى أن الانتعاشة في الضفة جزئية ولا تزال في البداية، مشدداً على أن الاقتصاد الفلسطيني لا يزال يعاني من أزمات متعددة متأثراً بالتضييق والحصار الذي فرض بعد فوز حماس في انتخابات 2006.

واستعرض موسى تطورات الاقتصاد الفلسطيني الذي شهد تحسناً لدى تأسيس السلطة عام 1994 حتى عام 2000 حيث اندلعت انتفاضة الأقصى وحدثت انتكاسة اقتصادية نتيجة الإجراءات الإسرائيلية، استمرت إلى بداية عام 2004 حيث بدأت بالتعافي ولكن قبل أن يستكمل تعافيه جاء فوز حركة حماس وما نجم عنه من حصار لتنتكس الأمور من جديد.

وأشار إلى إن التحسن الجزئي مرتبط بتدفق التمويل والدعم الحكومي الممول من جهات مانحة، الأمر الذي أدى إلى استمرار مشكلة البطالة بنسبة تصل إلى ما بين 18-20 %.

وعلى الرغم من ذلك تبدو هذه النسبة ممتازة إذا ما قورنت بقطاع غزة الذي ترتفع فيه نسبة البطالة إلى أكثر من 50 %.

وجاء في أحدث مسح فلسطيني رسمي أن محافظة نابلس سجلت أدنى معدل بطالة بين محافظات الضفة الغربية "10.9%"،بينما سجلت محافظة خان يونس في قطاع غزة أعلى معدل للبطالة "55.6%"، تليها محافظة دير البلح "40.9%"،ثم محافظة رفح "40.1%" في القطاع أيضاً.

وأوضح موسى أن حركة النمو في الضفة الغربية غير مستدامة "فإذا استعرضنا حركة السوق المالية الفلسطينية لوجدنا أن 70 % منها هو من قطاع الخدمات ومعروف أن هذا القطاع هو أكثر حساسية وأقل ديمومة.أي أن الاستثمار الواقع في الضفة هو استثمار خدماتي ولا يتصف بالديمومة وعليه يمكن أن يتأثر بأي هزة ولذلك على سبيل المثال انخفض سعر شركة الاتصالات الفلسطينية من 16 دينارا إلى ما يتراوح بين 3-4 دنانير".

ويبقى التخوف في الضفة الغربية من حدوث انتكاسة في ظل ارتهان عجلة النمو الاقتصاد بالقرار الإسرائيلي.

بدوره، قال صدقة إن النمو في الضفة غير دائم وغير مستدام وقابل للانتكاسة والانهيار في أي لحظة تقرر فيها إسرائيل تصعيد الوضع أو وضع المزيد من العراقيل والعقبات.

وذكرت مصادر متعددة، أن الضفة شهدت خلال العام الجاري إقامة نحو 600 مشروع بكلفة 500 مليون دولار، معظمها مشاريع بنية تحتية أشرفت عليها الحكومة بتمويل خارجي بينما لم تصل استثمارات القطاع الخاص إلى المستوى المأمول.

وقال رجب إن الاقتصاد الفلسطيني مشوه، مشيراً إلى حالة التناقض والبنى الاقتصادية القائمة على تجارة التهريب عبر الأنفاق والبنية الصناعية المدمرة ، وعدم وضوح أشكال الإنفاق الحكومي أو مصادره، مقابل حالة نمو خدماتية في الضفة الغربية مرتبطة بالتمويل الذي تتلقاه السلطة الفلسطينية.

وأشار إلى استمرار الاعتماد على الإعانات الغذائية التي أصبحت سمة من سمات المجتمع الفلسطيني الذي جعله قليل الإنتاج كثير الاستهلاك".

ويتفق خبراء الاقتصاد الفلسطيني على أن تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية لم تصل إلى حد التأثير الفعلي على منظومة الاقتصاد نتيجة طبيعته المتشكلة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

واعتبر رجب أن تأثير الأزمة نسبي وله انعكاسات متعلقة بالدول التي تقدم منحا ومساعدات مالية للسلطة الفلسطينية التي شهدت بعض التراجع إلى جانب معاناة المغتربين وإنهاء خدماتهم.

وقال صدقة إن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تلق بظلالها على الاقتصاد الفلسطيني، إلا أنه أشار إلى "مخاوف من ان تنعكس أزمة دبي الأخيرة على الاقتصاد الفلسطيني لأن سوق دبي يستوعب أعدادا كبيرة من الخريجين والكفاءات الفلسطينية، فضلاً عن وجود استثمارات فلسطينية عن طريق الأسهم في شركات عقارية هناك".

وتشير تقديرات وزارة الاقتصاد الوطني،إلى أن قيمة المبالغ التي تصل إلى العائلات الفلسطينية سنويا من الإمارات والسعودية بلغت أكثر من مئة مليون دولار.

وقال وكيل وزارة الاقتصاد الفلسطيني عبد الحفيظ نوفل انه من الصعب الآن تقدير تأثيرات الأزمة في دبي على الاقتصاد الفلسطيني، لكنها ستظهر قريباً.

وأشار نوفل إلى أن الناتج القومي الفلسطيني يعتمد على التحويلات المالية من المغتربين الفلسطينيين الذين يعيشون في الخارج، وأهمها يصل من دول الخليج.

من جهة أخرى، تشكل الخطة التي طرحها رئيس حكومة تسيير الأعمال الفلسطينية سلام فياض في 25 أغسطس/آب الماضي، بعنوان "فلسطين: إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة" لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية نافذة لإحداث المزيد من التحسن الاقتصادي في الضفة الغربية.

وتضع الخطة ضمن أهدافها تحقيق "الاستقلال الاقتصادي والرخاء الوطني" إلا أن تحقيق ذلك في المنظور السريع يبدو صعباً في ظل الإجراءات الإسرائيلية التي عرقلت نمو القطاع الخاص الفلسطيني الذي يعد شرطا أساسيا لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة اللازمة للاستقلال المالي.

وأكد تقرير حديث للبنك الدولي يحلل المؤشرات الاقتصادية لخطة فياض أنه وعلى الرغم من الخطوات الهامة التي اتخذتها الحكومة الاسرائيلية منذ بداية عام 2009، لتخفيف القيود المفروضة على التنقل في الضفة الغربية والسماح بوصول مزيد من المواطنين العرب في إسرائيل إلى أسواق الضفة الغربية، إلى جانب تحسن البيئة الأمنية ما أدى إلى زيادة النشاط الاقتصادي، إلا ان ذلك لم يكن كافياً إلى زيادة ثقة المستثمرين بالشكل المطلوب.

وأشار التقرير إلى أن الوصول إلى الأسواق خارج الضفة الغربية سواء في غزة أو إسرائيل أو أية أماكن أخرى في العالم لا يزال محدودا للغاية.

علاوة على ذلك، لا يزال معظم النظام الإداري الذي يقوض ثقة المستثمرين ويقيد الوصول إلى الموارد الطبيعية، مثل أراضي المنطقة "ج" ، التي تشكل نحو 60 في المئة من الضفة الغربية، والمياه وترددات الاتصالات على حاله دون تغيير.

وأكد التقرير أنه "حتى لو لم يتم إدراج الركود الاقتصادي المستمر في قطاع غزة ضمن التحليل، فإنه من السابق لأوانه الاستنتاج بأن هناك علامات نمو جديدة في الضفة الغربية، على الرغم من وجود مؤشرات ايجابية تفيد بأنه للمرة الأولى منذ سنوات يحقق الناتج المحلي للفرد الفلسطيني نموا في عام 2009".

ولفت إلى أن الكثير من النمو يعود الى إنفاق الجهات المانحة والتي ارتفعت بشكل كبير ردا على العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة والتي قد لا تكون مستدامة.
ويشير الخبراء إلى أن الموقف المالي للسلطة الفلسطينية لا يزال غير مستقر حيث انها تواجه حاليا فجوة في التمويل بقيمة 400 مليون دولار لعام 2009.

ويقول تقرير البنك الدولي أنه على الرغم من تحسن أداء السلطة الفلسطينية في ضبط فاتورة الأجور بشكل كبير، إلا ان الرقابة على النفقات العامة يتطلب المزيد من التحسن، لافتاً إلى ارتفاع مجموع النفقات في النصف الأول من هذا العام بنسبة 12% أعلى من المبلغ المحدد في الميزانية.

وأشار إلى أن صافي الإيرادات مع ذلك، كان يقل بنسبة تزيد عن 15% عن الحد المستهدف في الميزانية في النصف الأول من عام 2009 وحوالي 13% عن الفترة نفسها من العام السابق، مؤكداً أنه إذا لم يتم اتخاذ مزيد من الخطوات الرئيسية لضمان نمو مستدام للقطاع الخاص، وبخاصة من خلال تحسين فرص الوصول إلى الأسواق الإسرائيلية والدولية، إما عن طريق إسرائيل أو الأردن أو مصر، فإن السلطة الفلسطينية ستظل بحاجة إلى كميات كبيرة من المعونة المقدمة من الجهات المانحة في المستقبل المنظور.

ويعتقد الخبراء الفلسطينيون أن حدوث انتعاشة خاصة في قطاع غزة خلال العام المقبل مرتبط بتحقيق المصالحة الفلسطينية، التي يرتبط بها ملف إعادة إعمار غزة.

وقال صدقة "تخيل أن 5 مليارات دولار ستضخ للإعمار وكيف أنها ستحدث حراكاً في السوق الاقتصادي لاسيما في قطاع المقاولات والإنشاءات "، مشددا على "النتائج الإيجابية" لإعادة ربط غزة مع الضفة وضرورة تصليب الموقف السياسي وإيجاد مناخ أفضل للاستثمار.

وتبقى الآمال معلقة على مصالحة قريبة بين الاطراف الفلسطينية المتصارعة تفسح في المجال أمام ترميم اقتصادي وسياسي في الأراضي الفلسطينية.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي