إسرائيل اليوم: إيران الرابح الأكبر من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

2021-08-21

في حزيران 2014، مع بداية انتشار داعش في العراق قال لي بيأس كبير قائد كردي في جبهة القتال: “يمكن سحقهم في غضون أسبوعين، ولكن لا توجد لأحد مصلحة بعمل ذلك”. وعندما شرح قائمة كل الأطراف الذين أرادوا تعزيز قوة داعش كانت الولايات المتحدة أكثرهم بعثا على الدهشة.

“إدارة أوباما أرادت تعزيز الانطباع بأن إيران هي جهة معتدلة في الشرق الأوسط”، شرح لي القائد الكردي، “الأمريكيون يريدون التقرب من إيران وأن تتمكن من عرض نفسها كشريك في مكافحة الإرهاب السُني. وسيكون لواشنطن مبرر لعرض طهران كجهة يمكن ومن الأفضل الحديث معها”. بعد سنة من ذلك وقع الاتفاق النووي مع إيران.

فهل الإدارة الديمقراطية الحالية قررت هي الأخرى ترك أفغانستان لمصيرها في أيدي عصابات المتطرفين الإسلاميين السُنّة، الطالبان، كي يكون ممكنا مرة أخرى عرض إيران كجهة يمكن التعويل عليها في صراع مشترك ضد “الإرهاب المتطرف”؟ هل جاء الانسحاب الأمريكي لشق الطريق لاستئناف الاتفاق النووي؟ والأخطر من هذا: هل نظام طالبان في أفغانستان سيعزز الحجة الإيرانية في أن طهران ملزمة بان تسلح نفسها نوويا في وجه التهديدات الأمنية حولها؟

في محاولة للتقليل من شدة صور الانسحاب الفوضوي من كابول، شرح بايدن بأنه حتى لو بقي جنود الولايات المتحدة في أفغانستان لما تغير الوضع هناك. صحيح أن بايدن ورث عن ترامب “اتفاق سلام” مع طالبان والذي منحه الإطار لسحب القوات (رغم أن طالبان لم تحترم معظم بنود الاتفاق من لحظة التوقيع عليه) ولكن بالضرورة يثور السؤال المقلق: لماذا أصرت الإدارة الأمريكية على تنفيذ الانسحاب بالذات الآن وبهذا الشكل المحرج؟ بأي شكل يخدم “الخروج اللبناني” من كابول المصالح الأمريكية في الساحة الدولية؟

بالنسبة لطهران هذه هدية من السماء في توقيت رائع: صور قوات الجيش الأمريكي تفر مهزومة من دولة اسلامية هي حافز رائع لسياسة الانتشار الإيرانية، حتى لو كانت عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان قد تعزز المحور المناهض لإيران في الشرق الأوسط الواسع. ففي الإجمال طالبان هي قوة سنية متطرفة دعمتها في الماضي دولة الامارات والسعودية، واليوم، مع ابتعاد الامارات والسعودية عن قوى التطرف الإسلامية، فان العراب الأساسي لطالبان هو قطر، وهي من داعمي الإخوان المسلمين والحليف لإيران.

ولكن في الشرق الاوسط تتغير المصالح بسرعة مثل رمال صحرائه المتحركة. الإيرانيون، كما هو دوما، وبخلاف تام مع الأمريكيين، يعرفون كيف يخرجون الكستناء من النار في الوقت المناسب: بعد الهجوم الإرهابي في ايلول 2001 التقى الإيرانيون سريا مع الأمريكيين ونقلوا لهم معلومات استخبارية عن طالبان. أرادوا في حينه سقوطها. وفي السنوات الاخيرة طلب الإيرانيون من طالبان ضرب اهداف أمريكية في أفغانستان. أما هذه المرة فقد أرادوا تسريع الانسحاب الأمريكي من الدولة المجاورة. والآن يستعد الإيرانيون لاستخدام طالبان لأغراضهم، وبالأساس بإقناع الغرب بانه في ضوء التهديد المتجدد في أفغانستان، فان طهران هي حليف يجدر الحديث معه وتوثيق الارتباطات به.

من غير المستبعد أن يكون الانسحاب من أفغانستان هو جزء من خطة تقر الإدارة الديمقراطية من إيران. فالمفاوضات في فيينا على استئناف الاتفاق النووي علقت قبل انتخاب الرئيس الإيراني الجديد رئيسي. والغرب هو الذي يتعين عليه أن يتنازل، وحيال التغيير الجغرافي الاستراتيجي الذي وقع هذا الأسبوع في أفغانستان سيكون أسهل تبرير وشرح تلطيف حدة المواقف وقبول الإملاءات الإيرانية. وكما أسلفنا ايضا بالنسبة للأوروبيين الذين يخافون من إغراق قارتهم باللاجئين. واقامت إيران منذ الآن (منطقة فصل) قرب الحدود مع أفغانستان لاستيعاب اللاجئين. وأوروبا سيسرها أن تدفع للإيرانيين ثمنا عاليا للغاية كي يبقى هؤلاء في نطاقها. وبالذات في الوقت الذي كان يبدو فيه أن نظام آيات الله الإيراني يقف امام إحدى ساعات اختباره الوجودية الأكثر جدية، أصبحت إيران الرابح الأكبر من الانسحاب الأمريكي.

 

الداد باك

إسرائيل اليوم – 20/8/2021







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي