

واشنطن: في خطوة غير مسبوقة في التاريخ الأميركي استطاع المرشح الأسود باراك أوباما أن يفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية أواخر هذا العام ، واعتبر أكثر المتفائلين أن هذه الخطوة في غاية الأهمية ، ودليل على تخطي المجتمع الأميركي كافة أشكال التمييز والعنصرية – والتي كانت حتى وقت قريب مقننة في الكثير من القوانين داخل الولايات الأميركية المختلفة وما تزال جزءا من تركيبة المجتمع الأميركي حتى يومنا هذا – واستعداد الأميركيين لانتخاب مرشح اسود من أصول افريقية كرئيس للولايات المتحدة الأميركية. ولكن هذا التفاؤل ما لبث أن بدأ في التلاشي خصوصا بعد النتائج التي أظهرتها بعض استطلاعات الرأي ، والتي أكدت أن ترشيح أوباما لن يكون عاملا في التغلب على الانقسامات العرقية بين الناخبين الأميركيين.
الانقسامات العرقية ما تزال عاملا حاسما في الانتخابات
وفي هذا السياق أعد كلّ من آدم ناغورني وميغان ثي– الكاتبان في صحيفة نيويورك تايمز تقريراً أكدا فيه أن مسألة العرق ما تزال تلعب دورا مهما في تحديد توجهات الناخبين الأميركيين ، في أول انتخابات رئاسية يكون احد طرفيها احد الأميركيين السود من ذوي الأصول الأفريقية ، وأن الناخبين الأميركيين منقسمون بصورة حادة على أساس الأصول العرقية حول المرشح المفضل لديهم في الانتخابات الرئاسية القادمة المقرر عقدها في نوفمبر من العام الجاري.
وقد اعتمد الكاتبان في هذه النتائج على استطلاع للرأي قامت به الصحيفة مع شبكة CBS الإخبارية ، وأشارت نتائجه إلى انه بعد سنوات كثيرة من الاستقطاب السياسي الحاد في السياسة الأميركية والذي كان على أسس حزبية في الأصل ، فان الكثير من الأميركيين يعتقدون أنه في المنافسة الانتخابية بين المرشح الديمقراطي باراك أوباما والمرشح الجمهوري جون ماكين سوف تلعب فيها مسألة العرق دورا مهما ، وليس فقط الاختلافات الحزبية بين الحزبين الديمقراطي والحزب الجمهوري. هذا الاتجاه عبر عنه الأميركيون عند استطلاع آرائهم في ما يتعلق بالمرشح المفضل لديهم ، فقد أكد ما يقرب من 80% من السود أن باراك أوباما هو المرشح المفضل لديهم ، مقارنة بـ 30% من البيض الذين عبروا عن الاتجاه نفسه.
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الأعراق المختلفة داخل الولايات المتحدة أشار حوالى 60% من السود إلى أنها بصورة عامة سيئة وغير مبشرة ، وذلك مقارنة بنسبة 34% فقط من البيض ، الذين رأوا أن هذه العلاقات ليست سيئة على الإطلاق. فى حين أكد أربعة من كل عشرة أفراد من السود أن السنوات الأخيرة لم تشهد أي تقدم يذكر في القضاء على كافة الأشكال العنصرية داخل الولايات المتحدة. ولكن هذه النسبة التي تعبر عن هذه الوجهة تقل كثيرا بين البيض حيث تصل إلى اثنين من كل عشرة.
ويرى ربع الأميركيين من البيض الذين تم استطلاع آرائهم أن هناك الكثير من السياسات قد تم تطبيقها من اجل إزالة الحواجز العنصرية التي تعترض المساواة بين الأعراق المختلفة داخل المجتمع ، في حين أكد أكثر من نصف الأميركيين السود في هذا الاستطلاع أن ما تم اتخاذه من إجراءات في هذا الصدد ليس كافيا على الإطلاق.
ولفت الكاتبان الانتباه إلى انه إذا كان نجاح السيناتور باراك أوباما في اقتناص ترشيح الحزب الديمقراطي له في الانتخابات الرئاسية القادمة مثّل لحظة تاريخية في التطور السياسى للولايات المتحدة ، وخطوة كبيرة على طريق إنهاء التفرقة بين السود والبيض ، إلا أن المجتمع ما زال يشهد الكثير من أنواع التمييز ضد السود ، والتي لم يطرأ عليها تغيير في السنوات الأخيرة وما تزال قائمة أمام العيان.
وعلى الصعيد ذاته عدّد الكاتبان بعض أشكال التمييز والعنصرية التى يشهدها المجتمع الأميركى بصورة يومية والتي أشارت إليها نتائج الاستطلاع ، فيشيرون إلى أن كثيرا من الأميركيين ليس لهم علاقات من أي نوع مع الأميركيين ذوي الأصول العرقية المختلفة عنهم ، بينما أكد القليل من الأميركيين أن لهم علاقات منتظمة مع الآخرين المختلفين عنهم في العرق. أيضا مكان السكن ، حيث أشار القليل إلى أن الأحياء التي يسكنون فيها متجانسة. وفي ما يتعلق بتعامل الشرطة مع المواطنين الأميركيين ، أكد 40% من السود أنه يتم استوقافهم من جانب الشرطة فقط لأنهم سود.
ورغم أن نتائج هذا الاستطلاع - كما يشير الكاتبان – أكدت أن الأميركيين البيض والسود اتفقوا على أن الولايات المتحدة على استعداد لانتخاب رئيس اسود ، لكنهم اختلفوا حول كل الأسئلة المتعلقة بالنواحي الأخرى للعلاقة بين الأعراق التي تعيش داخل الولايات المتحدة. فقد أكد الكثير من الناخبين السود أن أوباما سوف يكون الأجدر والأكثر قدرة على التعبير عن ومواجهة المشاكل التي يواجهها السود ، والذين ينتمون إلى عرقه نفسه ، على عكس الناخبين البيض الذين يعتقدون أن أوباما يقول الكثير من الأشياء التي لا تعبر أساسا عن قناعاته الشخصية ، فهو فقط يريد أن يُسمِع الناس ما يريدون أن يسمعوه. وبالتالي فان حوالى نصف السود الذين تم استطلاع آرائهم يعتقدون أن أوضاع السود سوف تتحسن في ظل إدارة أميركية يرأسها المرشح الديمقراطى باراك أوباما. زوجة أوباما ميشيل هي الأخرى لم تكن ببعيدة عن مثل هذا الموضوع الشائك ، فقد أشارت نتائج الاستطلاع إلى أن 58% من الناخبين السود يفضلونها مقارنة بنسبة 24% بين الناخبين البيض.
الناخبون من أصول لاتينية
أكد كل من آدم ناغورني وميغان ثي أن الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي والتي تنافس فيها باراك أوباما مع السيدة الأولى السابقة هيلاري كلينتون أظهرت تفوقها عليه بين الناخبين من أصول لاتينية ، حيث لم يستطع أوباما أن يحصل على دعم وتأييد هذه القوة الانتخابية الكبيرة في مواجهة هيلاري كلينتون . ولكن الأمر اختلف بعد حسم الصراع لصالحه والفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في مواجهة الجمهوري، فقد أظهرت نتائج الاستطلاع تفوق أوباما على منافسه الجمهوري ماكين ، ففي الانتخابات العامة أكدت نسبة 62% من الناخبين ذوي الأصول اللاتينية سوف يصوتون لباراك أوباما فى مقابل 23% سيصوتون لماكين. وعن السبب فى هذا التأييد الكبير الذي حصل عليه أوباما في مواجهة منافسه ، أكد الكاتبان أن الأميركيين من ذوي الأصول اللاتينية يعتقدون أن أوباما يقدم سياسة أكثر فاعلية في مواجهة موضوع الهجرة ، فى حين باءت محاولات ماكين في النأي بنفسه عن السياسات التشددية التي يتبعها الجمهوريون في التعامل مع هذا الموضوع الشائك والمهم بالنسبة إلى هذه الفئة من الناخبين الأميركيين.
ماكين امتدادا للإدارة الأميركية الحالية
وعلى صعيد مختلف أكدت نتائج الاستطلاع أن الناخبين الأميركيين الذين تم استطلاع رأيهم أكدوا اعتقادهم في ارتباط ماكين وسياساته المقترحة بالإدارة الأميركية الحالية ، وان إدارة أميركية تحت رئاسة ماكين لن تختلف كثيراً عن الإدارة الأميركية الحالية تحت رئاسة بوش. لذلك أكد هؤلاء الناخبون أن السياسات الأميركية المتبعة حاليا في العراق وفي الاقتصاد سوف تستمر في عهد ماكين إذا فاز بالانتخابات الرئاسية القادمة.
محاولات أوباما لرأب الصدع العرقي
وفي محاولة من جانب المرشح الديمقراطي أوباما لمواجهة المشكلات العرقية التي يواجهها المجتمع الأميركي بصورة شبه يومية ، والمتمثلة في الكثير من مظاهر التمييز ضد الكثير من الأعراق والأجناس داخل الولايات المتحدة ، ألقى أوباما خطابا حول المشكلة العنصرية في منتصف شهر مايو الماضي في مدينة فيلادلفيا – هذه الولاية التي شهدت مولد الاتحاد الأميركي والدستور الذي ينظم الحياة السياسية الأميركية .هذا الخطاب اعتبره البعض واحدا من ضمن الخطابات التاريخية التي ما يزال يذكرها الشعب الأميركي مثل خطاب مارتن لوثر كينغ "لدى حلم" "I have a dream" وخطاب الرئيس الأميركي السابق جون كيندي في جمعية هيوستن الوزارية Houston Ministerial Association . وفي هذا الإطار نشرت مجلة The Christian Science Monitor تقريرا أعدته كل من أماندا بولسون وألكسندرا ماركس أكدتا فيه أن هذا الخطاب كان يمثل ضرورة مهمة للغاية خاصة بعد التصريحات التي أدلى بها المعلم الروحي لباراك أوباما القس جريمي رايت والمعروف عنه انه من المناهضين للبيض.
وأشار التقرير إلى أن هناك جدلا حول مدى كفاية هذا الخطاب والتفسيرات التي أوردها أوباما لمعالجة ومواجهة المشكلة العرقية ، ولكن الشيء المؤكد – كما يشير الكاتبان – أن هذا الخطاب قد أثار جدلا ونقاشا كبيرا حول موضوع العلاقات بين الأجناس والأعراق المتعايشة داخل المجتمع الأميركي.
خطاب مهم ولكن.؟
ولكن التقرير لفت الانتباه إلى اختلاف وجهات النظر بين الأميركيين حول هذا الخطاب ، فبينما رفضه البعض ، فان البعض الأخر قد رحب به كثيرا ، على اعتبار انه ناقش واحدة من أهم المشاكل التي يواجهها المجتمع الأميركي ، كما انه يضفي نوعا من الشرعية على المناقشات التي من الممكن أن تتم حول هذا الموضوع الحساس. وأكد الخبراء أن الخطاب استخدم لغة نقاشية ودقيقة للغاية ، كما انه كان صريحا وأمينا في مناقشة المشكلة. ولكن رغم ذلك فقد أشار الكاتبان إلى أن موافقة الأميركيين من عدمها على كل ما جاء في الخطاب ما يزال سؤالا مفتوحا لم تتم الإجابة عليه بعد.
أما صحيفة San Francisco Chronicle فقد أكدت في تقرير أعده ريتشارد تي فورد أن أوباما أخذ على عاتقه مواجهة مشكلة من أخطر المشاكل فى الولايات المتحدة الأميركية ، واستطاع أن يقدم تقييما جادا وواقعيا للعلاقة بين الأعراق داخل المجتمع الأميركي. وأشار فورد إلى أن محاولات مواجهة هذه المشاكل العرقية وإيجاد حلول لها كان دائما ما يساء فهمها ويتم تضخيمها ، الأمر الذي كان يثير حفيظة الكثير من البيض. واعتبر التقرير خطاب أوباما مهما ومؤثرا في هذا الوقت ، كما انه حاول تفادي الأخطاء التي حدثت فى معالجة مثل هذا الموضوع الشائك.
وأكد فورد أن هذا الخطاب قد يكون عاملا حاسما لأوباما في صراعه من اجل الفوز بتأييد الناخبين البيض والتغلب على موضوع العرق الذي أثاره البعض كإحدى العقبات التي سوف تواجه أوباما في الانتخابات العامة القادمة.
وفي تحليله للخطاب لفت فورد الانتباه إلى أن خطاب أوباما لم يكن مثاليا تماما ، فقد اعتراه بعض من الغموض حول الكثير من النقاط ، فعلى سبيل المثال – كما يذكر الكاتب – فلم يوضح أوباما في هذا الخطاب كيف سيواجه هذه الاختلالات الهيكلية والتفاوت والتمييز ضد بعض الأجناس والأعراق ، كما أن الخطاب لم ينظر إلى الموضوع الخاص بالتمييز وعدم المساواة في صورته الكلية ، فهذا الموضوع يجب ربطه بأسئلة اكبر عن المساواة والعدالة الاقتصادية ، وبالتالي فان هذه المشكلة الجذرية سوف تحتاج إلى حلول جذرية تستطيع اقتلاعها من جذورها والقضاء على كافة أشكال التمييز داخل المجتمع.