إلى أين يتجه التصعيد بين إسرائيل وحزب الله هذه المرة؟ هذا ما يريده كل منهما

2021-08-08

ترى وسائل الإعلام العبرية أن إطلاق حزب الله صواريخه نحو إسرائيل يمثل "اختباراً" لنفتالي بينيت، قد يدفع لبنان المأزوم ثمنه غالياً، بينما يقول حسن نصر الله إن تل أبيب هي من يسعى للتصعيد، فإلى أين قد تصل تلك "المناوشات"؟

وبدأت جولة "المناوشات"، الأربعاء 4 أغسطس/آب، من خلال ضربة صاروخية من لبنان نحو إسرائيل لم تسفر عن سقوط ضحايا أو أضرار مادية، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن إطلاق الصواريخ. وردت إسرائيل بقصف مدفعي عنيف استهدف أيضاً أراض فضاء في جنوب لبنان لم يسقط ضحايا أو يتسبب في أضرار أيضاً.

ومساء الخميس نفذ الطيران الإسرائيلي ضربات جوية ضد جنوب لبنان، ورد حزب الله بإطلاق عشرات الصواريخ على أرض فضاء بالقرب من مواقع إسرائيلية في منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل.

مناوشات محدودة بين حزب الله وإسرائيل

وقبل الدخول إلى قراءة خلفيات المشهد المتوتر من المهم التوقف عند حقيقة الحرص الواضح من الجانبين على عدم سقوط ضحايا خلال القصف المتبادل بينهما، وهو ما يراه البعض رغبةً متبادلة في عدم التصعيد أو خروج الأمور عن السيطرة.

لكن هذه الحقيقة تمثل جزءاً واحداً من مشهد شديد التعقيد والتداخل، وهو ما يعني إمكانية خروج الأمور عن السيطرة، حتى وإن كان ذلك ما لا يريده حزب الله ولا إسرائيل، بحسب كثير من المحللين.

سقوط صواريخ على بلدات إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية 

 

فقد ذكر الجيش الإسرائيلي أن نظام القبة الحديدية اعترض عشرة من أصل 19 صاروخاً أطلقها حزب الله الجمعة، ستة منها سقطت في مناطق مفتوحة وثلاثة سقطت داخل جنوب لبنان.

ورغم عدم ورود تقارير عن وقوع إصابات أو أضرار جسيمة على مدار ثلاثة أيام من القصف الجوي، الذي ألقى بظلاله على فترة طويلة من الهدوء النسبي منذ أن خاضت إسرائيل وحزب الله حرباً استمرت شهراً واحداً في عام 2006، يظل الموقف "خطيراً للغاية"، بحسب توصيف قوة الأمم المتحدة المؤقتة بلبنان (يونيفيل)، التي حثت جميع الأطراف على وقف إطلاق النار.

كيف برر حسن نصر الله إطلاق الصواريخ؟

أمس السبت 7 أغسطس/آب، تحدث حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله بالتفصيل عن جولة المناوشات الحالية مع إسرائيل، ملقياً باللوم على تل أبيب في تصعيد الأمور، وواصفاً الهجمات الجوية الإسرائيلية بأنها تحدث للمرة الأولى منذ حرب 2006.

وقال نصر الله في الذكرى السنوية الـ15 لـ"الانتصار الكبير في حرب تموز 2006″، نقلتها بعض القنوات اللبنانية، إن "أي غارة جوية اسرائيلية على لبنان سيتم الرد عليها حتماً وبشكل مناسب ومتناسب".

وأضاف الأمين العام للحزب المدعوم من إيران: "الرد السريع يوم أمس الجمعة (لحزب الله) مرتبط بالغارات الإسرائيلية المباشرة على جنوب لبنان للمرة الأولى منذ 15 عاماً".

زعيم "حزب الله" في لبنان، حسن نصر الله

وفسر نصر الله إقدام إسرائيل على مهاجمة جنوب لبنان واستفزاز حزب الله بأنه استغلال من جانب الحكومة الإسرائيلية برئاسة نفتالي بينيت للأوضاع الداخلية في لبنان، حيث يوجد انقسام كبير على الساحة الداخلية، ويوجّه كثير من اللبنانيين أصابع الاتهام للحزب فيما وصلت إليه الأمور من انهيار شبه تام.

لكن نصر الله وجه حديثه إلى قادة الجيش الإسرائيلي مباشرة حول هذه النقطة قائلاً: "لا تراهنوا على الانقسام الداخلي، ولا تراهنوا على بيئة المقاومة، وهذه البيئة كانت تقول لنا تعالوا اقصفوا من بيوتنا".

وبرر نصر الله إطلاق الصواريخ من جانب حزب الله رداً على القصف الإسرائيلي بالطائرات لجنوب لبنان بأنه إصرار من جانب الحزب على أن يحافظ على "معادلة الردع" القائمة منذ 15 عاماً، التي منعت -بحسب وصفه- إسرائيل من الاعتداء على لبنان خوفاً من "صواريخ المقاومة".

ماذا عن وجهة نظر إسرائيل؟

من جانبها ترى وسائل الإعلام الإسرائيلية -وهذا أيضاً ما تعكسه التصريحات الرسمية- أن التصعيد جاء من طرف حزب الله، مفسرين ذلك بأن الحزب المدعوم إيرانياً يريد تحقيق هدفين، الأول هو "جس نبض" رئيس الوزراء الجديد بينيت، والثاني هو رسالة من إيران، مفادها أن "الحرب السرية" بين تل أبيب وطهران يمكن أن تشمل أذرع إيران في المنطقة أيضاً.

ونشرت صحيفة Haaretz الإسرائيلية تقريراً بعنوان "حزب الله يختبر بينيت، لكنه يلعب بالنار"، اعتبر أن ما أقدم عليه حزب الله يمثل "تحدياً خطيراً لرئيس الوزراء نفتالي بينيت"، وقارن تقرير الصحيفة بين ذلك التصعيد وبين ما وصفه "بنجاح حزب الله في مسعاه ذات مرة بالفعل، حين جرّ رئيس الوزراء الجديد آنذاك إيهود أولمرت إلى حرب عام 2006".

وترى الصحيفة أنه في المرحلة الحالية، كان الرد الإسرائيلي على إطلاق الصواريخ محلياً ومحدوداً، ويمكن أن نفترض أنّ رئيس الوزراء ووزير الدفاع وقائد جيش الدفاع قد ناقشوا ردوداً أكثر قسوة في المستقبل خلال اجتماعات تقييم الحالة الأمنية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت 

 

كما أنّ هناك اعتبارات أخرى لها دورها، حيث تستعد إسرائيل لحالة إغلاقٍ رابعة من أجل فيروس كورونا، ومن المتوقع الإعلان عنها في وقتٍ لاحق من الشهر الجاري، لكن الأضرار الاقتصادية للجائحة ربما يساعد بعضها على تحقيق التوازن، بعد أن بدأت السياحة في الشمال تسترد عافيتها بفضل مئات الآلاف من الإسرائيليين الذين ألغوا إجازاتهم في الخارج عقب انتشار تحوّر دلتا. والإسرائيليون لا يريدون الحرب، لكن ذلك لا يعني بالطبع أنّهم مقتنعون بتفسيرات الجيش لما يجري على جبهة حزب الله.

وأقرت الصحيفة بأن قرار إطلاق الصواريخ والإعلان اللاحق عن المسؤولية من جانب حزب الله يعتبر جزءاً من محاولة الحزب للحفاظ على توازن ردع مع إسرائيل، رغم الانهيار المتسارع للبنان.

ولكن الأمر أكثر تعقيداً هذه المرة عما كانت عليه الأمور قبل 15 عاماً، لأنّ الواقعة حدثت في خضم المواجهة الإقليمية القائمة بين إسرائيل وإيران، حتى وإن كانت غالبية فصول تلك المواجهة سرية.

موقف إقليمي متشابك وخطير

ويرى أغلب المراقبين أن هذه الجولة من التوتر بين إسرائيل وحزب الله لها أسبابها الإقليمية الأوسع، وليست مرتبطة فقط بالأوضاع الداخلية في لبنان أو في إسرائيل، إذ يبدو واضحاً أنّ الاعتبارات لها علاقةٌ أكثر بالصورة الكبيرة في لبنان والمنطقة. وفي جميع الأحوال، فقد جرى إرسال خلية تابعة لحزب الله إلى السهول اللبنانية في مزارع شبعا على الحدود، بحسب تقرير هآرتس.

وحقيقة تحمّل حزب الله للمسؤولية عن إطلاق الصواريخ سوف تكون لها تداعياتٌ أكبر من الفعل نفسه، لكن يمكن القول إن تصريحات نصر الله ربما تكون قد أوضحت بشكل كبير أن فرص التصعيد في هذه الجولة تعد محدودة بصورة كبيرة.

وبحسب التقييمات الإسرائيلية، فإنه بينما يعاني لبنان من الانهيار، تجد إسرائيل نفسها محاطةً بدول ومناطق مضطربة، سواء في لبنان أو سوريا أو قطاع غزة والضفة الغربية، وهو ما يحول المنطقة إلى مسرحٍ أكثر تقلباً بكثير، وهذا لأنّ كافة تلك الجبهات لها علاقاتٌ ببعضها البعض، ما يعني أن التصعيد في مكانٍ ما ربما يتسبّب في اشتعال المواجهة على الجبهات الأخرى. وخير لمحةٍ دالة على هذه الاحتمالية كانت إطلاق الصواريخ من لبنان وسوريا تجاه إسرائيل خلال الحرب الأخيرة في مايو/أيار.

الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي

وقال المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مايكل ميلشتاين لصحيفة Haaretz إنّه يرى شيئاً مشتركاً يربط الوقائع الأخيرة في الخليج ولبنان بحرب مايو/أيار مع غزة: "كلٌّ من هذه المناطق تتطور حسب ظروفها الفريدة، وكل طرفٍ بارز له مشكلاته الداخلية الخاصة".

"ومع ذلك، فإنّ أحداث اليوم باتت أكثر تحدياً من الماضي، وها نحن نشهد محاولةً لإعادة صياغة قواعد لعبة المواجهة مع إسرائيل. وربما يكون للأمر علاقةٌ بالحكومة الجديدة هنا وفي الولايات المتحدة. وأخشى أن نكون ممن يقرأون خصومهم الآن بعين العالم القديم المألوف، وربما لا نفهم بالشكل الكافي حجم التغير الذي طرأ مؤخراً على المنطق التشغيلي".

وتقول صحيفة هآرتس إنه بينما يُقيّم حزب الله وإيران بينيت، نجد أنّ الجماعة ربما تلعب بالنار، حيث بالغ نصر الله في استفزازاته من قبل، ضد أولمرت مثلاً. ولم تكن حرب لبنان الثانية بمثابة قصة النجاح الإسرائيلية التي يُروّج لها رئيس الوزراء وأنصاره اليوم، ولكن لا شك أيضاً في أنّ نصر الله ندم في النهاية على إشعال الحرب.

ويبدو أنّه من الأفضل لزعيم حزب الله ألا يُحاصر بينيت في نفس الزاوية التي حاصر فيها أولمرت من قبل عام 2006، فهي خطوةٌ جلبت الموت والدمار على الجانبين.

وعلى الجانب الآخر، فإن تبادل القصف قد فجر أيضاً موجة انتقادات من خصوم حزب الله بلبنان، وهو بلد يعاني من أزمة مالية طاحنة فشلت النخبة الحاكمة في التصدي لها. وفي تحدٍّ نادر لحزب الله، اعترض سكانٌ طريقَ المقاتلين الذين أطلقوا الصواريخ أثناء مرورهم عبر منطقة درزية بعد ذلك.

وقال سمير جعجع، وهو سياسي مسيحي له علاقات قوية بالسعودية ومن أشد معارضي حزب الله، على تويتر: "إن ما يجري في الجنوب لَخطير وخطير للغاية، خصوصاً في ضوء التوتر الكبير الناشئ في المنطقة. يكفي الشعب اللبناني عذاباً ومعاناةً يومية ونضالاً مستمراً حتى يأتي اليوم من يلعب بالنار، التي إن هبّت، لا سمح الله، فستقضي على ما تبقى من شعب لبنان".

الخلاصة هنا هي أنه في حين يبدو أنه لا حزب الله ولا إسرائيل يريدان مزيداً من التصعيد أو الدخول في حرب مفتوحة على غرار ما حدث عام 2006، ويمكن تفسير ما يجري في سياق المواجهة الإقليمية الأكبر بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى، فإنه لا أحد يمكنه التنبؤ بما قد تؤول إليه هذه الجولة من "المناوشات".









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي