صحيفة عبرية: بعد حربين وضائقة سياسية اقتصادية.. هل قال لبنان كلمته الأخيرة؟

2021-07-26 | منذ 2 شهر

كثيرون بدأوا بتأبين لبنان الذي يعيش أزمة حادة جداً، أما أنا فأعتقد أن هذا سابق لأوانه. جرت الحرب الأهلية الأولى في لبنان في 1958 التي شهدتها شخصياً، وفي حينه بدا كل شيء كالآخرة، ونهاية لكل حياة هادئة جميلة؛ المتاجر أغلقت، والخدمات توقفت، والدولة انشقت بين الرئيس المؤيد للغرب كميل شمعون من جهة، ومؤيدي ناصر، الرئيس المصري، من جهة أخرى. وهبط الاقتصاد إلى الدرك الأسفل، وكنا نختبئ معظم الوقت في البيوت، وكان صعباً الحصول على الغذاء. لحظّنا، لم تطل الحرب إلا لأربعة أشهر. كان مذهلاً رؤية قدرة الانتعاش السياسية والاقتصادية للدولة. استقر الوضع بسرعة كبيرة، وتدفقت الاستثمارات من الخارج وازدهرت السياحة. من ذاك الوقت، حصل لبنان على لقب “سويسرا الشرق الأوسط”.

 أما الحرب الأهلية الثانية فنشبت في 1975، وامتدت لـ 15 سنة. وكان الدمار تاماً. لم تكن هناك مؤسسات حكم، والجيش تفكك، وفر جنرالاته كل إلى المعسكر الطائفي الذي ينتمي إليه. وانقسمت الدولة إلى مناطق سيطرة. وكانت المعارك وحشية ومضرجة بالدماء. دمار في كل مكان، باستثناء شارع واحد في قلب بيروت يسمى شارع البنوك. لم يلمسه أحد كي يواصل العمل. كان يبدو أن دولة الأرز تفككت هذه المرة، وأنها لن تعود لتكون على ما كانت عليه. ولكن برزت قدرة الانتعاش والعودة إلى الحياة الطبيعية مرة أخرى، بعد التسوية السياسية في الطائف في السعودية. وهي التسوية التي تصمد حتى اليوم.

وثمة حقيقة مشوقة، وهي أن كل الخصوم الذين قتلوا في الحربين، حين كان يخيل أن لبنان لن يبقى كدولة، لم يتنازلوا قط عن هويتهم اللبنانية. أرادوا كل لبنان لأنفسهم، على ألا يفككوا الدولة.

“لبانيوس” وهو الاسم الأدبي للدبلوماسي اللبناني الشهير، الشيخ نجيب دحدح، وصف هذا على نحو جميل في كتابه عن حروب لبنان. هناك هوية لبنانية لا أحد في لبنان مستعد للتنازل عنها.

الوضع اليوم لا يختلف. لبنان لن يتفكك، كما يتنبأ الكثيرون، مثلما لم يتفكك بعد حربين أهليتين، لأن مواطنيه لم يسمحوا لهذا أن يحصل، رغم أن الوضع الاقتصادي في الحضيض وثم نقص في المنتجات الاستهلاكية والأدوية، وصرخات مواطني الدولة تسمع في كل أرجاء المعمورة. المصاعب التي يشهدها لبنان اليوم هي نتيجة أزمة سياسية عميقة، والحل السياسي سيجلب أيضاً حلاً اقتصادياً.

مع استقلال لبنان في 1943، تقرر نظام طائفي يدير الدولة. وفي حينه، كان هذا حلاً صحيحاً. أما اليوم فقد أصبح عبئاً يشل الدولة. ينبغي التطلع إلى استبداله بنظام آخر. هذا فضلاً عن مشكلة أخرى تتمثل بألعاب سياسية يتبعها زعماء الدولة الذين يفضلون مصالحهم الضيقة على مصلحة الدولة. وأخيراً، التدخل الخارجي، ولا سيما من إيران. لبنان يجب أن يكون للبنانيين.

يمكن للولايات المتحدة ولفرنسا أن تمارسا الضغط السياسي كي تقوم حكومة تكنوقراط وبسرعة، وتبدأ بإصلاحات تجلب مساعدة مالية مهمة من البنك الدولي والصندوق الدولي. يمكن للولايات المتحدة أن تعيد لبنان إلى طاولة المباحثات مع إسرائيل لترسيم الحدود المائية، والسماح للبنان بأن يستخلص الغاز مع مداخيل كبيرة جداً. يمكن للولايات المتحدة أن تدخل في محادثاتها مع إيران موضوع إنقاذ لبنان ودور “حزب الله” السلبي.

بقلم: آيزك ليبانون



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي