أزمة الكرسي في تركيا.. تاريخ حروب كانت حوادث بروتوكولية ذريعة لها

متابعات الامة برس:
2021-04-13 | منذ 4 أسبوع

التاريخ مليء بحوادث البروتوكول المقصودة وغير المقصودة التي تحولت إلى "حوادث دبلوماسية"، وأحيانا إلى ذريعة للحرب.

وقد شكلت "فضيحة الكرسي" أثناء زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين إلى أنقرة بصحبة رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، فرصة لاستعادة بعض هذه الحوادث التي تقع بين الدبلوماسيين وتخلدها الذاكرة أو تذوب في النسيان.

وقالت مجلة لوبوان (Le Point) الفرنسية إن أغلب الناس لا يعرفون أن دماء كثيرة سُفكت من أجل الرتب البروتوكولية، وعددت بعض الحوادث المعروفة في التاريخ، مشيرة إلى أن أزمة الكرسي في تركيا وإن كانت لا تخلو من عجرفة، كانت على الأقل أكثر تحضرا من عادات ذلك الوقت.

وأوضحت المجلة في تقرير بقلم إيمانويل بيريتا، أن جميع الملوك، وحتى الباباوات، كانوا يرون لأنفسهم أهمية كبيرة ويطالبون بإظهار علامات الولاء، قبل أن تتبنى أوروبا بروتوكولا دقيقا بشكل متزايد ينظم العادات بين الشخصيات المرموقة والملوك والأمراء والبابوية والسفراء والوزراء، وبالتالي تجنب الاحتكاك غير الضروري في الحياة الدبلوماسية.

أما في العالم الحديث، فقد قننت اتفاقية فيينا لعام 1961 التي اكتملت عام 1963، التقاليد البروتوكولية، وإن كان لا يزال هناك الكثير من المزالق، كما يقول تقرير لوبوان.

عندما تتحول الأسبقية إلى شجار

واستعاد الكاتب حادثة اعتراض مرافقي السفير الإسباني، بارون واتفيل عام 1661، على أسبقية السفير الفرنسي الكونت غودفروي ديستراد، بامتياز كونه أول من يتبع عربة ملك إنجلترا، وعلى إثر ذلك هاجم مرتزقة دفعت لهم إسبانيا عربات السفير وقتلوا 8 فرنسيين وجرحوا آخرين، مما جعل ملك فرنسا لويس الـ14 يطالب بتعويض فوري للضرر، ويحصل على اعتذار من إسبانيا في السنة الموالية خلال حفل أقيم في متحف اللوفر بباريس.

غير أن الحادثة الكبرى التي ميزت التاريخ الأوروبي -كما يقول الكاتب- قيام مجموعة من النبلاء البروتستانت الغاضبين من منع أباطرة آل هابسبورغ الكاثوليك لهم من حرية ممارسة الطقوس الدينية البروتستانتية في بوهيميا، بإلقاء اثنين من ولاة الإمبراطور من النافذة، مع كاتبهما في مايو/أيار 1618، في حادثة سببت حرب الأعوام الثلاثين الرهيبة، التي لم تنته إلا بتوقيع معاهدات فستفاليا عام 1648.

ديون غير مسددة في الجزائر

في أحيان أخر -كما يقول الكاتب- يكون الحادث مجرد ذريعة لتنفيذ سياسة التوسع، مثل "ضربة الِمنشَّة" الشهيرة التي وجهها داي الجزائر في 30 أبريل/نيسان عام 1827 لقنصل فرنسا ديفال.

وكان سبب الحادثة أن فرنسا استدانت خلال الثورة قمحا من تاجرين يهوديين في الجزائر العاصمة، هما بكري وبوسناش، في حين أن اليهوديين كانا مدينين بدورهما للداي حسين وينتظران ما ستدفعه لهما فرنسا من أجل قضاء دينهما، ولكن باريس لم تفعل شيئا، وشك الداي في أن التاجرين والقنصل قد تفاهموا من وراء ظهره.

وفي 29 أبريل/نيسان 1827، وكان آخر يوم من شهر رمضان، استضاف الداي حسين حفل استقبال لجميع القناصل الأجانب، حضره ديفال الذي كان شخصا غير مرغوب فيه، ودار جدال باللغة التركية حول الديون غير المسددة، أغضب الداي الذي ضرب ديفال بضع مرات بمنشة لطرد الذباب، إلا أن القنصل ضخم الأمر في تقريره إلى السلطات الفرنسية، وغادر الجزائر، مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

ومع أن الداي أوضح أنه لا يستهدف فرنسا، وإنما هاجم على وجه الحصر شخص ديفال الذي يعتبره محتالا وكاذبا، فإن ملك فرنسا شارل العاشر تمسك بالقضية، وتم إرسال إنذار أخير إلى الداي يطلب منه أن يقدم اعتذارا ويرفع العلم الفرنسي على قصره، ويطلق 100 طلقة مدفعية، ويتخلى عن مزاعم التجار اليهود، وبدأ الحصار على الجزائر العاصمة، قبل 3 سنوات من غزو البلاد الذي أسفر عن 132 سنة من الاستعمار انتهت بكثير من الدماء والدموع.

بسمارك وبرقية إمس

وعلى المنوال نفسه، أدى نشر رسالة ملكية في يوليو/تموز 1870 إلى أول حرب من 3 نزاعات بين فرنسا وبروسيا أو ما سيصبح ألمانيا فيما بعد، وقد شكلت تلك الرسالة أزمة دبلوماسية استخدمها مستشار بروسيا بسمارك لبدء الحرب، حيث كان ملك بروسيا وليام الأول الذي يعالج بمدينة إمس قد أقنع المستشار بسمارك بالتخلي عن فكرة تنصيب الأمير ليوبولد على عرش إسبانيا، لأن فرنسا ترى ذلك خطيرا.

وقد زار السفير الفرنسي بينيديتي مدينة إمس والتقي وليام الأول، فأرسلت برقية لإبلاغ بسمارك بمحتوى المقابلة، فكتب برقية في الموضوع، ولكن من منظور مسيء لفرنسا وكذلك لبروسيا، وتم توزيع الرسالة في شوارع برلين في نفس المساء، فكان الغضب في كل مكان، حيث اجتمع مجلس الوزراء في باريس بشكل عاجل واستدعى جنود الاحتياط على الفور، في حين وقع وليام الأول مرسوم تعبئة، وأعلنت فرنسا الحرب رسميا على بروسيا.

ترتيب التشريفات

بعد الحرب العالمية الثانية -كما يقول الكاتب- هدأت العلاقات أخيرا بين الدول الأوروبية، ووضع البناء التدريجي لأوروبا السياسية حدا للحوادث الدبلوماسية التي أشعلت الحروب، ولكن البروتوكول ظل هو اللغز، إذ كيف يتم توزيع الأماكن في الاحتفالات العامة بين دول أوروبية متساوية الرتبة؟

ومن حيث المبدأ، تم اعتبار معيار الأقدمية "المحايد" لتجنب مقارنة الدول حسب قوتها أو ثروتها الاقتصادية، مما يعطي الشخص الذي حكم لأطول فترة الحق في التقدم، وهكذا ذهب المركز الأول في صحن الكنيسة أثناء جنازة شارل ديغول عام 1970، إلى إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي الذي يحكم منذ عام 1930.

وقد طبق الاتحاد الأوروبي نظام الرئاسة الدورية، فأصبح كل شيء واضحا، حيث يكون ممثل الدولة التي تتولى الرئاسة عن يمين رئيس المجلس الأوروبي لتجنب أن يكون القادة أنفسهم دائما في المقدمة أو دائما في الخلف.

غير أن الاتحاد وهو مؤسسة حديثة العهد ومعقدة، لم يقم بتثبيت ممارساته بشكل كامل، حيث يوجد تضارب في بعض المهام كالتحدث باسم الاتحاد، و"لذلك هناك توتر مؤسسي موجود ويتجاوز الأشخاص"، خاصة عندما يسافر رئيس المجلس الذي يحمل رتبة رئيس دولة، ورئيس المفوضية الذي يحمل رتبة رئيس حكومة معا، فتضع أسبقية البروتوكول رئيس الدولة قبل رئيس الحكومة.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي