كيف يدفع المسلمون في فرنسا والنمسا ثمناً باهظاً لصعود اليمين المتطرف؟

متابعات الامة برس:
2021-04-11 | منذ 1 شهر

قامت النمسا وفرنسا باتخاذ إجراءات يصفها البعض بأنها تستهدف المسلمين بشكل عام، بينما تقول السلطات في البلدين إنهما تستهدفان فقط "الإسلام السياسي" أو "الانفصالية السياسية"، فأين الحقيقة؟

كانت الحكومة الفرنسية قد أقرت أواخر العام الماضي مشروع قانون قالت إنه يهدف إلى التصدي "للتطرف الإسلامي"، إذ يفرض قيوداً على القواعد الخاصة بالتعليم المنزلي وخطاب الكراهية، فيما اعتبرته الحكومة جزءاً من حملة طويلة الأجل للرئيس إيمانويل ماكرون لدعم قيم العلمانية، بينما قال منتقدون للقانون، في فرنسا وخارجها، إن ماكرون وحكومته يريدان استغلال القانون لاستهداف الدين.

وفي الفترة ذاتها، قالت الما تساديك، وزيرة العدل النمساوية إنه من المنتظر تنفيذ الحظر المعلن للإسلام السياسي بوصفه "حظراً لجمعيات يمينية متطرفة ذات دوافع دينية"، حتى يظل القانون متوافقاً مع الدستور ويحفظ الحقوق الأساسية، بينما أكدت زوزانه راب، وزيرة الثقافة هناك، مراراً، أن القانون يستهدف بشكل واضح "الإسلام السياسي"، الذي تم توصيفه بصورة شاملة في مواد القانون.

لكن صحيفة Haaretz الإسرائيلية نشرت مقالاً للباحث فريد حافظ، يتحدث فيه عما وصفه بتمهيد فرنسا والنمسا الطريق لتقييد حياة مواطنيها المسلمين، مبررتين أفعالهما بحجة محاربة "الإسلام السياسي" -وهو توصيف غامض ومطاط- و"الانفصالية الإسلامية"، لكن ما يهاجمونه حقاً هو المبدأ الراسخ منذ أمد بعيد بالمساواة الأساسية بين جميع المواطنين.

ماذا تغير في وضع المسلمين في النمسا؟

يشير المقال إلى التصور الذي كان سائداً عن النمسا منذ عقود بأنها جزيرة صفاء خالية من العنف السياسي، وكيف استخدمت النخبة السياسية في النمسا سكانها المسلمين، عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، مثالاً لعالم "المسلمين المُستأنَسين الجيدين".

ويستطرد أنَّ هذا المناخ المتناغم تغير على ما يبدو بمرور الوقت، لاسيما مع صعود حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا، الذي هيمن توصيفه للإسلام بأنه تهديد للمجتمع النمساوي ببطء وبثبات على الخطاب الوطني، متجاوزاً حدود اليمين المتطرف الذي انبثق منه في الأصل إلى بقية الأطياف السياسية.

ووفقاً للمقال الذي نشرته الصحيفة الإسرائيلية، كان رد فعل المستشار النمساوي سيباستيان كورتس الفوري، على واقعة قتل متعاطف سابق مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" أربعةَ أشخاص في قلب فيينا، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، يميل إلى تهدئة الوضع، والتعامل مع الحادث في حدوده الإجرامية، لكن ذلك المسار تغير في غضون أقل من 24 ساعة.

الشرطة النمساوية 

 

وبدلاً من أن تكون الحكومة النمساوية في مرمى النيران عندما اتضح أنَّ مُطلِق النار كان تحت مراقبة المخابرات المحلية، تولى حزب الشعب النمساوي المحافظ بزعامة كورتس زمام الأمور، وفي أقل من 24 ساعة حوَّلت الحكومة بقيادة حزب الشعب اللوم عنها من خلال تأجيج الجدال حول التهديد المزعوم "للإسلام السياسي".

ويرى الكاتب أنَّ هذا كان جزءاً من استراتيجية حزب الشعب النمساوي طويلة المدى لمضاعفة الشكوك حول ما أُطلِق عليه "الإسلام السياسي"، لكنه بدا أشبه صراحةً بـ"الإسلام"، مشيراً إلى أنه بحجة محاربة "الإسلام السياسي" أغلق حزب الشعب النمساوي وحليفه في الائتلاف الحكومي من 2017-2019 حزب الحرية اليميني المتطرف، المساجد، وحظر ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية الحكومية، بجانب إغلاق مسجد مع الإقرار علناً بعدم وجود أسباب قانونية أو جنائية تبرر هذا الإغلاق.

ونتيجة لذلك، فشل عددٌ من مثل هذه المبادرات في المحكمة، وأبطلت المحكمة الدستورية الحظر على الحجاب، وأعادت المحكمة الإدارية في فيينا فتح المساجد مرة أخرى، حتى المسجد الذي أُغلِق عقب واقعة إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني، وذلك حسبما أفاد الكاتب فريد حافظ.

ولفت الكاتب إلى أنَّ القتال ضد "الإسلام السياسي" أصبح ركيزة أيديولوجية أساسية لحزب الشعب النمساوي، الذي ينتمي إليه المستشار سباستيان كورتس. حتى في خضم وباء "كوفيد-19" المُدمِّر فتحت منظمة حزب الشعب مركز توثيق الإسلام السياسي، الذي يلقبه الحزب بـ"مشروع المنارة الأوروبية"، الذي يراقب المنظمات غير الحكومية الإسلامية ويرصد أنشطتها.

وبعد إطلاق النار، أعلن المستشار كورتس أنَّ النمسا وأوروبا "تواجهان تحديين"؛ مشيراً إلى أنهما تهديد فيروس كورونا المستجد، وخطر الإرهاب الإسلامي والتطرف على حدٍّ سواء. وبالنسبة لكورتس، فإنَّ الإسلام السياسي -الذي يذكره دوماً دون توضيح تعريفه- هو أرض خصبة للإرهاب، والأيديولوجية المتطرفة التي تُمهِّد الطريق لأعمال العنف.

هل تحارب فرنسا "الانفصالية الإسلامية"؟

قال الكاتب إنَّ النمسا، في هجومها الانتقامي غير المُميِّز على مجتمعها المسلم، وجدت معها "صحبة طيبة"، فقد أعلنت فرنسا عن التزامها بمحاربة "النزعة الانفصالية الإسلامية"، التي تعادل ما أطلقت عليه القيادة السياسية في النمسا "الإسلام السياسي". وبالمثل فشلت حكومة إيمانويل ماكرون في تحديد عدوها، مع شن وزراء حكوميين كبار حملات عدوانية وشاملة ضد "التهديد الإسلامي اليساري".

وتابع المقال أنَّ فرنسا والنمسا رغبتا في إظهار موقف قوي ضد العنف، في أعقاب إطلاق النار، لكن بدلاً من تحديد الأفراد والجماعات الإسلامية العنيفة قمعوا شخصيات المجتمع المدني والنشطاء المناهضين للعنصرية ضد المسلمين، وأكد أنَّ هذه المبادرات، مثلما اتضح، لم تُؤذِ الأفراد المسلمين العنيفين على الإطلاق، بل هدفت إلى تشويه المجتمع المدني والأصوات المناهضة للعنصرية التي وقفت ضد السياسة القمعية المُقيِّدة.

وأغلقت فرنسا تحت رئاسة ماكرون 50 مؤسسة، من بينها أكبر منظمة غير حكومية تراقب جرائم الكراهية ضد المسلمين، وهي منظمة جماعية ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا، التي انتقلت إلى بلجيكا لتجنب حلّها من قِبَل الدولة الفرنسية، حسبما أشارت الصحيفة.

المسلمون في فرنسا 

 

ثم ينتقل الكاتب للحديث عن المداهمات التي تعرضت لها منازل 30 شخصاً لا علاقة لهم بأي شكل من الأشكال بالتعاطف مع "داعش"، في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني، وبعضهم من قادة الجالية المسلمة منذ فترة طويلة. وقال الكاتب "ربما بسبب موقفي كواحد من أقسى منتقدي سياسات النمسا تجاه الإسلام والمسلمين كنت من بينهم".

سعي فرنسي للتأثير على الاتحاد الأوروبي

وبالنسبة للكاتب، لا تزال النمسا وفرنسا على الأقل صاحبتي آراء متطرفة، مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أنَّ كلتاهما قدمت مسودة ورقة حول الإرهاب في أعقاب مقتل مدرس اللغة الفرنسية صمويل باتي وهجوم فيينا، ذكرتا فيها الإسلام أكثر من مرة عند الحديث عن التطرف والعنف، لكن بقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي خففتا من حدة نبرة الورقة.

وفي هذا السياق، تبنّى وزراء العدل والشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي، في النهاية، إعلاناً لمكافحة الإرهاب دون ذكر الإسلام، وتراجعوا عن خطاب صدام الحضارات. ورفضت معظم الحكومات ربط جهود مكافحة الإرهاب بسياسة الهجرة الخاصة بها، ورفضت مساواة الإسلام عامةً بالإرهاب.

 

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

بيد أنَّ النمسا لا تزال تخطط لتجريم "الإسلام السياسي"، دون تقديم أي تعريف قانوني لهذا المصطلح، حسبما نوه الباحث فريد حافظ في مقاله، موضحاً أنها تعتزم طرح قانون لمكافحة الإرهاب، وتعديل قانون الجنسية، وقانون الرموز الوطنية، وقانون الإسلام الذي يفرض نظاماً رقابياً على الجالية المسلمة في النمسا.

من جانبها، وصفت منظمة العفو الدولية في النمسا قوانين "الطلقة السريعة" هذه بأنها إشكالية للغاية من منظور حقوق الإنسان؛ بسبب صياغتها الغامضة وانفتاحها على الانتهاكات، واستهدافها "للأنشطة القانونية وانتماءات المسلمين"، التي يمكن استخدامها "لتبرير المراقبة والاعتقال والطرد والتجريد من الجنسية" والعقوبات الأخرى، بجانب ما تمثله من مخاطر على حرية التعبير والحقوق المدنية.

ويخلُص الباحث فريد حافظ في مقاله إلى أنَّ حكومة كورتس وجدت طريقة لاستغلال هجوم نوفمبر/تشرين الثاني 2020، لتوسيع نفوذ سلطات الدولة، وقدرتها على استهداف المسلمين على وجه التحديد، رغم أنَّ لجنة برلمانية ذكرت صراحة أنه كان من الممكن منع الهجوم بناءً على القوانين القائمة.

ويختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أنَّ التشريع النمساوي الجديد الذي يُناقَش حالياً في البرلمان، لن يعمل على تعزيز الأمن القومي ولا المساعدة في تعزيز مجتمع ديمقراطي من المواطنين المتساوين، بل سيحقق العكس تماماً، تماماً كما هو الحال مع فرنسا. وأكد الكاتب أنَّ "الإنجاز" الرئيسي لهذه القوانين سيكون جلب المزيد من الإحباط للمسلمين، وللأسف، المزيد من الشعور بالاغتراب في دولة تبدو ملتزمة بتقييدهم واستبعادهم.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي