من بوتين إلى السنوار مروراً بصدام
2026-06-08 | منذ 1 ساعة
غسان شربل
غسان شربل

سألتُ دبلوماسياً صديقاً في موسكو عن حجمِ الخسائر في صفوفِ القواتِ الروسية التي تقاتلُ في أوكرانيا فأجابَ بأنَّ الحديثَ في هذا الموضوع ممنوعٌ، وأنَّ الرَّقمَ يعتبرُ من أسرارِ الدَّولة. لفتنِي إلى أنَّ روسيا تختلفُ عن أميركا. لا يحقُّ مثلاً لوالدةِ جنديّ قُتلَ في الحربِ أن تنشرَ دموعَها على الشَّاشات. أو أن تطالبَ بوقفِ الحرب. أو محاكمةِ من اتَّخذ قرارَ إرسالِ الجيش إلى هناك. الأولويةُ هي الانتصارُ في الحرب وبغضّ النَّظرِ عن الأثمان. أي تشكيكٍ في تبريرات الحرب أو جدواها يندرجُ في باب الخيانة.

لفتني إلى أنَّ شعبية الرئيس فلاديمير بوتين لا تزال مرتفعةً وهي في حدودِ الستين في المائة، وإنْ كانت أقلَّ من نسبة الثَّمانين التي كانَ يحظى بهَا في سنواتٍ سابقة. القانون يمنعُ الحديثَ عن عدد القتلى والجرحى، وكذلك عن عددِ المرتزقة الذين جنَّدتهم روسيا من بلدان قريبةٍ وبعيدة كي يموتوا نيابةً عن الجيش الروسي، وبينهم عربٌ، علماً بأنَّ آلافاً من المرتزقة يقاتلون أيضاً إلى جانب الجيشِ الأوكراني.

لم تتسبَّبِ الحربُ والعقوباتُ الغربيةُ في انهيار الاقتصادِ الرُّوسي بسببِ الموارد الهائلة التي تمتلكُها البلادُ، علاوةً على الارتفاعِ الأخير في أسعار النفط. لم تغبِ السلعُ عن الأسواق لكنَّها أقلُّ جودةً من السابق. تعبَ الرُّوسُ من الحرب لكنَّهم لم ينزلوا إلى الشارع للمجاهرة بذلك.

سألت عمَّن اتَّخذ قرارَ الحرب التي انطلقت في الأسبوع الأخير من فبراير (شباط) 2022 فكانَ الرَّدُ أنَّ القرار اتَّخذته مجموعةٌ صغيرة جداً حول الرئيس، وأنَّ أسماء بارزةً في الدولة لم تعرف به إلَّا بعد اتّخاذه. ولفت إلى أنَّ الانطباعَ الذي كانَ سائداً لدى بعض رجال الكرملين أنَّ ما سمَّاه بوتين «عملية عسكرية خاصة» سيكون سريعاً وخاطفاً وحاسماً، وأنَّ الانهيارَ الأوكراني سيكون سريعاً.

لم يدرْ في خلد كثيرين أنَّ الحربَ ستدوم حتى اليوم، وأنَّ قوافلَ النعوش ستعود من بلاد زيلينسكي بوتيرةٍ مرتفعة. وفي الأيام الأولى من الحرب وقعتُ أنا أيضاً في سوء التقدير وربَّما بسبب سيرة بوتين نفسه. كانت سيرةُ بوتين توحي بأنَّه رجل معلوماتٍ وتقارير بحكم مجيئه من عالم «كي جي بي» الذي اخترق العواصمَ القريبة والبعيدة. ثم هناك نجاحُه في قمع رياح التَّفكك التي كانت بدأت في الهبوب على الاتحاد الروسي نفسه. يضاف إلى ذلك أنَّ أهل القرار في الغرب احتفوا على مدى سنوات بهذا الرجل واستقبلوه وزاروه.

لفتني قولُ الدبلوماسي إنَّ أخطاءَ الأقوياء تكون كبيرةً في العادة، وإنَّ قرارَ اجتياح أوكرانيا قد يندرج لاحقاً في بابِ القرارات الباهظة التي لم يتصوَّر متخذوها أن تؤديَ إلى الغرق طويلاً في مستنقع الحرب. قال إنَّ المحيطين بالرئيس لم يتخيَّلوا أبداً أن تتحوَّل أوكرانيا إلى «أوكرانيستان»، وأنَّ تتسبب بهذا النَّزفِ الهائل.

استوقفني تعبيرُ القرارات الباهظة وهاجمتني الأسئلة. هل كانَ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الحلقةِ الضيقة التي ساهمت في اتخاذ القرار؟ هل غابَ عن ذهن هذا الدبلوماسي العريق والمحنك أنَّ الغربَ لن يبتلعَ بسهولة ضربةً من هذا النوع، وأنَّه لن يعدم وسيلة لتدفيع صاحب القرار ثمن ما ارتكب؟ هل غلب رأي الجنرالات رأي وزير الخارجية، كما غلب ولاء أعضاء «القيادة القطرية» تحفظ طارق عزيز الخجول؟ وهل يمكن أن يكونَ لافروف عرف بالقرار بعد اتخاذه؟

تطارد الصحافي في الشرق الأوسط المريرِ لعنةُ المقارنات. ذاتَ يوم اعتبر «السيد القائد» صدام حسين أنَّ الثورةَ الإيرانية خطرٌ داهم، وأنَّها مرتبكة، وأنَّ غزو إيرانَ قد يغرقها في التَّفكك. أمرَ جيشَه بعبور الحدود وغرقَ في الحرب واستمرت قوافلُ النعوشِ في التوافد على مدى ثماني سنوات.

قرارُ الذَّهابِ إلى الحرب أسهلُ بكثيرٍ من قرار الخروج منها، وهذا يصدق على الحرب العراقية - الإيرانية، وكذلك على الحرب الروسية - الأوكرانية. لا أقصد أبداً أنَّ بوتين يشبه صدام. أو أنَّ تلميذَ «البعث» العراقي يشبه تلميذَ «كي جي بي». أقصد أنَّ المبالغةَ في الشعور بالقوة مجلبةٌ للأخطاء، وكثيراً ما تكون باهظة. وأنَّ هاجسَ الصورةِ المطلوبة في التاريخ يساهمُ في إضرام حرائقَ هائلةٍ في الجغرافيا تلتهم الجنودَ والمليارات معاً.

أوهامُ القويّ مأساةٌ شاسعة. توهَّم صدام حسين أنَّ العالمَ سيبتلع ضربةَ غزو الكويت. قدم الغزو في يومه الأول في صورةِ «عملية عسكرية خاصة». قالَ للملك حسين الذي اتَّصل به في ذلك اليوم إنَّها «عملية كسر خشم»، أي أنَّها عملية تأديب للسلطات الكويتية.

كنت أفكّرُ في القرارات الباهظة حين سألت قيادياً فلسطينياً عن اعتصامه بالصَّمتِ المطبقِ على رغم الأهوال التي يشهدها قطاعُ غزةَ والأخطارِ الكبرى المحدقة بالضفة. قالَ إنَّه صامتٌ احتراماً لبحرِ الدَّم الذي فاضَ بفعل وحشيةِ الجيش الإسرائيلي واحتراماً لذوي الضحايا.

قالَ إنَّه يخشى «أن تكونَ النكبةُ الحالية أشدَّ من الأولى». أضاف أنَّه يسأل نفسَه منذ «الطوفان» لماذا لم يُقدم يحيى السنوار على اختطافِ جندي أو حفنةٍ من الجنود بدلاً من اتخاذ قرار بإطلاق حربٍ واسعةٍ تفوق قدرةَ غزة والمحور الذي ينتمي إليه. قالَ إنَّ «الطوفان» هو «أكبرُ عمليةٍ انتحارية في التاريخ». وشدَّدَ على أنَّ من حقّ الفلسطينيين التَّصدي بالسلاح للاحتلال الإسرائيلي لكن ليسَ من حقّ قائدٍ اتّخاذ قراراتٍ لا يدركُ حدودَ تكاليفها. ولفت إلى أنَّ «العالمَ منشغلٌ اليومَ بهرمز وبالقضيةِ الإيرانية لا بالقضية الفلسطينية».

 

*كاتب وصحافي لبناني. رئيس تحرير «الشرق الأوسط» 

 



مقالات أخرى للكاتب

  • المضيق والمريض والطبيب الباكستاني
  • زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات
  • تغيير الحدود ومواعيد نتنياهو










  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي