

“التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة كمأساة وأخرى كمهزلة”، هذا ما قاله كارل ماركس. وفي لبنان نجد أنفسنا اليوم في مرحلة المأساة، مأساة أكثر من عشرين عائلة تحطمت حياتها منذ استئناف القتال في جنوب لبنان، وتتفاقم المأساة لأن من يقود هذه المعركة من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي، هم أنفسهم من خريجي “مسيرة الحماقة” في لبنان في تسعينيات القرن الماضي.
قوة من وحدتين خاصتين عملت هذا الأسبوع في منطقة الليطاني. مقاتلو حزب الله راقبوهم، وحللوا المسار الذي سيسلكونه بكل دقة، وزرعوا عبوة ناسفة وفجروها بينما كانوا يراقبون القوة. أُصيب أربعة جنود. نسخة طبق الأصل من حرب العصابات التي استخدمها حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان خلال سنوات الحزام الأمني بين 1985 و2000.
على مدى 15 عامًا شحذ حزب الله سلاحه على أجساد الجنود الإسرائيليين الذين خدموا في لبنان. تطور وتعلم من الاحتكاك اليومي بهم وتحول من منظمة مسلحة إلى جيش عصابات محترف. وبعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، بنى نفسه كجيش حقيقي.
في هذه الأيام، وبعد أن تلقى حزب الله ضربة قاسية في 2024، عاد إلى أنماط حرب العصابات – التي لا تتطلب قوات كبيرة، بل لسعات متواصلة ضد آلاف الأهداف التي نشر الجيش الإسرائيلي قواته أمامها داخل منطقة الأمن الجديدة. الوسائل تطورت، لكن الفكرة بقيت نفسها: العثور على نقاط ضعف العدو وضربها، ليس أملاً بالحسم، بل بقصد إنهاكه.
بعد وقت قصير من إقامة الحزام الأمني السابق في جنوب لبنان عام 1985، أصدر قائد المنطقة الشمالية آنذاك، يوسي بيلد، تعليماته بتعليق لافتة في كل موقع تقول: “المهمة: حماية بلدات الشمال”. أجيال من الجنود الذين خدموا آنذاك في الحزام الأمني آمنوا بذلك. كنت أزورهم شهريًا في لبنان، وكان دائمًا هناك جندي يشير إلى أضواء المطلة أو زرعيت ويقول: “نحن هنا لكي يناموا بهدوء”.
لكنها كانت قناعة فارغة؛ ففي كل مرة كان الجيش الإسرائيلي يصيب مدنيين لبنانيين، كان حزب الله يطلق النار نحو بلدات الشمال ويثبت أن الحزام الأمني لا يوفر لهم الحماية. وكان غادي آيزنكوت، قائد لواء غولاني آنذاك، أول من تجرأ على التشكيك بهذه العقيدة، وقال إن الحزام الأمني يجعل سكان الشمال يدافعون عن الجنود الإسرائيليين، بدل أن يكون العكس.
وهكذا الحال اليوم أيضًا. ففي كل يوم نتلقى تذكيراً بأن الحزام الأمني الجديد لا يستطيع توفير الحماية لسكان الشمال، لا من الصواريخ ولا من المسيّرات، وحتى كما قيل، فإنه لا يبعدهم عن مدى صواريخ الكورنيت المضادة للدروع. قبل نحو عشرة أيام، أصاب صاروخ مضاد للدروع تابع لحزب الله موقعًا للجيش الإسرائيلي في تلة الحمامص، على بعد 300 متر من المطلة. ومن أطلق الصاروخ كان يستطيع بالقدر نفسه إصابة منزل في البلدة الجليلية.
قبل 35 عامًا، بدأ حزب الله يركز على الحرب النفسية. وكان شعاره: “إصابة جندي واحد ستجعل أمًا واحدة تبكي، أما تصوير تلك الإصابة فسيجعل آلاف الأمهات يبكين”. وسلاح مسيّرات FPV الموجهة بالألياف البصرية يناسب هذه الفكرة تمامًا. فهو ليس صاروخًا يصيبك عشوائيًا، بل شيء يراك ويختار مطاردتك شخصيًا.
عندما يشاهد المرء مقاطع الفيديو من أوكرانيا لجنود يتوسلون على حياتهم أمام المسيّرات، يأمل بألا يرى مشاهد مشابهة هنا. وحتى بعد أربع سنوات من الحرب، لم يجد الأوكرانيون حلًا شاملاً لتهديد المسيّرات.
في إسرائيل، تلقي المؤسسة الأمنية بكل تكنولوجيا موجودة إلى “المختبر الجديد” الذي أُقيم في لبنان. كل وسيلة للكشف أو الاعتراض أو الحماية من المسيّرات تدخل إلى لبنان تقريبًا دون اختبارات كافية.
اليوم هناك شباك حماية للمواقع والمركبات، وأنظمة إطلاق دقيقة، وطلقات متشظية، ومسيّرات تطلق شباكًا، وأسلاك تهدف لقطع أو حرق ألياف المسيّرة، إضافة إلى الليزر، وبالطبع القبة الحديدية. لكن التحدي الأكبر هو القدرة على اكتشاف المسيّرة مسبقًا، لأن الاكتشاف المبكر يزيد فرص الاعتراض أو الاحتماء.
في مجال الكشف نُشرت أجهزة استشعار من كل الأنواع: رادارات ووسائل بصرية وصوتية. ويبدو أن الوسائل الصوتية تحمل أكبر احتمال للنجاح، لأن للمسيّرة بصمة صوتية خاصة تختلف عن الطيور أو الطائرات بدون طيار الكبيرة. ومن وسائل المواجهة أيضًا سلاح HPM، وهو سلاح ميكروويف عالي الطاقة يعطل الأنظمة الكهربائية، وقد يكون حل المستقبل.
وإلى أن يتم العثور على حل، يعود الجيش الإسرائيلي إلى حلول قديمة. فقد سيطر على منطقة “ركبة الليطاني”، ما يجعل قواته مكشوفة من مرتفع علي الطاهر المطل عليها.
هناك محللون يقولون إن “أيدي جيش الاحتلال الإسرائيلي مقيدة” بسبب “وقف إطلاق النار” الذي فرضه الأمريكيون. لكن الحقيقة أنه حتى لو كانت يد الجيش مطلقة بالكامل، فلا أهداف لديه يؤدي تدميرها إلى وقف القتال. كما لا توجد طريقة للقضاء على حزب الله إلا إذا أُرسل لاحتلال بيروت وسهل البقاع.
ما الموجود إذن؟ توجد فرصة نادرة تتمثل في حكومة لبنانية مصممة على مواجهة حزب الله، ورأي عام لبناني يقف إلى جانبها. لكن إسرائيل لا تدخل المفاوضات مع لبنان بهدف الوصول إلى اتفاق، بل لأنها أُجبرت على ذلك بضغط من ترامب.
يمكن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار جيد في لبنان، اتفاق يفصل حزب الله عن إيران ويمنح الحكومة اللبنانية الموارد لبناء جيش قوي بما يكفي لمواجهته. لكنه اتفاق يحتاج إلى وفد إسرائيلي رفيع المستوى، أعلى من مستوى السفير في واشنطن، ويتطلب استعدادًا إسرائيليًا صادقًا لمساعدة الحكومة اللبنانية.
الحاجة الملحة لمثل هذا الاتفاق ليست فقط لوقف النزيف في الشمال، بل أيضًا لأن من يعتقد أنه يمكنه الحفاظ على حزام أمني في لبنان بثمانية ألوية قتالية، وحزام أمني في سوريا، وآخر في غزة، والدفاع عن الحدود مع الأردن، إضافة إلى 30 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية – فعليه أن يعيد التفكير.
الجيش البري الإسرائيلي مرهق، حتى لو لم يجرؤ رئيس الأركان قول ذلك للمستوى السياسي. الجيش متعب، يعاني من ضعف الانضباط، ومستواه المهني يتآكل بسبب غياب التدريبات والروتين الطبيعي.
ومن بين كل الجبهات المفتوحة، تبقى لبنان الساحة التي يمكن فيها التوصل إلى اتفاق يخلق واقعًا أفضل، وهو أمر ما زال في متناول اليد. هذا هو الوقت لتحقيقه ووقف النزيف.
ألون بن دافيد
معاريف 22/05/2026