هكذا يعدّ "حزب الله" فخاً استراتيجياً لإسرائيل ويستعيد شعبيته في أوساط اللبنانيين
2026-04-28
كتابات عبرية
كتابات عبرية

إنّ البنية الاستراتيجية التي شُيّدت خلال الأسبوعين الماضيين في جنوب لبنان تُشكّل علامة تحذير صارخة. فهي تخدم حزب الله وتضع الجيش الإسرائيلي في واقع عملياتي معقّد ومكشوف. صحيحٌ أنّ الجيش الإسرائيلي شنّ هجومًا أمس في البقاع في عمق لبنان، ما يُشير إلى تصعيدٍ في حدّة العمليات، لكنه لا يزال مُقيّدًا من قِبل القيادة السياسية، ولا يستطيع التحرّك بحرية، ويدفع ثمن “شراكة” استراتيجية مع قوة عظمى، وهو ثمنٌ لا يجرؤ أحد على ذكره علنًا.

 “الشريك” – والثمن

يُطلق الجيش الإسرائيلي على الأمريكيين لقب “الشريك”. صحيح أن التعاون الأمني ​​مع الولايات المتحدة غير مسبوق وحاسم في مواجهة إيران، لكنه يتحول إلى عبء في الساحة اللبنانية. فعندما تتعارض مصالح واشنطن مع احتياجاتنا الأمنية المُلحة، تدفع إسرائيل ثمنًا باهظًا في لبنان. والنتيجة؟ يقاتل الجيش الإسرائيلي بنصف قوته، حيث تُقيّد الاستراتيجية السياسية قدراته العملياتية.

المصالح الإيرانية

الحقيقة المُؤلمة هي أن الحملة في لبنان ليست سوى أداة في ساحة أوسع: المفاوضات مع إيران. يدفع البيت الأبيض باتجاه أسلوب “الاستنزاف الاقتصادي”، وهي استراتيجية قد تُجدي نفعًا ضد طهران، لكنها تُدمر أمن الشمال – الذي يُضحى به على مذبح المصالح الإيرانية.

وقف إطلاق النار؟

وقف إطلاق النار ينهار يوميًا؛ ففي غضون 11 يومًا فقط، فقدنا ثلاثة مقاتلين، اثنين بسبب عبوات ناسفة مزروعة مسبقًا، وواحد بطائرة مُسيّرة مُفخخة. حزب الله يزرع المتفجرات، ويطلق الصواريخ على التجمعات السكنية الشمالية، ويحرك القوات، ويشغل طائرات مسيرة هجومية. يرد الجيش الإسرائيلي بتدمير منصات الإطلاق والقضاء على الإرهابيين، لكن النيران لا تزال مستمرة. هذا ليس وقفًا لإطلاق النار، بل حرب دموية متواصلة. بالأمس، هاجم الجيش الإسرائيلي مستودعات أسلحة ومخازن صواريخ في البقاع، في أول هجوم منذ أسابيع خارج جنوب لبنان. هل يرمز هذا إلى تصعيد الحملة؟ وهل سيوسع حزب الله نطاق إطلاق النار لاحقًا ليشمل حيفا والمستوطنات؟

فخ استراتيجي

يواصل الجيش الإسرائيلي كشف المنطقة حتى “الخط الأصفر”، مدمرًا بنية الإرهابيين التحتية، بما في ذلك البنية التحتية تحت الأرض، ويجمع الأسلحة. لكن لهذا ثمناً باهظاً: فالتنظيم يخوض معارك في جنوب لبنان بوتيرة مريحة له، مركزًا الهجمات، مما يخلق لديه القدرة على استنزاف خصومه.

يخربون المفاوضات

يبذل حزب الله قصارى جهده لدفن المفاوضات. حزب الله، الذي يصف نفسه بأنه “حامي لبنان”، يبذل قصارى جهده لدفن المفاوضات. توضح الرسالة الأخيرة من الأمين العام للمنظمة، نعيم قاسم، أنه لا يوجد نزع سلاح ولا استسلام، وسيعود السكان إلى قرى جنوب لبنان التي تم إخلاؤها.

وجود الجيش الإسرائيلي – متنفس أيديولوجي لحزب الله

إن وجودنا على الأرض هو ما يمد حزب الله بالمتنفس الأيديولوجي. فهم يروجون للسكان اللبنانيين لرواية “الدفاع ضد الغزو الإسرائيلي”. ومع استمرار هذا الوضع يوماً بعد يوم، يستعيد حزب الله مكانته في الرأي العام اللبناني. يُضاف إلى ذلك الحوادث الأخلاقية المحرجة التي يرتكبها بعض مقاتلي الجيش الإسرائيلي في منازل السكان.

ماذا عن الأمين العام لحزب الله؟

القتال بشكله الحالي يوفر “ضمانة” للأمين العام لحزب الله. ورغم التهديدات المتكررة من وزير الدفاع يسرائيل كاتس، فإن قاسم لا يتراجع. فالجيش الإسرائيلي لا يشن هجمات في عمق لبنان، ولم ينفذ حتى الآن عمليات اغتيال تستهدف كبار أعضاء المنظمة. يقود قاسم حملته من مخبئه، مدركًا أن “الشريك” الأمريكي يمنع إسرائيل من تصفية حساباتها.

لطالما رغب الجيش الإسرائيلي في إحباط مساعي قاسم، لكنه يمتنع الآن عن ذلك بسبب التدخل الأمريكي (الذي قد يتغير). صرّح الوزير كاتس أمس قائلاً: “نعيم قاسم يلعب بالنار، وعون يُقامر بمستقبل لبنان. لن يكون هناك وقف حقيقي لإطلاق النار في لبنان مع استمرار قصف قواتنا ومستوطنات الجليل. إذا استمرت الحكومة اللبنانية في الاحتماء بظل حزب الله، فستندلع حربٌ تُحرق أرز لبنان. على الحكومة اللبنانية ضمان نزع سلاح حزب الله أولًا جنوب الليطاني حتى الخط الأصفر، ثم في جميع أنحاء لبنان”. وبالمناسبة، عندما يقول كاتس “أولًا في جنوب لبنان ثم في جميع أنحاء لبنان”، فإنه ربما يُلمّح إلى تفكيك حزب الله على مراحل.

مقاتلونا يتحولون إلى أهداف

إن تركيز القتال في منطقة واحدة، جنوب لبنان، يحوّل قواتنا إلى أهداف. تتحرك القوات متخفيةً وراء تضاريس المنطقة، مستخدمةً مختلف المركبات القتالية المدرعة، وتختبئ خلفها. أحيانًا تجد ملاذاً في مواقع حزب الله التي تستولي عليها. لكن القتال معقد للغاية. فبالإضافة إلى إطلاق الصواريخ، يهدد حزب الله بالعودة واستخدام انتحاريين ينتشرون في جميع أنحاء جنوب لبنان.

وبينما سلاح الجو محدود ولا يستطيع إيقاف كبار المسؤولين في عمق البلاد ولا يلحق الضرر برأس الأفعى وأنظمة القيادة والسيطرة في التنظيم، يتصرف حزب الله بطريقة أكثر ملاءمة له؛ فهو يحوّل الإرهابيين من وسط البلاد جنوبًا، مما يخلق منطقة قتال معزولة.

منظومة طائرات حزب الله المسيّرة

فوق كل هذه التهديدات، حدّث حزب الله منظومة طائراته المسيّرة، التي يعتبرها فعّالة للغاية. هذه الطائرات المسيّرة رخيصة نسبيًا، لذا يفضّل إطلاقها على الصواريخ بعيدة المدى (أكثر من 10 كيلومترات) التي يمتلكها. تُجهز الطائرات المسيرة في قرى جنوب لبنان، وتُزود بزلاجات وكاميرات ومتفجرات مأخوذة من رؤوس صواريخ آر بي جي.

والأهم، أن تزويد هذه الطائرات بألياف بصرية يصعّب تحديد هويتها واعتراضها. وقد وصل الأمر، كما رأينا قبل يومين فقط، إلى أنه لم يكن أمام المقاتلين خيار سوى إطلاق النار عليها بأسلحتهم الشخصية. تُطلق هذه الطائرات من مسافة 10 كيلومترات أو أكثر، ولا يمكن إيقاف مشغليها – المرتبطين بمنظومة الطائرات المسيرة المتفجرة التابعة للتنظيم.

 مستقبل هذا الإنجاز

يتحدث القادة الميدانيون عن أيام أخرى من التطهير لتوفير “قوة ضغط” للقيادة السياسية. لكن في أحاديث مغلقة، اعترف كبار القادة بالحقيقة المرة: “إذا عاد سكان الشمال إلى هذا الواقع، فلم نحقق شيئًا”. وبدون تفكيك حزب الله بشكل فعلي، فإن أي اتفاق سيكون مجرد خدعة.

 التخلي عن خط المواجهة

نجح حزب الله في تحقيق ما كنا نخشاه، فقد أنشأ ارتباطاً كاملاً بين ساحات القتال. وبينما نخوض معركة استنزاف محلية، يتآكل الأمن الشخصي لسكان خط المواجهة. إن هذا الارتباط بين طهران وبيروت يترك سكان الشمال لمصيرهم المحتوم.

 

إليشع بن كيمون

 يديعوت أحرونوت 28/4/2026



مقالات أخرى للكاتب

  • "خطوات مدروسة بعناية".. لماذا يصب الإيرانيون تركيزهم على هرمز ويتجنبون ضرب إسرائيل؟
  • معاريف: طهران وواشنطن في "فترة انتظار".. من يستسلم أولاً؟
  • هرمز.. مأزق ترامب









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي