إسرائيل وآمالها في الأيام المقبلة: نظام إيراني يلفظ أنفاسه الأخيرة وخيبة أمل ترامب من غزة
2026-01-20
كتابات عبرية
كتابات عبرية

على الأقل حتى الآن، يبدو أن زخم الاحتجاجات في إيران تلاشى. الخميس 5 كانون الثاني خرج نحو مليون إيراني إلى الشوارع للتظاهر ضد النظام في أرجاء البلاد كلها. ويبدو أن الحكومة التي شعرت بتهديد حقيقي على وجودها أمرت قوات الأمن بإطلاق النار على المتظاهرين، ما أدى إلى قتل المئات. هذا كان اليوم الأكثر عنفاً في الاحتجاجات التي بدأت في نهاية كانون الأول، ولكن سرعان ما بدأت تتلاشى. لقد نجح النظام في إعادة بث الذعر في أوساط المواطنين، وتضاءل عدد المتظاهرين في الشوارع بالتدريج وبشكل ملحوظ. وتتعدد التقديرات حول عدد القتلى في أعمال الشغب: ربما أكثر من خمسة آلاف قتيل وعشرات آلاف المصابين، لكن العدد الدقيق غير واضح.

انقطاع الإنترنت عن إيران منع تسريب المعلومات في الوقت الصحيح. لم تكن وسائل الإعلام الخارجية على معرفة كافية حول حجم المذبحة التي استهدفت المتظاهرين. ويبدو أن رصد المخابرات الغربية للأحداث كان جزئياً فقط. ساد في واشنطن تردد حول كيفية التصرف، وظهر ذلك في تصريحات ترامب الحادة والمتزايدة ضد نظام إيران. ولكن في لحظة الحقيقة، عندما كان على وشك إصدار أمر بشن هجوم واسع النطاق ضد إيران الأربعاء 14 كانون الثاني، تراجع وألغى الأمر.

الرئيس الأمريكي وطاقمه يبررون هذا الموقف ببادرة حسن نية من قبل إيران. إذ أبلغ النظام الإيراني ترامب عن إلغاء عمليات إعدام مقررة لحوالي 800 من معارضيه. مع ذلك، ترسم وسائل الإعلام الأمريكية صورة أكثر تعقيداً. فالأمر لم يقتصر على اعتقاد المخططين في البنتاغون بأن الجيش غير مستعد للهجوم بشكل كاف، وأنه لن يساعد في إسقاط النظام، بل حصلوا أيضاً على طلبات من معظم دول المنطقة، بما في ذلك السعودية وقطر وتركيا، تحذر من آثار الهجوم الأمريكي عليها. حسب صحيفة “نيويورك تايمز”، أظهر نتنياهو تحفظات أيضاً، سواء بسبب خشية ألا يؤدي الهجوم في هذا التوقيت إلى إسقاط النظام، أو بسبب أوجه قصور في منظومة الدفاع الإسرائيلية.

القمع الذي يستخدمه نظام إيران يوصف بأنه الأعنف في تاريخه، لكن الأحداث تذكر في هذه المرة بالثورة الخضراء في 2009. ففي حينه، قرر براك أوباما في بداية ولايته الأولى عدم تقديم المساعدة للمتظاهرين في إيران، واتُّهم بالتخلي عنهم. اتخذ ترامب موقفاً أكثر عدائياً من أوباما في تصريحاته، لكنه لم يدعمه بالأفعال حتى الآن. من هنا أصبح سهلاً اتهامه بخيانة المحتجين، وبالتعاون غير المباشر مع النظام. في غضون ذلك، يحول ترامب النقاش إلى أماكن أخرى؛ فقد عاد لتهديده بضم غرينلاند بالقوة، وفحص زيادة الرسوم الجمركية كعقاب على الدول الأوروبية التي تعارض تحركاته في غرينلاند.

لكن هذا لا يمثل نهاية المطاف بالضرورة؛ فالولايات المتحدة تركز قوة بحرية في منطقة الخليج الفارسي، ومن الواضح أن واشنطن عادت إلى نقطة الصفر لفحص خيارات إضافية لتدخلها العسكري. ويميل رجال المخابرات في إسرائيل والولايات المتحدة إلى أن أيام النظام في طهران باتت معدودة، وأن مزيج القمع العنيف والفساد المتفشي والصعوبة في توفير الاحتياجات الأساسية للسكان، بما في ذلك المياه والكهرباء، ستؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار هذه الحكومة التي لا تحظى بالشرعية. والسؤال المطروح هو: ما الذي يجب على الولايات المتحدة فعله لتحقيق ذلك؟ وهل ترامب مستعد لتحمل هذه المخاطرة في ظل التحفظات التي عرضها معظم الحلفاء المقربين في المنطقة؟ (إسرائيل على المدى البعيد، ترغب بالتأكيد في إسقاط النظام في إيران).

دان شبير، السفير الأمريكي في إسرائيل في فترة إدارة أوباما، غرد السبت في “اكس” بأنه يشتبه بأن ترامب يخطط لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. معروف عن ترامب ميله إلى الحلول السريعة والحاسمة، ولكنه غير متأكد من أن فعلاً كهذا سيؤدي إلى انهيار النظام. خلافاً لفنزويلا، إيران لا تعتمد على شخص واحد، بينما سيفتح اغتيال زعيم ديني باباً واسعاً للانتقام من قبل أنصار إيران. في كل الحالات، ما زالت المؤسسة الأمنية في إسرائيل في حالة تأهب قصوى. وقد يؤدي تجدد التوتر بين أمريكا وإيران إلى تحرك الأخيرة ضد إسرائيل وجيرانها. معروف اننا نواجه فترة طويلة من عدم الاستقرار وعدم اليقين.

بعيدون عن النصر المطلق

في نهاية الأسبوع، مثلما كان مخططاً له، بدأت الإدارة الأمريكية بتنفيذ المرحلة الثانية في الاتفاق في قطاع غزة. فقد أعلن ترامب والمبعوث ستيف ويتكوف عن إنشاء مجلس السلام والمجلس التنفيذي (هيئات دولية، إضافة إلى تشكيل حكومة التكنوقراط الفلسطينية). وقد تمكن الأمريكيون بالفعل من إشغال معظم المناصب.

يختلف جوهر هذه الخطوة بشكل كبير عن أهداف الاتفاق التي طرحها نتنياهو في تشرين الأول الماضي، والتي تركزت حول وقف إطلاق النار. فباستثناء إعادة المخطوفين والقتلى، لم تحقق إسرائيل أهدافها المعلنة في قطاع غزة؛ لم تسلم حماس سلاحها، وما زالت تسيطر على نصف القطاع. وربما تطالب الولايات المتحدة بمزيد من الانسحاب الإسرائيلي لاحقاً. في غضون ذلك، تعتبر السلطة الفلسطينية شريكة واضحة في حل أزمة غزة في نظر الأمريكيين، خلافاً لوعود نتنياهو. إضافة إلى ذلك، وافق ترامب بسرور على تدخل قطر وتركيا في غزة في اليوم التالي، رغم جميع تحذيرات نتنياهو.

لقد اكتفى نتنياهو أمس بنشر بيان غير مألوف يعارض فيه تشكيلة المجلس التنفيذي، وحاول التلميح بأن هذه الخطوة كانت مفاجئة له، بل وكلف وزير الخارجية جدعون ساعر للاحتجاج أمام الأمريكيين. ولأن هذا السلوك غير جديد على نتنياهو، فليس صعباً فهم ما يحاول فعله هنا، وهو التملص من النتيجة النهائية المخالفة لكل وعوده لمؤيديه. وقد سارع الأمريكيون إلى اطلاع المراسلين على الأمر، وأكدوا أن إسرائيل كانت تعرف ما سيحدث. والجيش الإسرائيلي، الذي يفضل -على مستوى هيئة الأركان العامة على الأقل- العمل على استكمال الاتفاق، يشعر بقلق كبير إزاء تدخل قطر، ويخشى من أن يؤدي ذلك إلى استئناف تدفق الأموال من الدوحة إلى غزة.

الواضح أن إسرائيل ما زالت بعيدة جداً عن تحقيق النصر الكامل في غزة رغم سنتين من الوعود المتكررة. بسبب ذلك، بدأ نتنياهو، الذي يخشى من أن تركز الحملة الانتخابية على فشل 7 أكتوبر، بفحص إمكانية استئناف الحرب في قطاع غزة. وحسب تسريبات لمقربين منه، فمن المرجح أنه يراهن على أن يصاب ترامب بخيبة أمل من فشل التحرك الأمريكي المخطط له في قطاع غزة، ثم يعود ويعطيه حرية التصرف ضد حماس. مع ذلك، ما زالت الإدارة الأمريكية متفائلة وتواصل الضغط لتنفيذ الحل الذي وضعته، وهو ما يثير استياء الحكومة الإسرائيلية.

 

عاموس هرئيل

هآرتس 19/1/2026



مقالات أخرى للكاتب

  • "خطوات مدروسة بعناية".. لماذا يصب الإيرانيون تركيزهم على هرمز ويتجنبون ضرب إسرائيل؟
  • معاريف: طهران وواشنطن في "فترة انتظار".. من يستسلم أولاً؟
  • هرمز.. مأزق ترامب









  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي