

في احتفال احتجاجي جرى في 17 كانون الأول الحالي في أنقرة، وقع صندوق رواتب الجيش التركي “أوياك” وحكومة الصومال اتفاقية بعيدة المدى. يدير الصندوق أصولاً تقدر بمبلغ 30 مليار دولار أمريكي، ويشغل حوالي 130 شركة في تركيا والعالم. وبحسب الاتفاقية، سيصبح الصندوق شريكاً في شركة الصيد التركية – الصومالية المشتركة “سوم تورك”، وسيحتفظ بحقوق حصرية في قطاع الصيد الغني، وسيكون المسؤول عن إدارة وتشغيل وترخيص هذا القطاع.
رسمياً، هدف إنشاء هذه الشركة المشتركة ومنح الامتياز هو ترتيب عمل هذا الفرع من الصناعة المزدهرة وزيادة نجاعة نشاطاتها. ولكنها مراسيم توقيع شارك فيها وزير الدفاع يشار غولار ورئيس أركان الجيش التركي سلجوق بيرقدار أوغلو. ما علاقة وزير الدفاع ورئيس الأركان بأسماك التونا والسردين التي تبحر بوفرة قرب شواطئ الصومال؟ لا علاقة، لكنها تحمل الكثير من الدلالات على عمق العلاقات بين تركيا والصومال.
زار الرئيس التركي أردوغان الصومال في العام 2011 وقدم لها مساعدة إنسانية سخية. ومنذ ذلك الحين، عمقت تركيا حضورها في البلاد، ليس في البحر فقط، بل على الأرض وفي الجو. وفي الصومال أكبر قاعدة عسكرية لتركيا خارج حدودها، إضافة إلى أكبر سفارة لها. وقد دربت تركيا حوالي 15 ألف جندي صومالي في قاعدة “تورك سوم” منذ العام 2017، وتلقى ضباط صوماليون دورات تدريب متقدمة في تركيا، وتعلم آلاف الطلاب الصوماليين في مدارس أقامتها تركيا، وتدير شركات تركية ميناء مقديشو والمطار الدولي. ومؤخراً، أنشأت تركيا قاعدة على أراضي الصومال لاختبار صواريخها البالستية من نوع “تايفون”، وهي تستعد لتشغيل قاعدة هناك لاختبار إطلاق الصواريخ إلى الفضاء.
هكذا أصبحت الصومال شبه دولة تحت حماية تركيا، تستخدم استثماراتها ومساعداتها العسكرية لأغراض سياسية، لتكون بمثابة قاعدة انطلاق إلى دول إفريقية أخرى. تنتهج تركيا سياسة عدائية تعتبر أرض الصومال جزءاً لا يتجزأ من الصومال. مع ذلك، أصبحت أرض الصومال المستقلة التي انفصلت عن الصومال في بداية التسعينيات ولم تعترف بها أي دولة حتى الآن، مركز جذب إقليمي بفضل السيطرة على شاطئ طويل على المحيط الهندي وخليج عدن.
فقدت أثيوبيا المنفذ البحري منذ استقلال إريتريا في العام 1993، وسعت إلى إيجاد منفذ من خلال ميناء بربرة في أرض الصومال، ووجدته. وفي عام 2024 تم التوقيع على اتفاق تستأجر بحسبه أثيوبيا شريطاً على الساحل في منطقة الميناء، بل ويمكنها أيضاً إنشاء قاعدة بحرية هناك مقابل اعتراف أثيوبيا بأرض الصومال. لقد حاولت تركيا نيابة عن الصومال، عرقلة هذه الخطوة التي اعتبرت انتهاكاً لسيادة الصومال، وفي نهاية 2024 اقترحت حلاً وسطاً، وهو أن تعطي الصومال أثيوبيا حق استخدام ميناء مقديشو.
تشارك الإمارات العربية أيضاً في شبكة علاقات معقدة بين أثيوبيا والصومال وتركيا؛ فقد استثمرت نحو 440 مليون دولار في تطوير ميناء بربرة عبر مجموعة موانئ دبي العالمية (التي تنافست أيضاً على الاستحواذ على ميناء حيفا). وأقامت قاعدة عسكرية في أرض الصومال، وهي تستثمر في قطاعات صناعية وتجارية مختلفة في هذه الدولة غير المعترف بها. بالنسبة لأبو ظبي، تعتبر أرض الصومال محطة استراتيجية حيوية، وقد ازدادت أهميتها بعد الفشل في الحصول على حقوق إدارة وتشغيل ميناء جيبوتي، وهي ليست الوحيدة.
أبو ظبي تحيط نفسها بحزام استراتيجي يشمل جزيرة سقطرى في المحيط الهندي وميناء عدن، وهي تخضع لسيادة اليمن، لقوات “المجلس الانتقالي المؤقت” بقيادة إدريس الزبيدي، وهو هيئة تابعة لمجلس الرئاسة الذي يدير مناطق اليمن غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ويهدف هذا المجلس الانتقالي الممول والمدعوم سياسياً من الإمارات العربية، إلى إعادة تأسيس جنوب اليمن كدولة مستقلة. والأمر لا يقتصر على ذلك؛ فأبو ظبي تدعم في السودان قوات محمد دقلو الانفصالية والدموية (قوات الرد السريع) التي تقاتل الحكومة المعترف بها بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في تناقض مع سياسة مصر والسعودية.
تلعب إسرائيل دوراً رئيسياً في النسيج الاستراتيجي لدولة الإمارات. وحسب تقارير أجنبية، فقد منحت أبو ظبي إسرائيل تصريحاً لإقامة قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرى، وربما قواعد أخرى. قبل سنة تقريباً، نشر موقع “ميديل ايست مونتور” بأن الإمارات تتفاوض مع أرض الصومال من أجل السماح لإسرائيل بإقامة قاعدة عسكرية هناك أيضاً مقابل اعتراف إسرائيل باستقلالها. ولم تعترف الإمارات بأرض الصومال حتى الآن، الأمر الذي لم يمنعها من إقامة قواعد عسكرية أو إدارة الميناء في الدولة.
الشراكة العسكرية لإسرائيل ضمن الإطار الاستراتيجي الذي تبنيه الإمارات حول اليمن والقرن الإفريقي قد يؤدي إلى وضع الدولتين في مسار تصادم مع دول أخرى في المنطقة، على رأسها تركيا التي تتنافس على السيطرة في الدول الإفريقية المطلة على خليج عدن ومضيق باب المندب. ولا يزال من غير الواضح إذا كان اعتراف إسرائيل بأرض الصومال شرطاً لوجود عسكري إسرائيلي فيها، ولكن لا شك أن توقيت هذا الإعلان يرتبط بالقمة الثلاثية التي تم عقدها في هذا الشهر ورسخت التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل واليونان وقبرص، والرغبة في استفزاز تركيا.
من المثير للاهتمام، ولكن من غير المفاجئ، أنه بينما يشن أردوغان هجوماً لاذعاً على إسرائيل وينتقدها بسبب “طموحاتها العسكرية” في إفريقيا، لم يوجه أي انتقاد لدولة الإمارات ولشراكتها العسكرية مع إسرائيل في أرض الصومال. أردوغان الذي هدد بقطع العلاقات مع أبو ظبي بعد التوقيع على اتفاق التطبيع مع إسرائيل في 2020، كان هو نفسه بحاجة إلى الخدمات المالية الإماراتية التي أنشأت صندوق استثمار بمبلغ 10 مليارات دولار في تركيا. إضافة إلى ذلك، تعهدت أبو ظبي في 2023 باستثمار 50 مليار دولار في تركيا (الالتزام الذي لم ينفذ بعد). وحتى الآن، استثمرت تقريباً 6 مليارات دولار في الصناعات التركية، وبلغ حجم التجارة بين الدولتين أكثر من 40 مليار دولار، وما زالت الجهود جارية.
كم انضمت مصر أيضاً إلى تركيا والسعودية وقطر في إدانة “خطوة إسرائيل أحادية الجانب” التي تعتبرها انتهاكاً لسيادة الصومال. ولكن لموقف مصر خلفية مختلفة؛ ففي السنة الماضية وقعت مصر على اتفاق تعاون عسكري واسع النطاق مع الصومال، تشمل تدريب وتأهيل الجنود والاستثمار في البنية التحتية العسكرية. وجاءت هذه الخطوة رداً على المفاوضات بين إثيوبيا والصومال حول استخدام ميناء مقديشو بدلاً من ميناء بربرة في أرض الصومال، والسعي إلى الحد من نفوذ أثيوبيا، العدو اللدود لمصر، في القرن الإفريقي.
إسرائيل تعطي اهتماماً كبيراً للاعتراف بأرض الصومال بسبب إمكانية تحولها إلى قاعدة أمامية في الحرب ضد الحوثيين. مع ذلك، يجدر التذكير بأن الإمارات، الوسيط في العلاقات بين أرض الصومال وإسرائيل، تسعى إلى ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وإقامة قواعد سيطرة في المحيط الهندي وخليج عدن، وهي لا تستعجل استئناف الحرب ضد الحوثيين. فقد انسحبت الإمارات من الحرب ضد اليمين في 2019، ما أدى إلى انهيار التحالف العربي – الأمريكي. بعد ذلك، قضت على خطر الحوثيين عليها باستئناف علاقاتها مع إيران. وفي هذا الصدد، تتفق أبو ظبي والسعودية ومصر سياسياً على أن أي هجوم ضد الحوثيين قد يثير رداً عنيفاً من قبلهم ضد أهداف داخل حدودها.
النتيجة، أن إسرائيل ستكون في الواقع موجودة عسكرياً في القرن الإفريقي، لكنها ستجد نفسها مقيدة بسياسة الإمارات والتزاماتها الإقليمية لجيرانها. ولكن هذا لا ينبغي أن يمنع الإسرائيليين من البدء في فحص الرحلات وقضاء الإجازات على شواطئ أرض الصومال الرائعة.
من ناحية أرض الصومال، فالهدف الأسمى كان وما زال اعتراف الولايات المتحدة باستقلالها، ومن غير المستبعد أن جزءاً من الاتفاق مع إسرائيل قد يشمل وعداً باعتراف ترامب لاحقاً. ولكن ترامب أظهر حتى الآن فتوراً واضحاً عندما تساءل عما إذا كان هناك “أي أحد يعرف ما هي أرض الصومال أيضاً”. هذا التصريح فيه شيء من الإهانة، وهو في معظمه غير دقيق، إذ أعلن رئيس أرض الصومال في أيار عن زيارات لوفود أمريكية عسكرية رفيعة لبلاده. وأوصى “مشروع 2025″، الذي نشره في نيسان 2023 معهد التراث، برسم السياسة المطلوبة لإدارة ترامب، وأوصى أيضاً بالاعتراف بأرض الصومال كخطوة لوقف تدهور مكانة أمريكا في جيبوتي.
تسفي برئيل
هآرتس 29/12/2025