إيران تعلم أن العالم في ترقب فما خطوتها التالية؟
2024-04-14
ماري ديجيفسكي
ماري ديجيفسكي

تشير تصريحات إيران والولايات المتحدة الأميركية في الساعات الـ24 الماضية إلى مستوى توتر خطر جداً في منطقة هي الأخطر في العالم.

من طهران جاء خطاب متلفز للزعيم الإيراني آية الله علي خامنئي، الذي حذر وبصورة علنية لأول مرة أن إيران ستعاقب إسرائيل على العدوان على مبنى القنصلية الإيرانية لدى دمشق، الأسبوع الماضي، والذي قضى بسببه 13 شخصاً، بمن فيهم ضباط كبار في الحرس الثوري الإيراني، "لا بد أن يعاقب النظام الشرير، وستتم معاقبته،" قال خامنئي.

في المقابل، جاء من واشنطن التزام علني تام من الرئيس بايدن ــ الذي قد يكون أم لا رداً على موقف آية الله خامنئي ــ يعلن فيه أنه سيكون لإسرائيل دعم "مصفح بالفولاذ" [أي دعم ثابت] في حال أي اعتداء إيراني عليها، "دعوني أقولها مجددا" قال بايدن "مصفح بالفولاذ".

 فيما يبدو التصريحان بسيطان للغاية، إلا أنهما يحملان في طياتهما أكثر من مجرد ما يمكن أن تكون قد رأته العين المجردة.

فقد تم تفسير التصريح الأول على أنه مؤشر بأن الرد الانتقامي الإيراني هو أمر وشيك، ولكنه يمكن أن يكون أيضاً محاولة من قبل الزعيم الإيراني لاحتواء الغضب الشعبي، ومن ضمنه غضب الحرس الثوري، والرد على ما من شأنه الإيحاء بالضعف أو بالتردد.

أما تصريح الرئيس بايدن أيضاً، فلم يكن مجرد التزام بتقديم الدعم لإسرائيل، لكنه بالتأكيد أيضاً تحذير لإيران أنه وفي حال هجومها [على إسرائيل]، سيترتب عليها أن تنتظر رداً ليس فقط من إسرائيل وحدها، بل من الولايات المتحدة أيضاً. إن العبارات القوية التي اختارها يمكنها أن تكون الغاية منها موازنة انتقاداته للعمليات الإسرائيلية في غزة، والدعوات لوقف إطلاق النار، وكي لا تستنتج إيران ووكلائها أن الدعم الأميركي لأمن إسرائيل قد أصبح أقل مما كان دائماً عليه.

لكن، إن كان من طرف يواجه معضلة في اختيار الخطوة التالية في المرحلة المقبلة، فهو إيران. في أعقاب الهجمات التي شنتها حركة "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) على الإسرائيليين، قامت إيران وبوضوح، كما كان يمكن أن تفعل أي من الدول الأخرى، وأعلنت أنه لم يكن لديها أي نية لاستغلال الوضع، أو التدخل [أي في الحرب]. وجاء ذلك الالتزام من الزعيم الروحي نفسه الذي يصر حالياً على أن هجوم دمشق يجب أن تتم معاقبة من ارتكبه. ولكن، كيف يمكن فعلياً ألا يكون هناك من رد إيراني من دون ترك قيادتها تفقد صدقيتها من ناحية، ومن الناحية الأخرى أن تمنح إسرائيل حرية القيام بمزيد من الغارات؟

بين السابع من أكتوبر والأول من شهر أبريل (نيسان)، تاريخ الهجوم على القنصلية الإيرانية في سوريا، يبدو أن إيران كانت قد التزمت بالوعود التي قطعتها. إذ لم يكن هناك من توسيع لدائرة الحرب ضد إسرائيل من خلال هجمات لـ"حزب الله" عليها من جنوب لبنان. كما لم يكن هناك من أدلة على الدعم الإيراني الذي يساعد "حماس" على الدفاع عن غزة ضد إسرائيل، أو مساعدات للحوثيين في اليمن الذين يهجمون على سفن تجارية تابعة لدول غربية، ومتحالفة مع إسرائيل في البحر الأحمر.

على رغم ذلك، قامت إسرائيل بالهجوم على القنصلية في دمشق، حتى وإن كان سيعد خطوة متطورة لافتة مقارنة بالأعمال الأخرى التي كانت قد قامت بها إسرائيل خارج حدودها منذ تاريخ السابع من أكتوبر. وفي حين أن كلاً من إسرائيل وإيران منخرط في مشاريع خطرة للغاية، لكن ذلك ألا يعني أنه ليست لهما أسبابهما الخاصة.

لقد أضعفت إيران بسبب الاحتجاجات ــ خصوصاً تلك التي شهدت مطالبات من المرأة الإيرانية بالحصول على حقوقها. وحتى إن الانتخابات النيابية الأخيرة ــ التي كان يمكنها أن تكون مزعزعة للاستقرار، على رغم من عدم ديمقراطية النظام ـــ لا بد أنها فاقمت الشعور بعدم الأمان لدى القادة الإيرانيين. على رغم أن الانتخابات رسخت الوضع القائم، فإن نسبة المشاركة، التي بلغت 41 في المئة، كانت النسبة الأدنى التي سجلت منذ الثورة الإسلامية عام 1979 ــ ولا يعكس الأمر أبداً التعبير الواسع عن الثقة بالنظام. ولا يمكنها أن تكون مناسبة لطهران كي تنخرط في الحرب، لكنه لا يمكنها تحمل الظهور بمظهر الضعيف في الوقت نفسه.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فمن الصعب الهرب من الاعتقاد أنها لم تستغل اختلال النظام في غزة ومحيطها ــ اختلال كانت قد قامت إسرائيل في الاستثمار بقوة في تأجيجه، إن لم نقل أنها أوجدته ــ من أجل ضرب القوة التي تعدها التهديد الأساس لوجودها: أي إيران.

وتعد حركة "حماس" نوع من الأعداء الذين لا يمكن التكهن بما سيقومون به، وغالباً ما يكون بصورة غير منظمة، وهي تشكل نوعاً من التهديد غير المتوازي، لكنه تهديد كان في إمكان إسرائيل الدفاع عن نفسها من أخطاره، أو حري بها أن تفعل. أما أنها لم تقم بذلك، أو تعذر عليها القيام به، في تلك الليلة من شهر أكتوبر، قد يعد فشلاً استخباراتياً، ثم فشلاً في الجهوزية العسكرية، لكن السبيل الوحيد أمام "حماس" كي تشكل تهديداً واقعياً على بقاء دولة إسرائيل ونجاتها كان يمكن أن يكمن في انتفاضة شعبية فلسطينية كبيرة في الأراضي المحتلة وفي الضفة الغربية، وربما يمكن أن يكون عاملاً مساعداً لها، لو أن السلطة الفلسطينية قد قامت بالمساعدة على قيامها والتحريض عليها، لكن ذلك لم يحدث.

من جهتها، تشكل إيران نوعاً آخر من التهديد، تجد إسرائيل نفسها مصممة على ضرورة ألا تغفل عنه. كثيراً ما أدهشت خلال زيارات قمت بها إلى إسرائيل في الـ20 سنة الماضية، بحجم الاهتمام بإيران لدى كافة شرائح المجتمع الإسرائيلي، ولكن وخصوصاً، لدى الشريحة الأعلى. لم تبد أي قوة إقليمية أخرى قادرة على الاقتراب من إيران في مجال التهديد الذي تشكله على إسرائيل. وبحسب من نتحدث معهم، فإن التهديد الإيراني يمكن أن تكون له جوانب ثقافية، وجوانب عسكرية، أو جوانب جغرافية سياسية، وربما كل تلك الجوانب مجتمعة معاً، لكن بدا بالنسبة إليَّ ــ وربما بصورة خاطئة ــ بأنه تخطى التقييم الموضوعي للقدرات الإيرانية، أو كيفية تقييم إيران لمصالحها الخاصة.

في بعض الأحوال، يبدو هذا الخطر شبيهاً بالتهديد الصيني بحسب ما ينظر إليه كثر في الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً الأعضاء في الكونغرس، أو التهديد الذي تشكله روسيا كما ينظر إليه كثر في دوائر الحكم في المملكة المتحدة ــ ولذلك جذور في الشك المتبادل التي تعود إلى مراحل بعيدة وأخرى قريبة من التاريخ، لكن، ولسبب من الأسباب يعود ذلك إلى أنها تتضخم بسبب غياب الاهتمام من قبل البعض والخوف المطلق [من الآخر].

أما بالنسبة إلى أصولها، فيمكن للمرء أن يتنبأ بأنها تعود إلى التهديد الذي شكله الإسلام العنيف مباشرة بعد الثورة الإيرانية، أو حتى التصريحات الشهيرة التي أطلقها الرئيس الإيراني في عام 2005، محمود أحمدي نجاد، والتي دعا فيها إلى محو إسرائيل من الخريطة. تلك التصريحات كان تم التبرؤ منها وتحديها من قبل قادة إيران الذين تعاقبوا على السلطة، والذين يعدون أن دولتهم تمثل قوة مركزية، بدلاً من كيان معرقل. ولكن لم يكن هناك أي جهد بذل من أي من الفريقين لأي ما يشبه محاولات للتقارب، إن لم نقل الوصول إلى مرحلة التطبيع.

إن استمرار انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية، وهي الداعم الرئيس لإسرائيل، وإيران، حتى بعد 40 عاماً على أزمة الرهائن التي استمرت من عام 1979 إلى 1981، فلا بد أن تكون عاملاً مساعداً أسهم في استمرار تلك القطيعة.

علاوة على ذلك، يمكن لطموحات إيران النووية أن تكون عاملاً آخر، حتى على رغم من اللغط القائم ــ والذي يعانيه الجانبان ــ فيما يتعلق بالفعل ورد الفعل. فمعروف امتلاك إسرائيل قدرات نووية، تبررها المخاوف الأمنية لوجودها إلى جانب جيران عدائيين، لكنها تواصل التمسك بمبدأ الغموض الرسمي فيما يتعلق بذلك الموضوع، وهي تبقى خارج أي تدابير عالمية لمنع انتشار الأسلحة النووية.

أما إيران في المقلب الآخر، والتي من الممكن أنها تنظر إلى حصولها على القدرات النووية على أنها غاية بحد ذاتها، أكثر من كونها تنبع من رغبة في مواجهة إسرائيل، فقد نظرت إلى إفشال طموحها من خلال محاولات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أولاً من خلال وضعها تحت الرقابة الدولية، ولاحقاً ــ وبعد الادعاء بخرق الشروط الموضوعة ــ من خلال العمل على التخلص من البرنامج النووي الإيراني برمته، من خلال ضربات صاروخية، وأعمال تخريبية أو عمليات اغتيال طاولت العلماء [الإيرانيين]. 

إن ما هو صحيح أو خاطئ عن طبيعة برنامج إيران النووي، وما إذا كانت أهدافه الأساس للاستخدامات المدنية أو العسكرية، هو أمر يصعب الكشف عن حقيقته، لكن غياب العدالة كما تنظر إليها إيران، هو أمر بعمق المخاوف الإسرائيلية من إيران، وحتى إن كان يمكننا المجادلة بأنه حيث تكون هناك عداوات قائمة منذ زمن بعيد ويمتلك كل من الأطراف المنخرطة فيه قدرات نووية، فإنه قد يمكن أن تكون تلك الدول أكثر حرصاً على عدم الانخراط في حرب ــ مثل روسيا والولايات المتحدة إبان الحرب الباردة، والهند وباكستان أيضاً، إلا أن ذلك الانضباط يمكن ألا يكون قائماً في حالة إسرائيل في مواجهة إيران. فالعداوة بينهما وحالة الشك يمكن أن تكون عميقة للغاية.

كل تلك الاعتبارات من شأنها مفاقمة المعضلة بالنسبة إلى إيران، عندما تقوم في عملية اختيار كيفية الرد على هجمات إسرائيل ضد جنرالاتها في دمشق. وإذا افترضنا أن خياراتها محدودة، فيمكن أن يكون أمراً مبالغاً فيه. وما لا شك فيه أن ضعف إيران السياسي والعسكري يرجح عدم انخراطها في شن عملية خطرة، فيما أن الضعف نفسه قد لا يترك لها خيارات، سوى الرد. وفي هذه الأثناء، حتى الولايات المتحدة، وكما يظهر من الإنذارات التي أطلقها الرئيس بايدن، قد لا يتوفر لديها أي خيار سوى الانتظار والترقب.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس-اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • هل يقع اللوم على الخدمات الصحية البريطانية في فضيحة الدم الملوث؟
  • هل محاولة اغتيال رئيس وزراء سلوفاكيا مقدمة إلى نزاع أوروبي أوسع؟
  • حرب غزة: محطة مفصلية في مستقبل بايدن ونتنياهو السياسي






  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي