مآلات التطرف الإسرائيلي
2023-02-19
خالد اليماني
خالد اليماني

يتصاعد القلق في دوائر القرار بالعواصم الغربية جراء التطوراتالجارية داخل دولة إسرائيل. فيما تشهد مختلف مدن الكيان تظاهرات ضد حكومة بنيامين نتنياهو منذ وصولها إلى السلطة في 29 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تضم حكومة نتنياهو عتاة القوميين والمتطرفين الأرثوذكس اليهود التي وصفت من قبل مكونات الطيف السياسي الإسرائيلي كافة بالحكومة الأكثر يمينية في التاريخ.

لم يتوقف منذ بداية العام الحالي سيل الرسائل الأميركية والأوروبية إلى نتنياهو يحذره من مغبة أفعاله التي قد تدفع نحو انفجار الشارع الإسرائيلي، تحديداً في هذه الظروف التي يدعم فيها التحالف الغربي أوكرانيا في وجه الهجوم الروسي على أراضيها، وإصرار نتنياهو على استخدام غالبيته في الكنيست لتعديل جوهر نظام الحكم بإضعاف السلطة القضائية المستقلة وتقوية سيطرة الحكومة على المحاكم والخدمة العامة الذي بحسب المعارضة الإسرائيلية يشكل مساساً بالديمقراطية وانقلاباً عليها.

وفيما تقول المعارضة إن إجراءات نتنياهو المقترحة تشكل بداية النهاية لمنظومة الدولة الديمقراطية التي لطالما تغنى بها السياسيون الإسرائيليون خلال العقود الماضية باعتبار أن دولتهم هي واحة الديمقراطية الوحيدة في محيط من الأنظمة غير الديمقراطية والقمعية، إلا أن نتنياهو يعتقد بأن مشاريع القوانين التي يقترحها ستعيد التوازن بين السلطات الثلاث وتعطي للقوى المنتخبة الدور الأكبر في إدارة الأجهزة البيروقراطية للدولة وليس العكس.

وخلال فترة رئاسته للحكومة السابقة التي امتدت من مارس (آذار) 2009 إلى يونيو (حزيران) 2021، انتزع المتطرفون في يوليو (تموز) 2018 قانوناً في الكنيست يقضي باعتبار إسرائيل وطناً قومياً للشعب اليهودي، بما يعزز نظام الفصل العنصري ضد العرب والدروز، واليوم يأتي نتنياهو ليعمق محتوى الفرز العرقي على مختلف الصعد الداخلية وفي التعامل مع الفلسطينيين ومؤسساتهم السيادية.

وفي تقييمه للوضع الجاري يرى الإعلام الغربي وهو الذي لطالما كان متعاطفاً مع إسرائيل، أن الخطر الذي يتهدد الكيان الصهيوني يتركز في زيادة النزعات المتطرفة والإقصائية التي تهدد أسس الدولة "الديمقراطية"، وبتقديري فإن كل إجراءات الفصل العنصري التي مارستها تل أبيب ومؤسساتها "الديمقراطية" ضد الفلسطينيين قبل العودة الأخيرة لنتنياهو، لن تشبه ما يحظر له تحالف المتطرفين خلال الأشهر المقبلة.

يضع نتنياهو نصب عينيه وبدعم من التحالف الحاكم، السيطرة على قوى المعارضة الإسرائيلية وتحجيمها وتهميش دور العرب الإسرائيليين والقضاء على ما تبقى من المعارضة اليسارية لمصلحة قوى اليمين الديني المتطرف، كما يسعى إلى تقييد سلطة القانون وفرض تعيين الحكومة للقضاة والسيطرة على الأجهزة الأمنية وإجراء إصلاح تعليمي بما يتجاوب مع منظور الدولة القومية للشعب اليهودي وفرض الأيديولوجيا القومية اليهودية كهوية وطنية.

أما في ما يتعلق بوضع الفلسطينيين، فهو يتجه نحو إلحاق ضرر لا رجعة عنه في موضوع حل الدولتين عبر توسيع المستوطنات في الضفة الغربية وإلحاقها بدولة إسرائيل وإلغاء السلطة الوطنية الفلسطينية.

وعلى رغم وعوده للأميركيين بعدم التصعيد في الأراضي الفلسطينية، إلا أن نتنياهو صرح في اليوم الأول لتوليه رئاسة الوزراء بأن "للشعب اليهودي ’حقاً حصرياً‘ غير قابل للتصرف في جميع أنحاء أرض إسرائيل وأن الحكومة ستعمل على نشر المستوطنات في كل أرض إسرائيل، بما في ذلك الضفة الغربية".

وإشارة "الحق الحصري" هي التي دفعت وزير الخارجية الأميركية خلال زيارته الأخيرة لتل أبيب إلى مناشدة نتنياهو إبقاء الوضع كما هو والتهدئة مع الفلسطينيين وعدم إسقاط فكرة حل الدولتين في هذا التوقيت مع انشغال الإدارة وحلفائها الأوروبيين بالوضع في أوكرانيا.

التهديد بالغالبية

وعلى رغم التحذيرات الآتية من العواصم الغربية لوقف مساعي نتنياهو، وآخرها تصريحات الرئيس الأميركي الأسبوع الماضي التي أكد فيها أن الديمقراطية في الولايات المتحدة وإسرائيل مبنيتان على مؤسسات قوية وضوابط وتوازنات وعلى قضاء مستقل، إذ حث الرئيس بايدن نظيره الإسرائيلي على أهمية إيجاد توافق للآراء في شأن أي مساع لإجراء تغييرات في النظام القضائي لضمان أن يتقبلها الناس حتى يمكن استدامتها، وجاءت مناشدة الرئيس الإسرائيلي في الاتجاه نفسه لوقف التعديلات المقترحة، إلا أن نتنياهو يعتقد بأن هذا هو التوقيت المناسب ولن يتنازل في وجه الضغوط والتظاهرات، وجاء رده في اجتماع للحكومة مفاده بأن كل ما يهمه أن التحالف الذي يقوده يحوز على الغالبية البرلمانية، وهذا كل ما في الأمر.

في الواقع، على رغم كثرة الحديث عن استقلالية القضاء في إسرائيل والتزامه بنود القانون الدولي وقوانين الحرب والاحتلال، إلا أن القضاء الإسرائيلي لم يتعارض قط في أحكامه مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، تحديداً في القضايا التي يتم توصيفها من قبل الحكومات كقضايا "أمن قومي"، وبشكل أكثر وضوحاً تلك المتصلة بالفلسطينيين وأرضهم المحتلة.

فلم يقض القضاء بتاتاً ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، على رغم أنها تشكل انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي، كما بارك عمليات هدم منازل المواطنين الفلسطينيين في مخالفة صريحة لقوانين الحرب، ولم يوفر هذا القضاء أي شكل من أشكال الحماية للفلسطينيين وممتلكاتهم في وجه تغول المستوطنين.

كما أن حزمة الإصلاحات التي يهدف التحالف الحاكم إلى اعتمادها، يراد منها إلغاء أي شكل من أشكال التضامن الإنساني في الداخل الإسرائيلي مع الفلسطينيين، حتى مسمى "دعم الإرهاب"، ويشمل ذلك أي نقد للاحتلال، أو أي تلميحات حول حق المقاومة السلمية للفلسطينيين، بما في ذلك قطع الطريق على عرب إسرائيل للوصول إلى الكنيست. ويرى المتابعون للشأنين الفلسطيني والإسرائيلي أنه إذا أفلح نتنياهو في تمرير إصلاحاته القضائية الشاملة، فإنه سيضع نهاية للمشاركة العربية في الانتخابات الإسرائيلية.

هذا إضافة إلى مواقف نتنياهو لتوسيع المستوطنات في أراضي الضفة الغربية وصولاً إلى وضع الأسس لضم أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية ونهاية فكرة حل الدولتين، فقد عين نتنياهو أحد عتاة المتشددين من المستوطنين بتسلئيل سموتريتش، وزيراً خاصاً في وزارة الدفاع للإدارة المدنية في الضفة الغربية، وسحب هذه الوظيفة من الجيش الإسرائيلي في توجه واضح لضم وإلحاق الضفة الغربية.

المراهنة على الدور الأميركي

يقول الكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" توماس فريدمان تعليقاً على رسالة الرئيس بايدن إلى نتنياهو الأسبوع الماضي حول إصلاحات الأخير المقترحة للنظام القضائي، إن بايدن هو أكثر الرؤساء الأميركيين موالاة لإسرائيل وقد جمعته علاقات عمل واحترام متبادل مع نتنياهو، مقراً بأن هذه هي المرة الأولى بتقديره التي يحدث فيها أن يدلي رئيس للولايات المتحدة بدلوه في شأن داخلي إسرائيلي من خلال تناوله لطبيعة النظام الديمقراطي في إسرائيل وإصلاحات نتنياهو القضائية.

وبهذه الرسالة التي يوجهها الرئيس الأميركي فإن نتنياهو يجد نفسه في وضع، إذا استمر في توجهاته الحالية، فإنه لن يكون ليتجاهل مناشدات الرئيس الإسرائيلي والنخب السياسية الإسرائيلية الرافضة لتوجهات تحالفه الحاكم، بل إنه سيكون حينها يتجاهل مناشدة الرئيس الأميركي، وهذه ليست مسألة هينة بنظر الكاتب. فهل يلقي نتنياهو بالاً للتحذيرات الآتية من واشنطن، أو سيركن على غالبيته البرلمانية لمواصلة خطط تغيير شكل نظام الحكم في إسرائيل، بالتالي شكل العلاقة مع الفلسطينيين ونهاية فكرة حل الدولتين.

والأهم مما يجري في الداخل الإسرائيلي، هل تدرك جامعة الدول العربية الأمر قبل فوات الأوان وتضع البدائل السياسية بالتنسيق مع القيادة الفلسطينية لتحرك دولي على مستوى عواصم القرار والأمم المتحدة ومجلس الأمن، أو أن السلطة الوطنية الفلسطينية لم تعد تمتلك أي مبادرة لتغيير الواقع المأساوي وباتت تكتفي بالتخوف من تفكيكها المقبل، تحديداً بعد إطلاق نتنياهو لقنبلة "الحق الحصري" على كل أرض إسرائيل، تحديداً الضفة الغربية.

هل وصلت الحال بالسلطة الوطنية الفلسطينية وانتشار الفساد في أوساطها إلى لحظة الانكسار بعدما ارتهنت لعملية التسوية الميتة، وارتهنت اقتصادياً ومالياً وتشابكت مصالحها مع الإسرائيليين، وباتت تعتمد على الهبات والمعونات الخارجية، فاتسعت الفجوة بينها وبين شعبها الذي باتت تسيطر عليه التيارات المتطرفة والنزعات اليائسة.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس-الاندبنتدنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • مسقط رمانة التوازن الخليجي في العلاقة مع إيران
  • سلاح "الهجرة الجماعية" للدمار الشامل
  • "فليعش سوداننا علما بين الأمم"




  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي