طالبان.. هل يتعلم الطلاب البرغماتية؟
2022-08-20
خالد اليماني
خالد اليماني

انقضى العام الأول منذ ذلك الانسحاب الفوضوي للقوات الأميركية والتحالف الدولي من أفغانستان، وانتصار "حركة طالبان" من دون عناء كبير، بعد حرب امتدت لـ20 سنة، أقرت بعدها القيادة العسكرية الأميركية بما سمي بـ"الفشل الاستراتيجي"، وتبادل العسكريون والإدارة إلقاء اللوم على ما حصل.

وخلال أيام معدودات انهار الجيش الأفغاني المكون من سبعة فيالق بقوام يصل إلى 200 ألف مقاتل، الذي بنته أميركا ودفعت 85 مليار دولار لتنظيم فيالقه القتالية وتسليحها وتدريبها، في مفاجأة لم يتوقعها الأميركيون، ولكن التركيبة القبلية والمناطقية للمجتمع الأفغاني كانت ترجح فرضية انهيار "الجيش الوطني" مثلما انهار الجيش الذي بناه الاتحاد السوفياتي عقب خروج القوات السوفياتية من أفغانستان في فبراير (شباط) 1989، نظراً إلى غياب عقيدة وطنية وتركيبته المتعددة الانتماءات.

كان القادة العسكريون للجيش الأفغاني على قدر من الفساد وكانت قوائم الجيش ممتلئة بالجنود الأشباح، حتى قيل إن عدد أفراد الجيش وصل إلى 300 ألف مقاتل، فيما كانت أجورهم تذهب إلى جيوب القادة الفاسدين الذين كانوا يدفعون للقيادات السياسية الأفغانية لقاء ترقياتهم والتعيين على مناصب رفيعة في المؤسسة العسكرية.

وسرعان ما تلاشى ذلك الجيش الجرار أمام 70 ألف مقاتل من حركة طالبان، وتحديداً بعد انتشار خبر الاتفاق الذي تم في الدوحة بين الأميركيين وطالبان في فبراير (شباط) 2020، وسرعان ما دخل قادة الجيش، وتحديداً أبناء قومية البشتون، بتفاهمات من تحت الطاولة سلموا من خلالها المعسكرات والأسلحة الأميركية والتجهيزات لعناصر الحركة في كل الولايات الأفغانية.

كان لاتفاق الدوحة وقع الصاعقة على حكومة "جمهورية أفغانستان الإسلامية" التي صنعتها مثالية النظرة الأميركية تجاه شعوب العالم، فقد تحقق الجميع من نصر طالبان، خصوصاً وأن الأميركيين لم يأخذوا نظام الرئيس أشرف غني في الاعتبار مع صفقتهم للخروج من أفغانستان.

وبدأت قيادات الدولة في التفكير بالبلدان البديلة لتهريب الأموال التي سرقوها من قوت الأفغان، وليس كما قال الرئيس أشرف غني إن قرار هربه كان وليد الثواني الأخيرة قبل سقوط منطقة القصر الرئاسي بيد طالبان، أو إنه لم يكن يرغب في أن تقوم طالبان بإذلال رئيس أفغاني آخر، في إشارة إلى ما فعلته طالبان الأولى حينما قتلت الرئيس الشيوعي محمد نجيب الله في سبتمبر (أيلول) 1996، الحقيقة المرة هي أن الرئيس أشرف غني فضل أن يترك شعبه يواجه ذلك المشهد الرهيب لتساقط البشر من طائرات النقل العسكري وهي تغادر كابول.

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن قال "لم ندرك فساد كبار ضباطهم وانعدام كفاءتهم، ولم نقدر الأضرار التي نجمت عن التغييرات الكثيرة وغير المفسرة التي قررها الرئيس أشرف غني على صعيد قيادة الجيش، ولم نتوقع أن يكون للاتفاقات التي توصلت إليها طالبان مع أربعة من القادة المحليين بعد اتفاق الدوحة تأثير كرة الثلج، ولا أن يكون للاتفاق الأثر المحبط في الجيش الأفغاني".

وبعد 20 عاماً من أحلام اليقظة، انحسر موج الطوفان في كابول عن واقع كابوسي، لتصحو على وقع حركة مليشيات طالبانية متأمركة، وهي تحمل بندقية إم 16 وتلبس الزي العسكري التابع للجيش الأميركي وتضع النظارات السوداء.

سنة أولى طالبان

في السنة الأولى من حكم الطلاب من خريجي كتاتيب الدين المشوه، كيف هي أفغانستان اليوم؟ هناك من يرى أن طالبان تحاول إعادة أفغانستان إلى ما قبل عقدين من الزمن، إلى فترة طالبان الأولى، فقد تمت العودة إلى تسمية "إمارة أفغانستان الإسلامية"، وألغيت الجمهورية ومزق علمها، أما المرأة فنالت نصيب الأسد من اهتمامات طالبان وكأنها قضيتهم المركزية، فقد تم التنكر لكل حقوقها التي ضمنها لها الإسلام، وتلك التي حققتها كإنسانة في وطنها، وأعيدت إلى البرقع والحظر التام عن الحياة العامة.

هناك من يلاحظ تغييرات برغماتية في طالبان الثانية، وهناك من يعتقد أن ما قد يبدو كبرغماتية ظاهرة هو شكل من أشكال "التقية السياسية"، فمقتل أيمن الظواهري في قلب الحي الدبلوماسي في كابول، وبضيافة أحد أبرز قادة طالبان يؤشر إلى عودة طالبان الأولى، ببساطة كما قالها قادتهم لأنهم انتصروا على أميركا وسقطت هيبة قيادتها للنظام العالمي في عين الأفغاني وهو يرقص في شوارع كابول فرحاً بذكرى "يوم الفخر الأفغاني" وانتصار الإمارة الإسلامية على أميركا وحلفائها المحتلين لأفغانستان.

في العام الأول تقول طالبان إنها حققت كثيراً من الإنجازات وأبرزها القضاء على الفساد، وضمان الأمن في أنحاء أفغانستان كافة وحظر زراعة الأفيون، ويرى المراقبون أن الفساد هو ظاهرة نسبية في مرحلة انتقالية، والعالم يتذكر أشكال الفساد التي كانت سائدة في عهد طالبان الأولى، أما الأمن فهناك مؤشرات لبدء مواجهات مع الأقليات العرقية التي ترفض تحكم طالبان والعرقية الباشتونية بمصائر البلاد، وأما حظر زراعة الأفيون فهناك تقارير للأمم المتحدة تشير إلى عودة انتعاشها نظراً إلى انغلاق الأفق أمام الأفغان في المناطق الداخلية وانتشار المجاعة الواسعة، هذا إضافة إلى بيع الأعضاء البشرية وبيع الأطفال وهي تجارة باتت رائجة في أفغانستان المعدمة.

وخلال العام الماضي أدت العزلة الدولية لنظام طالبان إلى سقوط ملايين الأفغان إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر والمجاعة، وتقول تقارير الأمم المتحدة إن أكثر من نصف سكان أفغانستان يتوجهون نحو المجاعة، وإن 97 في المئة من السكان في خطر السقوط دون خط الفقر مع نهاية العام الحالي، ولم تتمكن خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية الخاصة بأفغانستان خلال العام الحالي من الحصول على أقل من 40 في المئة من 4.2 مليار طلبتها من المانحين الدوليين، وهذه مؤشرات خطيرة ستدفع بالشباب الأفغاني نحو الهجرة أو الالتحاق بالجماعات الإرهابية كـ"داعش" و"القاعدة".

الاشتباك الإيجابي

كانت الإدارة الأميركية وما زالت تعرض على طالبان التخلي عن بعض سياساتها المتطرفة مثل التعامل مع بقية الأعراق الأفغانية وإشراكها في الحكم، واحترام حقوق الإنسان وتحديداً حق المرأة في مقابل الدعم الدولي، ولكن طالبان أبت إلا أن تستمر في سياساتها المتطرفة، الأمر الذي أدى إلى تعليق جميع المشاريع التنموية المدعومة من الخارج، وتجميد تسعة مليارات دولار من الأرصدة الأفغانية.

ويرى عديد الخبراء في الشأن الأفغاني، ومنهم الخبير في مجموعة الأزمات الدولية سعد محسني، أن طالبان الحالية يمكن تقسيمها إلى تيارين، التقليدي المحافظ بقيادة زعيم الحركة هبة الله اخوندزادة وبقية ملالي الجيل القديم من قندهار، مقابل تيار معتدل يقوده الملا عبدالغني برادر، والملا يعقوب مجاهد ابن مؤسس الحركة الملا عمر، وسراج الدين حقاني على الرغم من أن بعض المتابعين يرى في الأخير حركة منفصلة داخل طالبان، وهو يرتبط بعلاقات مع تنظيم "القاعدة"، والتيار المعتدل على الرغم من صمته الحالي يقبل إصلاحات الحد الأدنى في مقاربات الحركة، وتحديداً في موضوع تعليم البنات حتى المستوى المتوسط وبعض حقوق المرأة مقابل الانفتاح على العالم.

وخلال العام الماضي، اتضح مدى فشل دول الجوار الأفغاني مثل باكستان وروسيا والصين في تليين مواقف طالبان، فيما فشلت سياسات أميركا وإداراتها المتتابعة في التعامل مع أفغانستان، كما فشلت في صياغة وثيقة الدوحة التي فاوض عليها السفير زلماي خليل زاد حول مستقبل أفغانستان وركزت على فكرة الخروج الآمن.

وبقيت فكرة الانتقال السلمي للسلطة، وتحديداً إلى حكومة أفغانية شاملة، هامشية في الرؤية الأميركية، لأنها لم تشارك حكومة "جمهورية أفغانستان الإسلامية" ولا بقية القوى الممثلة للطوائف والأعراق الأفغانية المختلفة في مفاوضات الدوحة، وبتقديري فإن هناك فرصة تاريخية تطرح اليوم لمعالجة الوضع الأفغاني عبر تشكيل فريق من الخبراء من منظمة التعاون الإسلامي، مسنود بدعم خليجي قد يسهم في الاشتباك الإيجابي مع طالبان، وقد يشكل مدخلاً لمؤتمر حوار وطني أفغاني يجمع فرقاء الأزمة الأفغانية للبحث في أفضل السبل لإنقاذ أفغانستان، وبناء دولة مستقرة عزيزة لجميع الأفغان على اختلاف مشاربهم السياسية والعرقية، فقد تعب الأفغاني من حروب لا تنتهي وتشرد في بقاع الأرض.

ربما شكلت تجربة طالبان الطويلة في حروب ترث أخرى، وصراع للاستحواذ على السلطة وإقصاء بقية شركاء الوطن، درساً يتعلم منه طلاب الكتاتيب، ولكن هذه المرة بإسناد صادق من أخوتهم لعودة السلام والأمان وإغلاق صفحات الماضي وعودة آلاف اللاجئين، وبناء وطن لجميع الأفغان بلا استثناء.        

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس-اندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • حرب اليمن.. نار تحت الرماد
  • شروط السلام الإثيوبي
  • بغداد والدور العربي الواجب





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي