لماذا فقدت مدينة الجزائر الدفء الثقافي والإبداعي؟
2022-02-10
أمين الزاوي
أمين الزاوي

كانت مدينة الجزائر "الدزاير" أو "آلجي" مدينة لا تنام، لا تسكت، مدينة جميلة خلقت ككائن خرافي على ربوة تطل على الخليج والميناء كبطاقة بريدية، بنايات متداخلة مع غابات على مدرج يشبه المدرجات الرومانية، حين فتح جيل الاستقلال عيونه على مدينته هذه، كانت أنظف مدينة متوسطية، شوارعها مجهزة بقنوات ماء يجلب من البحر مباشرة لتنظيف الشوارع كل صباح، الأرصفة مسطرة بمسطرة فنان والعمارات بهندسة معمارية "هوسمانية" مدهشة، كل شيء مثير للإبداع والنقاش والحماسة.

المدن مثيرة وجذابة ليس ببناياتها وأرصفتها ومقاهيها، المدن الجميلة دفؤها تخلقه نخبها الإبداعية بالأساس، الشعراء والسينمائيون والمسرحيون والروائيون والتشكيليون والصحافيون، وحين تهجر هذه النخب مدنها بما فيها من طاقة خلاقة، على اختلافاتها وصراعاتها وغيرتها، بما فيها من صخب الكلام، وروائح السجائر، فإن المدن تبرد مفاصلها، هكذا مدينة الجزائر العاصمة/"آلجي" اليوم.

مدينة بردت مفاصلها وقد كانت في السبعينيات والثمانينيات مدينة البهجة، وكانت مدينة الجزائر/"آلجي" عشية الاستقلال واحدة من أكثر المدن المتوسطية نشاطاً وحركة، لم تكُن عاصمة للجزائريين فقط، كانت مدينة مفتوحة للمثقفين الثوريين الآتين إليها من كل أصقاع العالم، "مكة الثوار"، وجغرافية الاختلاف، قدموا إليها هاربين من أنظمة قمعية عسكرية أو مدنية، من أفريقيا التي كانت تنهض في مقاومة شرسة ضد الاستعمارات الأوروبية، أو من أميركا اللاتينية حيث كانت الديكتاتوريات العسكرية تنهش القارة، أو من العالم العربي حيث كانت الأنظمة القومية والاشتراكية والوطنية والملكية لا تقبل بالمختلف ولا بالرأي الآخر.

كلما ضاقت الجغرافيا على المثقفين المتنورين كانت مدينة الجزائر فاتحة قلبها واسعاً لهم.

كانت الجامعة بموقعها الاستراتيجي الكائن وسط المدينة في شارع "ديدوش مراد"، حيث توجد أجمل المقاهي التي كانت تُعدّ تحفاً فنية بكل ما تعنيه هذه العبارة من معنى، تحفاً على مستوى العمران والتأثيث والخدمة والاستقبال والرصيف والأمن، كل شيء يدعو للإبداع والسعادة والنقاش.

على بعد أمتار من مدخل الجامعة العريقة، التي تجاوز عمرها الآن قرناً ويزيد، وبمجرد أن تعبر الشارع إلى الرصيف الآخر، ستجد "لابراس دو لافاك"، وهو مقهى وبار ومطعم، هذا الفضاء عرف في فترة الخمسينيات أكبر الوجوه الأدبية العالمية من ألبير كامو مروراً بالناشر شارلو وجان عمروش وإيمانويل روبلس وجاك دريدا وبيير بورديو وصولاً إلى جمال الدين بن الشيخ...

ومع بداية الاستقلال، ظل هذا الفضاء يعج بالحياة، فجمع النخب اليسارية الفرنكوفونية في غالبيتها، كان الفضاء المفضل للشعراء والكتاب والإعلاميين الذين يشتغلون سواء في الجامعة أو في جريدة المجاهد أو في الإذاعة القناة الثالثة بالفرنسية. ومن بين هذه الأسماء التي كانت نجوم هذا الفضاء والتي منحت روحاً متدفقة وحارّة لمدينة الجزائر/"آلجي" من خلال مقهى "لابراس"، نذكر جان سيناك (1926-1973) بلحيته التي تجمع ما بين الماركسية الفوضوية والوجودية والعبثية. كان جان سيناك لوحده يمثل جيشاً من المبدعين، من الإذاعة إلى الجرائد إلى الجامعة إلى المرافعة الشعرية عن التسيير الذاتي الاشتراكي الذي نهجه الرئيس أحمد بن بلة الذي كان مستشاراً لديه، وكان صديقه أيضاً، وصديق تشي غيفارا الذي لم يسلم هو الآخر من سحر مدينة الجزائر/"آلجي"، فجاءها وحاور مثقفيها ومسرحييها وسينمائييها وأدباءها وحاوروه. ومن بين الوجوه الأخرى التي تُعدّ جزءاً من ذاكرة هذا المكان، الذي منح المدينة طاقة إيجابية غير مسبوقة، الشاعر والمجاهد جمال عمراني (1935-2005) صاحب رواية "الشاهد" التي ترجمتها الشاعرة والروائية ربيعة جلطي إلى العربية، والذي كان لا يعتبر هذا الفضاء امتداداً لبيته ولمقر عمله، بمجرد ما تسخن الجلسة ويتعقد النقاش ويختلط ما بين السياسة والإبداع والثورة، يقوم ليقرأ قصيدة بصوته المتميز، ومن الأسماء أيضاً التي لا يُذكر هذا الفضاء إلا إذا ذُكرت الشاعرة والمسرحية الشفافة صفية كتو (اسمها الحقيقي زهرة رابحي) التي لم تستطِع مقاومة البؤس الذي شاهدته يلحق بالمدينة ليلتهمها مع نهاية الثمانينيات، فانتحرت في 29 يناير (كانون الثاني) 1989. ومن الأسماء الشاعرات اللواتي كنّ حاضرات في مجالس "لابراس" الفرنكوفونية الشاعرة المتميزة نادية قندوز (1932-1992)، والشاعرة مريم بان (واسمها الحقيقي مارلين بن حاييم) (1928-2001)، التي كانت أيضاً فنانة تشكيلية متميزة. ومن الأسماء التي كانت لا تتخلف عن هذا الفضاء الروائي قدور محمصاجي الذي كان من المؤسسين لاتحاد الكتاب الجزائريين في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 1963، وقد شغل فيه منصب الأمين العام المساعد إلى جانب الرئيس الذي لم يكُن سوى الروائي الكبير مولود معمري (1917-1989). ومن الأسماء التي كانت حاضرة بشعرها وهدوئها ومساهماتها في النقاشات العالية سياسياً وإبداعياً أحمد أزغار ومالك حداد والهادي فليسي ومولود عاشور والطاهر جاووت والفنان التشكيلي محمد خدة وإسياخم، وبطبيعة الحال لا يكون المكان كاملاً إلا بحضور الروائي والمسرحي الجريء كاتب ياسين الذي كان دائماً ضد التنميط والتقليدية في النقاش وفي المواضيع المطروحة.

بهؤلاء وغيرهم من الكتاب الفرنكفونيين كانت مدينة الجزائر/"آلجي" على تواصل مع العالم المتوسطي، وكانت كتب كثيرين من هؤلاء تُقرأ في باريس وفي الجزائر أو وهران في الوقت ذاته، ويُحتفل بها هنا وهناك.

وأيضاً على بعد أمتار قليلة من مدخل الجامعة، كان هناك مقهى "اللوتس"، الذي يُعدّ هو الآخر ذاكرة حية للمدينة، والذي عرف وجوهاً أساسية ووازنة في الكتابة الإبداعية الشعرية والروائية. في هذا الفضاء كانت تجتمع وتلتقي بشكل خاص النخبة الإبداعية التي تكتب بالعربية، ولم يكُن هناك فرق بين هذه الكتابة وتلك الأخرى بالفرنسية، كان جو مدينة الجزائر الثوري يفرض على الكتاب إيقاعاً خاصاً بغض النظر عن اللغة. وفي هذا الفضاء، كان يلتقي أيضاً المبدعون العرب والسياسيون الهاربون من أنظمتهم الديكتاتورية، وكذلك كثيرون من الأساتذة الجامعيين المتعاقدين مع الجامعة الجزائرية، الذين كانوا أسماء وازنة في الكتابة الشعرية والنقدية. ومن الأسماء الجزائرية التي أعطت بعداً رمزياً لهذا المكان الروائي الطاهر وطار (1936-2010)، والروائي عبد الحميد بن هدوقة (1925-1996)، والباحث الأنثروبولوجي والإعلامي الرحالة الطاهر بن عائشة (1925-2016)، والقصاص والمترجم أبو العيد دودو (1934-2004)، والروائية أحلام مستغانمي، وخلاص الجيلالي وبقطاش مرزاق (1945-2021)، والشعراء أزراج عمر وأبو القاسم خمار وأحمد حمدي وعبد العالي رزاقي ومصطفى الغماري وعبد القادر السائحي (الصغير) وسليمان جوادي وحمري بحري والقاص مصطفى فاسي ومحمد الصالح حرز الله والعيد بن عروس وعبد العزيز بوشفيرات والأدرع الشريف والناقد التشكيلي المهدي لزوم. ولعل أبرز شخصية عرفها "اللوتس" ويسجلها في ذاكرته وذاكرة المدينة هو الشاعر أبو إلياس (1914-1999)، واسمه الحقيقي (العياشي بن سليمان) بقصائده الغزلية الجريئة وحياته الوجودية المطبوعة بالبوهيمية.

ومن الأسماء العربية التي كانت تملأ الفضاء نقاشاً وتعطيه بعداً عربياً، الإعلامي المغربي محمد علي الهواري، ومجموعة من المبدعين الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في الجزائر من أمثال حافظ عليان وحسين أبو النجا وابن الدوايمية وابن الشاطئ (إسماعيل شتات) وسهيل الخالدي. ونشط هذا الفضاء الثقافي الفكري الشعبي المفتوح بأسماء عربية أخرى من أمثال الشاعر السوداني جيلي عبد الرحمن والعراقي عبد اللطيف أطيمش وحسين الأعرجي والناقد اللبناني جورج الراسي وغيرهم...

كانت مدينة الجزائر من خلال هذه الفضاءات الشعبية المفتوحة من جهة على الجامعة، ومن جهة أخرى على الإعلام وعلى العامة، مشتلة حقيقية لجيل جديد من أسماء ستكبر إبداعياً على هامش هذه الفضاءات لتصبح وازنة في الكتابة بالعربية أو بالفرنسية.

اليوم، وقد بردت مفاصل مدينة الجزائر/"آلجي"، وأصبحت هذه الفضاءات الثقافية الإبداعية أطلالاً، وهرب الجميع إلى الحوارات المعطوبة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي التي تفتقد كل حرارة إنسانية، ويُفتقد فيها الحوار الجاد، لا يمكننا أمام هذا الانهيار الرمزي إلا التسريع بكتابة تاريخ مدينة الجزائر الحديث والمعاصر من خلال تفكيك رمزية هذه الأماكن أو الفضاءات التي جمعت النخب التي تفرقت بها السبل لاحقاً مع صعود التيار الإسلامي، وانسداد أفق بناء الدولة الوطنية المعاصرة. إن تاريخ المدن وعافيتها من تاريخ نخبها الإبداعية ونهضتها، وموت المدن من تفرّق نخبها وتشتتها.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • المثقف ما بين السلطة السياسية ومؤسسات الدولة
  • خطر الغالبية في العالم العربي والمغاربي
  • هل بدأت تتهاوى آخر قلاع الفصحى في الرواية العربية؟





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي