الـ "ما قبل الكولونيالية" والـ "ما بعدها": البقايا والقطائع
2021-11-18
أمين الزاوي
أمين الزاوي

لقد غرق الدرس الثقافي والسوسيولوجي الجامعي وكذلك النقاش العام في العالم العربي وشمال أفريقيا خلال السنوات الخمس الأخيرة في مفهوم الـ "ما بعد كولونيالية"، Postcolonial.

دعونا، وبكل وضوح وصراحة فكرية، نسأل ونتساءل: ماذا تغيّر، وما الذي ظل ثابتاً، وما الذي تحوّر في مخيال المواطن في بلدان أفريقيا الشمالية وفي العالم العربي، منذ الاستقلالات الوطنية، مقارنة مع ما كان عليه في فترة الاستعمار التقليدي؟ وما هو الرأسمال الرمزي الذي تشكل في هذا المخيال الجمعي والفردي على مدى نصف قرن من عمر الدولة الوطنية؟

كتابان أساسيان يمكن أن يشكلا مفتاحاً مركزياً لمقاربة هذا السؤال وهما: كتاب "صورة المستعمَر مسبوقة بصورة المستعمِر"، "Portrait du Colonisé précédé de Portrait du Colonisateur" للكاتب التونسي ألبير ميمي "Albert Memmi"، الذي توفي في مايو (أيار) 2020، والذي نشره عام 1957 وقدم له الفيلسوف جان بول سارتر، وفي هذا الكتاب يطرح الباحث، وهو الأمازيغي، مسألة في غاية التعقيد والأهمية وهي "معاداة الآخر" أو "كراهية الغيرية " L’Hétérophobie، وتكمن أهمية هذا الطرح في كونه صادراً عن مواطن تونسي يعتنق الديانة اليهودية، وقد ولد في لسان الحياة التونسية، ولكنه يعيش في مجتمع بغالبية إسلامية ويحمل على المستوى الفلسفي والسياسي رؤية باحثة عن بناء بلد "التعايش" و"المواطنة"، ويسهم فيها ويدافع عنها.

مثقف مناهض للاستعمار، وفي هذا الكتاب الذي كُتب في فترة تميزت بالحماية الاستعمارية بتونس، وبالاستعمار الاستيطاني بالجزائر، حيث كان يدرس بجامعة الجزائر العاصمة، نبّهنا الكاتب إلى بعض المخاوف والمعوقات التي ستعترض بناء الدولة الوطنية الحديثة في فترة "ما بعد كولونيالية"، وأول هذه المخاوف هي هيمنة الغالبية المسلمة على أهل العقائد الأخرى من اليهودية والمسيحية، بالتالي السقوط في تقسيم المجتمع إلى تراتبية دينية، واحدة مهيمنة بالديموغرافيا وبها تحتل الصف الأول في سلّم الأفضليات الوطنية وتوضع في خانة "أهل الجزية"، وهو بالأساس ما يخلق تفكك "التعددية" العرقية والإثنية واللغوية والدينية في دولة وطنية صاعدة تبحث عن الحداثة والقطيعة من الاستعمار التقليدي.

ويضعنا الكتاب أيضاً أمام خطر آخر قد يهدد الدولة ألـ "ما بعد كولونيالية"، وهو مرض "الخوف من الآخر"، وفي ظل تدني الوعي الثقافي والأمية السياسية قد يصل الأمر بالمواطن البسيط إلى عدم التفريق ما بين "الآخر" و "المستعمِر"، فكل من هو غير "مسلم"، فهو بالضرورة "آخر" وكل "آخر" هو "مستعمِر". وهو ما يعرض الدولة الـ "ما بعد الكولونيالية"، وتحت ضغط الغالبية المسلمة، إلى تبني الواحدية والإقصاء ورفض المختلف والتعددية التي هي أساس بناء الدولة الحديثة.

أما الكتاب الثاني الذي يشكل أيضاً مفتاحاً لقراءة المخاطر التي قد تعترض بناء الدولة الحديثة الـ "ما بعد كولونيالية"، فهو "معذبو الأرض"، Les damnés de la terre لفرانتز فانون، الصادر بعد موته عام 1961 بمقدمة أيضاً لجان بول سارتر، الطبيب النفساني والمناضل من أجل استقلال الجزائر، ونظراً لتخصصه النفسي، وقراءته المتميزة للثورة وحطبها من البشر داخلياً، وإدانته ومناهضته لمطحنة الحرب التي تدور على الجهتين ساحقة المواطن الجزائري والفرنسي على حدّ سواء، في هذا الكتاب، وانطلاقاً من الانكسارات النفسية الفردية التي تخلفها الحرب، وقف فرانتز فانون على إشكاليتين أساسيتين هما، "الاستلاب" و"العنف" كظاهرة قد لا تنتهي مع انتهاء الحرب، قد لا تتوقف مع تحقق الاستقلال الوطني، لأن "العنف" قد تحوّل خلال أزيد من سبع سنوات حرب مريرة إلى ما يشبه الثقافة اليومية، ثقافة فردية وجماعية.

اليوم، وبعد انقضاء أزيد من نصف قرن من الاستقلال، أزيد من نصف قرن في محاولة تأسيس الدولة الحديثة (الجزائر وتونس والمغرب) تارة بحسّ اشتراكي، وتارة بحسّ ليبرالي، وثالثة بحسّ إسلامي، نقف على حضور كثير من الأفكار والسلوكيات التي نبّهنا إليها كلّ من ألبير ميمي وفرانتز فانون، في نظريتيهما حول: "رفض الآخر، حول "العنف الفردي والجماعي La violence individuelle et collective، فالحركات الإسلامية التي عرفت صعوداً شعبوياً كبيراً في بلدان شمال أفريقيا والعالم العربي منذ نهاية السبعينات، وتكرست بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، بدأت هذه الكيانات السياسية المتخرجة من مدرسة "الإخوان المسلمين"، تذيع أيديولوجيا "الجزية" واعتبار أن المواطنين من غير المسلمين هم "أجانب"، و"الشهداء" من غير المسلمين من اليهود والمسيحيين الذين انخرطوا في الثورة الجزائرية وضحوا لأجلها ليسوا بشهداء، ومحاربة اللغة الفرنسية واعتبارها لغة الاستعمار مع أن نداء الثورة الجزائرية وغالبية أدبياتها وإعلامها كتب بهذه اللغة، وأن أكبر كتابنا من الأدباء والمفكرين كتبوا بهذه اللغة مدافعين عن الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي، واعتبر هذا التيار الإسلامي اللغة الأمازيغية لهجة وليست لغة وأن الغرض من الدفاع عنها والمطالبة بتدريسها وترقيتها هي منافسة للغة العربية وضرب للإسلام.

أما الأنظمة السياسية التي تعاقبت على سدة الحكم بالوراثة أو بالانقلاب العسكري أو الانقلاب الصحي أو بضغط الشارع فهي متشابهة، فكلما شعرت بأمر يهدد كيانها ووجودها فإنها تخرج بطاقة "اليد الخارجية" أو "المؤامرة الخارجية"، لتلوح بها في وجه خصومها، وفي كل مرة تشعر بعجزها على حل مشاكل التنمية وترقية الإنسان تستثمر في "الأيديولوجيا" الشعبوية الدينية أو السياسية، لتتناغم مع طروحات الإسلاميين أو لتحاول سحب البساط "الشعبوي" من تحت أقدامهم، وذلك في الاستثمار في معاداة التعددية اللغوية، والمغالاة في "أمر" الدين بأسلوب شعبوي كي تقتنص أكبر عدد من المواطنين البسطاء الباحثين عن لقمة عيش وعمل ومدرسة ونقل وصحة.

أمام هذا، فعلى الرغم من أننا في العقد السادس من عمر دولة ما بعد "الكولونيالية" إلا أن المخيال الشعبي الواقع تحت شعبوية التيارات الإسلامية التي أسلمت المجتمع من خلال هيمنتها وتمكّنها من المدرسة، لا يزال يتصرف ويتصور الأمور بالطريقة ذاتها التي كانت عليها في الخمسينيات، أو ما هو قريب من ذلك، في طرق التعاطي مع مسألة العلاقة مع "الآخر" والتعددية الدينية وحرية المعتقد والتعددية الثقافية واللغوية.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس

الاندبندنت غربية



مقالات أخرى للكاتب

  • المثقف ما بين السلطة السياسية ومؤسسات الدولة
  • خطر الغالبية في العالم العربي والمغاربي
  • هل بدأت تتهاوى آخر قلاع الفصحى في الرواية العربية؟





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي