تهديد الأمن المائي العربي
2021-06-23 | منذ 1 شهر
أمل عبد العزيز الهزاني
أمل عبد العزيز الهزاني

المياه في المنطقة العربية مهددة، إما بالجفاف الطبيعي أو بالعدوان عليها من دول الجوار. ظروف التغيرات المناخية والاحتباس الحراري تهديد عالمي، لأنها تؤثر مباشرة في معدل المياه ونشر التصحر، والسياسات الدولية واضحة في محاولات حثيثة لتقليص هذا التأثير. هو هم عالمي، وليس معنياً بدول معينة مع اختلاف ظروف كل دولة وإقليم.
وبشكل خاص، تعيش الدول العربية تهديداً مضاعفاً نتيجة النزاعات والصراعات في المنطقة، وأحد أهم تداعيات هذه النزاعات هو تهديد الأمن المائي ومن ثم الغذائي والاقتصادي. معظم موارد المياه في العالم والمعروفة منها، تتقاسم فيها دول المنبع والدول المشاطئة والمصب منافع الجسم المائي وفق مفاهمات واتفاقيات أو قوانين عرفية، بحيث لا يتضرر أي جانب. لكننا نواجه في منطقتنا أزمات خطيرة بسبب اعتداءات أحادية الجانب. سوريا المعروفة بأنهارها تخوض حرباً منذ عشرة أعوام جعلت من مياهها سائبة يتخطفها أطراف النزاع، أولها تركيا التي تحبس حصة السوريين في مياه نهر الفرات، فانخفض منسوبه إلى مستويات غير مسبوقة. تركيا أيضاً لها دور كبير في تقليص نهر دجلة عن العراقيين بسبب مشاريع الري والسدود التي بنتها كونها بلد المنبع. وإيران تجفف مياه شط العرب والأهوار شرق وجنوب العراق، وتخفض منسوب الأنهار المشتركة بينهما ما أثر بشكل سلبي على محافظات كاملة، منها ديالى وكركوك. أما الأردن فهو رهينة لأهواء الحكومات الإسرائيلية لإمداده من حصته المتفق عليها في اتفاق السلام من مياه بحيرة طبرية، وتعتدي إسرائيل ببناء سدود شمال نهر اليرموك. مخاوف حقيقية تحيط بالأمن المائي العربي لا نراها في دول العالم.
نهر الأمازون الأكبر في العالم يمر بثلاث دول؛ البرازيل والبيرو وكولومبيا، وكل دولة لها حصة لا تنتقص من حصص غيرها. نهر الدانوب في أوروبا يمر بثلاث عواصم أوروبية منطلقاً من ألمانيا. نهر الغانج يمتد عبر القارة الهندية وينتهي في بنغلاديش. أمثلة لا حصر لها من موارد المياه التي تتقاسمها دول الحوض والروافد والمصبات، إلا في منطقتنا، حيث حرمت النزاعات والتدخلات الأجنبية العرب من حقهم في المياه. ونحن اليوم نشهد نزاعاً مائياً كبيراً بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، وهذه الأخيرة في صدد تعبئة سد النهضة لديها بالمياه مما سيضر بالمصالح المائية للدولتين العربيتين. أديس أبابا تقول إن اتفاق سد النهضة أبرم مع الحكومة المصرية السابقة برئاسة الراحل محمد مرسي، وتتمسك ببنود الاتفاق. مصر والسودان طالبا بتصحيح الاتفاق وجرت محادثات طويلة بين الأطراف كلها باءت بالفشل.
ربما من الصعب اليوم حسم ملف المياه السورية أو العراقية بالنظر لتعقيدات كل ملف، لكن ملف نهر النيل، والنيل الأزرق تحديداً، يحتاج إلى وقفة عربية حازمة تجاه محاولات سرقة حصصه المائية. سد النهضة مشروع ضرار، يهدد مباشرة المصالح المائية والاقتصادية للقاهرة والخرطوم، والجامعة العربية طالبت بوقفة جادة بجانب الدولتين العربيتين والبت في النزاع، خصوصاً في عملية ملء السد. مصر لا تمانع، بل وتدعو لتدويل هذا الملف، في إشارة إلى حقها المشروع بالمطالبة بحفظ حصتها من مياه النهر العظيم، ودول كبرى منها الولايات المتحدة قلقة من تطورات هذا الملف. لماذا أقول إن للجامعة العربية دوراً مهماً؟ لأن من الحرج تدويل الملف من دون أن يكون للمؤسسة العربية الجامعة رأي واضح حول هذه المسألة. ومصر تحديداً جادة في منع إثيوبيا من ملء السد وحيازة أكبر من نصيبها في المياه على حسابها وحساب السودان. فما الخيارات أمامنا؟ الخيار الأول هو الموقف العربي، وهذا إجراء سياسي ملزم لكل الدول العربية أمام المجتمع الدولي. ثم إن تدويل قضية سد النهضة طريق طويل لكنه ضروري كإجراء متحضر لفك النزاع، وغالباً نتيجته مرضية لكل الأطراف. إثيوبيا من جهتها أدانت موقف الجامعة العربية المساند لمصر والسودان، على اعتبار أن هذا الملف قضية أفريقية يقودها الاتحاد الأفريقي وليست عربية، وأن من يقود الوساطة في المفاوضات هي دولة جنوب أفريقيا وأيضاً الكونغو، دولة المنبع. جولات التفاوض مستمرة، ومصر والسودان يميلان إلى تدويل الملف وسماع رأي القانون الدولي فيه.
الحقيقة أن البلدان العربية تمر بمشكلة استراتيجية حقيقية تهدد الإمدادات المائية والنشاط الزراعي وإنتاج الطاقة الكهربائية، والجامعة العربية مطالبة بتقديم أضعف الإيمان، وهو التنديد بكل الممارسات الهدامة والاعتداءات ببيان الخرائط الجغرافية وعرض المعلومات والمتغيرات في مواردها المائية بكل شفافية أمام المجتمع الدولي. الجامعة العربية كيان معترف به دولياً، ومن حقه تسجيل موقف في أي قضية تمس العرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس



مقالات أخرى للكاتب

  • باكستان والتمسك بعروة الاقتصاد
  • حقوق الإنسان وعين الدولة
  • كيف حال المرأة السعودية؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي