اللبنانيون أمام فرصة وطنية ودولية: حان وقت التغيير
2019-12-09 | منذ 2 شهر
علي الأمين
علي الأمين

بعد مرور خمسين يوما على انتفاضة 17 أكتوبر، أطلقت بعض مجموعات الحراك الشعبي في لبنان مبادرة “المقاومة السلمية”. وتضمّن البيان الأول دعوة لإطلاق دينامية التغيير عبر الانتقال من دائرة المطالب المعيشية والاقتصادية التي يرفعها الحراك الشعبي، إلى دائرة التغيير السياسي، وهي دعوة تحمل عنوان “حان وقت السياسة”، انطلاقا من أن رفض السلطة الاستجابة للمطالب المحقة للمحتجين، جعل من الواجب الذهاب نحو تغيير قواعد اللعبة السياسية، التي تتحصن بها السلطة اللبنانية.

إذ ليس خافيا أنه وبعد مرور أكثر من خمسين يوما على الانتفاضة، تتمسك السلطة بخيار إعادة إنتاج قواعد السلطة ذاتها، أي منع إحداث أي تغيير حقيقي في قواعد اللعبة السياسية المغلقة على نخبة سياسية وطائفية تعيد إنتاج نفسها منذ أكثر من ربع قرن، وهي التي أوصلت إدارتها للشأن العام ومؤسسات الدولة، إلى أزمة اقتصادية ومالية، وعاثت في الدولة فسادا لم يعد محتملا من قبل اللبنانيين، وأدى إلى عجز في تلبية الدولة لأدنى احتياجات الشعب، وهذا ما عبّرت عنه رسائل رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، إلى قادة الدول الغربية والعربية، حين استنجد بهم لمساعدة لبنان على تأمين اعتمادات مالية لتوفير متطلبات الأمن الغذائي للبنانيين.

وهي أزمة كما بات معروفا ناشئة من تراجع السيولة المالية بالعملة الصعبة، التي أدت إلى فقدان المصرف المركزي القدرة على تلبية حاجة السوق إلى الدولار من أجل استيراد حاجات لبنان ومختلف البضائع من الخارج.

العجز المالي والنقدي والأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تستفحل، لم يدفعا السلطة إلى الاستجابة لمطلب رفعه المحتجون ولا يزالون لتشكيل حكومة إنقاذ من خارج النادي السياسي، أي من شخصيات نزيهة ومستقلة، هدفها وضع وتنفيذ خطة إنقاذ على أن تمهّد لانتخابات نيابية مبكرة بعد ستة أشهر.

لم يقنع السلطة حراك الشارع المستمر بلا توقف ضدها، ولم تفلح الاحتجاجات في دفع السلطة إلى تغيير في سياسة المحاصصة التي لا زالت تتحكم في عملية تأليف الحكومة الجديدة، علما أن أطرافها أنفسهم يحيلون الفساد المستشري وعملية نهب المال العام إلى سلطة المحاصصة هذه، ورغم هذا الإقرار فلا تغيير في مقاربتها لتشكيل الحكومة.

والخلاف الناشئ اليوم بين أطراف السلطة، يرتكز على وجهتي نظر غير متباعدتين، والفارق بينهما في الشكل لا في المضمون المشترك، أي إعادة إنتاج السلطة.

الأولى، يمثّلها حزب الله وحليفاه رئيسا الجمهورية ومجلس النواب، وتقوم على تشكيل حكومة تكنوسياسية، أي حكومة تضم سياسيين واختصاصيين، ويعيّنون من قبل أطراف السلطة نفسها.

والثانية، يمثّلها رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، الذي يدعو إلى تشكيل حكومة تكنوقراط، أي من الاختصاصيين ويسميهم أطراف السلطة أنفسهم.

انطلاقا من هاتين النظرتين، فالثابت أن التغيير المقترح من أطراف السلطة، هو في أفضل الأحوال بالنسبة إلى المحتجين، تغيير شكلي وغايته إعادة إنتاج الحكومات السابقة نفسها. وكان لمشهد اعتذار المرشح لرئاسة الحكومة سمير الخطيب عن الدخول في نادي المتنافسين إلى موقع الرئاسة، إشارة إلى أن السلطة لا تريد المغامرة بالتفريط بالرئيس سعد الحريري، لإدراكها، ولاسيما قلب هذه السلطة ورأسها حزب الله، أن التفريط بسعد الحريري سيجعل الحزب أكثر انكشافا أمام الشارع وأمام المجتمع الدولي، لاسيما وأن تجربة حزب الله مع الحريري منذ التسوية الرئاسية أظهرت، على ما يبدو، أن لا بديل له عن الحريري في رئاسة الحكومة، إلى جانب أن الأخير يبدو الأكثر قدرة على التعامل مع المجتمع الدولي بما يخدم إلى “حدّ مقبول” مصالح حزب الله.

انطلاقا من ذلك فإن الاستشارات المرتقبة التي تأجلت أسبوعا، أي إلى الاثنين المقبل، تتجه لتسمية الحريري، وهذا ما رفضه المنتفضون وعبّروا عنه برفضهم تسمية الخطيب أيضا، والتمسك بمطلب حكومة مستقلين.

في الموقف الدولي لا يبدو أن لبنان، الذي سيكون، الأربعاء، على طاولة المجموعة الدولية لبحث سبل دعمه، في موقع قوي خاصة وأنه لا توجد مؤشرات تدل على أن ثمة خطوات من قبل السلطة اللبنانية، توحي بالثقة. فالثقة الداخلية باتت شرطا دوليا لدعم لبنان، رغم ما يبثّه مسؤولون في حزب الله، من أن “دعم لبنان اقتصاديا وماليا مشروط بتشكيل حكومة جديدة من دون التدخل في مواصفاتها”، فيما تشير المعلومات إلى أن دولا عديدة شاركت في مؤتمر سيدر لدعم لبنان، لن تُقْدم على تقديم العون للبنان طالما بقي لبنان أسير معادلة السلطة القائمة والتي عجزت، وما زالت تعجز، عن استعادة سيادة الدولة من جهة، ولا توحي بالثقة لجهة إدارة عملية الإنقاذ من جهة ثانية.

وإن كان هذا الموقف مزعجا للسلطة القائمة، فإنه يلبي مطلب المحتجين الذين أعلنوا بوضوح أنهم لا يثقون بهذه السلطة للخروج من الأزمة الخانقة.

لذا فإن فرصة التغيير السياسي في لبنان، تتخذ هذه المرة أبعادا جدية، من حيث توفّر العناصر الموضوعية لإحداثه. والعنصر الحيوي يتمثل في توحّد اللبنانيين على أن مطلب التغيير يقوم على أساس وطني، من دون توسل أي عنوان طائفي أو حزبي أو جهوي، ولكن هذا ما يفرض تحديا أمام المنتفضين مفاده أن عملية التغيير الفعلي تتطلب تغييرا لقواعد اللعبة السياسية، أي تقويض نظام المحاصصة بتأمين خيارات بديلة تكون نتاج تفاعل حقيقي بين مكونات الحراك الشعبي، مستفيدين من مناخ دولي يدفع باتجاه قيام سلطة تتسم بثقة الشعب، وبالقدرة على إدارة عملية إنقاذ لبنان بأكبر قدر من الشفافية والإنتاجية.

حان وقت السياسة، وهو تحد يفرض نفسه بقوة على مجموعات الحراك الذي بات، أمام واقع إدارة السلطة ظهرها له، مجبرا على الانتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة، تستفيد من زخم الشارع وحيويته وضغط الأزمات من جهة، ومن الرغبة الدولية في مساعدة لبنان لاستعادة موقعه كدولة تتسم بشروط طبيعية وموضوعية من جهة أخرى، كبديل عن الانهيار الذي تدفع به سياسات الدولة الحالية، والذي شكّل خطرا ليس على لبنان فحسب بل حتى على سواه من الدول.

  • كاتب لبناني


مقالات أخرى للكاتب

  • خمسة مكاسب للانتفاضة اللبنانية.. ماذا عن خيار العنف

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي