سيرة حياة لم تكتمل
2019-11-21 | منذ 3 أسبوع    قراءة: 80
أ.د. صبري مسلم حمادي
أ.د. صبري مسلم حمادي

ولدت في قرية جميلة على ضفاف نهر الحلة المتفرع من نهر الفرات ، وهي قرية السادة التابعة لمحافظة بابل من أسرة فلاحية أبا عن جد، كان والدي أميا لا يعرف القراءة والكتابة، ولكن والدتي تعلمت القراءة والكتابة في بيت والدها الشاعر والخطيب السيد أحمد حمودي الحسيني، وكانت مدرستي الأولى التي سمعت منها ودونت عشرات الحكايات الشعبية والخرافية وأبيات الأبوذية والدارمي وأصناف الأدب الشعبي الأخرى.

وكانت مكتبة جدي السيد أحمد العامرة بأصناف الكتب القديمة والمعاصرة آنذاك هي مصدري الأول، إذ وجدت فيها الروايات العالمية وحتى الروايات البوليسية وأبطالها أرسين لوبين وشرلوك هولمز وسواهما جنبا إلى جنب مع الكتب التراثية كالعقد الفريد والبيان والتبيين للجاحظ بتحقيق حسن السندوبي في الثلاثينيات من القرن الماضي.

التحقت بعد الدراسة المتوسطة مباشرة بدار المعلمين في الحلة نظرا لأن راتب المعلم كان مغريا بالنسبة لشاب قروي مثلي آنذاك، وقد التقيت بالدكتور نعمة رحيم العزاوي الذي كان أستاذا في دار المعلمين آنذاك حيث شجعني كثيرا على كتابة الشعر ، واستمرت علاقتي معه حتى بعد أن أصبح معاونا لمدير التربية في الحلة. وكانت أول مدرسة عينت فيها هي مدرسة خيكان الغربي الابتدائية ، ولا أدري لماذا غير اسمها إلى مدرسة طول كرم.

أكملت الدراسة الثانوية والبكالوريوس وأنا معلم ، وكنت الأول على قسم اللغة العربية في دورتي 1972- 1973 . أبرز الأساتذة الذين تأثرت بهم في دراستي للبكالوريوس هم دكتور جلال خياط ودكتورعناد غزوان ودكتور أحمد مطلوب ودكتورة خديجة الحديثي ودكتور رزوق فرج رزوق ودكتور داود سلوم الذي تشاركت معه في تأليف كتاب القصص الشعبي العراقي، وهو إنجاز متميز في حينه إذ جمعنا فيه معظم الحكايات الخرافية والشعبية التي نشرت في مجلة التراث الشعبي وكان بعضها من أفواه الرواة. ولم أتأثر بهؤلاء الأساتذة الأفاضل علميا فقط بل تأثرت بهم سلوكا ولطفاوتواضعا ، وعذرا إذا كنت قد نسيت بعضهم.

التحقت بعد ذلك بجامعة القاهرة والتقيت هناك بالدكتورة سهير القلماوي التي ناقشت أطروحتي للماجستير (أثر التراث الشعبي في الرواية العراقية)، ومعها الدكتور محمود الربيعي (مناقش خارجي من كلية دار العلوم) ، وكانت المشرفة على البحث هي الدكتورة نبيلة إبراهيم سالم. كما التقيت برئيس القسم آنذاك الدكتور يوسف خليف الذي عرض علي موضوعا سهلا للماجستير يمكن إنجازه بستة أشهر وهو عن شاعر عباسي، ولكني كنت أفضل أن أتخصص بالأدب القصصي الشعبي والفصيح.

التقيت أيضا هناك بجامعة القاهرة بالدكتور عبد المحسن طه بدر الذي أفدت من منهجه وأسلوبه في التحليل كما تأثرت بالدكتور عبد المنعم تليمة الذي كان لديه صالون أدبي كل أسبوع. والتقيت أيضا بالدكتور طه وادي والدكتور أحمد علي مرسي والدكتور علي عشري زايد والدكتور حسين نصار وآخرين. وقد كانت جامعة القاهرة وأساتذتي هناك مرحلة مهمة في حياتي العلمية والشخصية على حد سواء.

وحين قبلت بجامعة بغداد للدكتوراه فضلت أن أبقى في ميدان الرواية العراقية ، حيث سجلت موضوعا تحت عنوان "صورة البطل في الرواية العراقية" وأعني به الشخصية الرئيسة في العمل الروائي التي تتمحور حولها كل عناصر الرواية.

التحقت بجامعة الموصل عام 1986 بدرجة مدرس ثم أستاذ مساعد ثم درجة أستاذ عام 1995 . بعدها انقطعت عن الدوام أواخر عام 1997 وعدت إلى مدينتي (الحلة) بسبب الظرف القاهر الذي كنت أعيشه أنا وأسرتي، وقد تبلورت فكرة الهجرة في ذهني منذ ذلك الحين، وكنت قد فكرت بذلك بعد حرب الخليج الثانية حين استشهد لي شقيقان في تلك الحرب الغبية التي شنها ذلك الديكتاتور الأحمق الموهوم بأحلام العظمة والتوسع عن طريق الغزو والحروب، فضلا عن أني كنت قد استأجرت بيتا في الموصل ، وحين استشرى الحصار واشتد أصبح مرتبي ومرتب زوجتي لا يسدان قيمة إيجار البيت، لا سيما أن راتبي بعد حصولي على الأستاذية قد أصبح بالآلاف إثر سقوط قيمة الدينار العراقي حيث أن قيمة هذه الآلاف لا تساوي سوى ما يعادل عشرة دولارات أمريكية ، وأما زوجتي التي حصلت على الدكتوراه آنذاك فإن مرتبها الشهري كان يعادل ثلاثة دولارات، ومجموع الراتبين هو أقل بكثير مما طلبه المؤجر.

وصلني بعد ذلك إنذار من جامعة الموصل، وحين لم أستجب، أصبحت في عداد المستقيلين، وقد سافرت بموجب كتاب استقالتي إلى اليمن عام 1999 . وحين طالبت جامعة الموصل هذه الأيام بإنجاز معاملة تقاعدي، لأن مدة خدمتي أكثر من ثلاثين عاما قيل لي أن ملفي أحرقه الدواعش مع ملفات أخرى وفي هذه الحالة ضاعت علي ثلاثون عاما من الخدمة المدنية.

في اليمن التحقت بجامعة ذمار أستاذا ثم عميدا لكلية الآداب وبعدها رئيسا لقسم اللغة العربية، وفي الحقبة التي كنت فيها عميدا لكلية الآداب أنجزت أكثر من إنجاز للكلية وبرفقة زوجتي الدكتورة وجدان الصائغ التي كانت رئيسة لقسم اللغة العربية ، وقد اقترحت هي فكرة مجلة أكاديمية ، واستطعنا إصدار المجلة طوال مرحلة وجودنا هناك ، والمجلة ما تزال تصدر لحين كتابة هذه السطور على الرغم من الظرف القاهر الذي تعيشه اليمن حفظها الله وأهلها. وثمة إنجاز آخر هو فتح برنامج ماجستير في جامعة ذمار وقبول أعداد من طلبتنا هناك فيه، وهم الآن أساتذة في اليمن وبعضهم متعاقد مع جامعات عربية مرموقة، وصلتي بهم قوية وما تزال قائمة، وهم على وجه العموم في غاية الوفاء. وثمة إنجاز آخر هو إقامة مهرجانات وندوات ومؤتمرات بالتعاون مع الدكتور عبد العزيز المقالح الذي كان رئيسا لجامعة صنعاء ومستشارا لرئيس الجمهورية آنذاك ، وكان معظم أدباء اليمن يحضرون هذه اللقاءات الأدبية وبضمنهم وزير الثقافة خالد الرويشان ووزير الإعلام ووزراء آخرون لا أذكر أسماءهم.

بعد ذلك سنحت لي فرصة هجرة إلى أميركا مع أسرتي وهناك وجدت فرصة تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها في كلية واشتناو بمدينة أن آربر ولاية مشيكان ، وما أزال أدرس فيها لحد الآن.

بشأن صلتي الحميمة بالشعر كنت قد كتبت قصائد كثيرة في عمر مبكر ونشرتها في الصحف والمجلات المحلية ولم أجمعها في ديوان لأني انشغلت بالنقد والدرس الأكاديمي والبحث، ولا أعد نفسي شاعرا نظرا لانقطاعيعن نظم الشعر، ولأن قصائدي لا أعتد بها كثيرا قياسا بمنجزي النقدي الذي أعتز به.

وحين أعود إلى مرحلة جامعة الموصل وعلى مدى أحد عشر عاما أو أكثر بقليل، أجد أنها مرحلة في غاية الأهمية في حياتي الأكاديمية حيث اجتزت مرحلتين أكاديميتين وحصلت على الأستاذية بوقت قياسي، لأن بحوثي ودراساتي كانت أكثر من المطلوب للترقية. وعلى الصعيد الاجتماعي ارتبطت بنصفي الثاني وجدان التي أكملت الماجستير والدكتوراه بجامعة الموصل، ورزقنا بولد جميل وبنت أجمل هما قبس وشمس، وقد نعمت بصداقات حميمة مع زملاء وطلبة وسواهم، وأذكر من أصدقائي الحميمين دكتور سعيد عدنان ودكتور عبد الإله الصائغ ودكتور حسن عودة ودكتور إبراهيم العلاف ودكتور طارق الجنابي ودكتور مكي نومان، ومن طلبتي دكتور شريف بشير ودكتور فاضل الحمداني ومحمد علي السيد وعذرا لمن لم أتذكر أسماءهم.

واستقر بي المطاف مع أسرتي في مدينة جميلة هي أن آربر بولاية ميشيغان الأمريكية، وقبلها مدينة ديربورن ذات الحضور العربي بحيث تحس فيها بأنك في إحدى الدول العربية. وكان انطباعي الأول للمغترب (بفتح الراء) المختار بمثابة الصدمة بالنسبة لي، لا سيما وأن وصولنا إليه كان في بداية يناير كانون الثاني حيث يكتسي كل شيء باللون الأبيض مع برد شديد لم أشهد مثله، لا في العراق ولا في اليمن، فضلا عن أني كنت بلا عمل سوى التواصل مع المجلات والصحف العربية والمحلية التي تصدر بالعربية. ولكن الأمر اختلف حين ساعدني أحد الأصدقاء على الحصول على فرصة تدريس في كلية واشتناو بمدينة أن آربر التي تبعد مسافة ثلاثة أرباع الساعة بالسيارة وفي ظروف جوية قاسية وخطرة. وكدت أعتذر لولا أن وجدان زوجتي قررت أن تقبل بالفرصة، لا سيما أننا جميعا وجدنا سكنا مناسبا في أن آربر. وحين حصلت وجدان على فرصة أخرى في جامعة ميشيغان، كانت الفرصة متاحة لي لتدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها في كلية واشتناو، وهنا تغيرت ظروفنا تماما لأن الحياة هنا في أمريكا بوجه عام غير ممكنة بلا عمل، وينطبق هذا على كل الأعمار إلا فيما ندر.

طلبتي بوجه عام خليط من كل بلدان العالم ، فهناك العربي والباكستاني والهندي والصيني والكوري والإسباني والمكسيكي......وهم يبدأون معي من مستوى المبتدىء الذي لايعرف شيئا عن العربية صعودا إلى المبتدىء الذي يعرف الحروف والتحيات والألوان وبعض الحوارات وأسماء أعضاء الجسم وأوليات أخرى. والجيد في الأمر أنني على تواصل دائم مع الأجيال الصاعدة التي تهتم بالعربية ومنهم أبناء العرب المولودون هنا في المهجر وهم لا يعرفون العربية الفصحى بل قد يعرفون بعض الكلمات لإحدى اللهجات لبلدانهم العربية.

ولأن عملي لا يستغرق مني سوى يومين فقط لذلك فإن لدي متسعا للقراءة والكتابة ومراسلة المجلات والصحف العربية والتواصل مع الأصدقاء عبر وسائل التواصل المتاحة، وهذا مما يسعدني ويخفف الإحساس بالاغتراب لدي. ولكن الإحباط الذي يعيشه وطني الأول العراق الذي يحتضن أحلى ذكرياتي يصيبني بأقصى الحزن ولا أقول اليأس، لأن الحياة لا يستقيم معها اليأس وهي تعطينا الفرصة تلو الأخرى وعلينا أن نغتنمها. وإذا كنت قد أحببت وطني الثالث هنا فإنني أحن إلى وطني الأول العراق وإلى وطني الثاني اليمن ، وصدق أبو تمام حين قال:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول

رفع الله الغمة عن العراق واليمن وبقية الأقطار العربية التي ابتليت بقادتها ومسؤوليها ممن لا ضمير لهم، ولكن الأجيال المقبلة بدأت ترفض هذا الوضع المزري لبلدانهم وأتوقع أن يأتي جيل آخر من القادة الجديرين بمناصبهم والمتفهمين لأوضاع بلدهم بحيث تستقطب أوطاننا الجميلة أبناءها المغتربين وتحتفظ بأبنائها الموهوبين ممن يمكنهم أن يصنعوا لبلدانهم مستقبلا أفضل.

 


** أستاذ الأدب الحديث بجامعة الموصل سابقا
أستاذ النقد الحديث في جامعة ذمار وعميد كلية الآداب الأسبق*
أستاذ اللغة العربية في قسم اللغات الأجنبية بكلية واشتناو – أن آربر- ولاية ميشيغان حاليا*

 



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي