لماذا يجب أن يكون العمل 5 ساعات في اليوم ولمدة 4 أيام في الأسبوع؟
2019-11-12 | منذ 4 أسبوع    قراءة: 67
كال نيوبورت
كال نيوبورت

كال نيوبورت*


جذب رائد أعمال ألماني، يُدعى لاس راينغانز، الاهتمام منذ أن نشرت صحيفة The Wall Street Journal الأمريكية مؤخراً تقريراً عن تطبيقه لفكرة جديدة في شركته الناشئة التي يعمل بها 16 موظفاً. تتمثَّل هذه الفكرة في يوم عمل مدته خمس ساعات لأربعة أيام فقط في الأسبوع. لم يُقرر راينغانز تقليل الوقت الذي يقضيه موظفوه في المكتب فحسب، بل قلّل إجمالي وقت العمل كليّاً. إذ يصل الموظفون محل العمل في تمام الساعة الثامنة صباحاً ويغادرون في تمام الساعة الواحدة ظهراً، ولا يُتوقع منهم بعد ذلك تنفيذ أي مهام ذات صلة بالعمل حتى صباح اليوم التالي.

هذا التمييز بين الوقت المنقضي في المكتب والوقت المنقضي في العمل كليّاً هو أمر بالغ الأهمية. في عصر البريد الإلكتروني والهواتف الذكية الحالي، امتد وقت العمل، بحيث أصبح يتخلل مختلف ساعات يومنا على نحو متزايد -في أوقات المساء والصباح وعطلات نهاية الأسبوع والإجازات- مما جعل فكرة تحديد ساعات عمل يومية ثابتة تبدو غريبة. لقد دُفعنا إلى هذا الإفراط نتيجة تصوّر ما غامض بأنَّ كل هذا التواصل المحموم سيجعلنا أكثر إنتاجية.

يراهن راينغانز على عدم صحة هذا التصوّر. تستند تجربته إلى فكرة مفادها أنَّه بمجرد إزالة عناصر الإلهاء المهدرة للوقت وتقييد المحادثات غير الفعّالة بشأن العمل، ينبغي للخمس ساعات أن تكون مدة كافية لإنجاز معظم الأنشطة الأساسية التي تحقق بالفعل إنجازاً مجدياً.

لدعم هذا النهج الجديد، أمر راينغانز موظفيه بترك هواتفهم في حقائبهم بالمكتب وحجب إمكانية الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي من على شبكة الاتصالات الخاصة بالشركة، بالإضافة إلى تحديد قواعد صارمة لتقليل مدة الاجتماعات (بحيث أصبح معظمها لا يتجاوز حالياً 15 دقيقة). وربما الأهم من ذلك، يفحص موظفوه حالياً البريد الإلكتروني الخاص بالعمل مرتين فقط في اليوم -لا توجد عمليات تبادل للمحادثات والرسائل تُشتّت انتباههم أو استراق النظر إلى رسائل صندوق الوارد أثناء العشاء أو على هامش حضور الأحداث الرياضية لأطفالهم.

    أعتقد أنَّ مرحلة العمل المعرفي اليوم تعادل مرحلة تصنيع السيارات في عام 1913. الطريقة التي نعمل بها حالياً بسيطة وملائمة. نظراً لأنَّ جميع الأشخاص يستطيعون التحدث إلى بعضهم البعض في أي وقت من خلال رسائل البريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة الفورية، فإننا نترك ساعات العمل تمتد مع استمرار تبادل عدد ضخم من المحادثات غير الهادفة عبر الفضاء الإلكتروني.

وصفت صحيفة The Wall Street Journal نهج رينغانز بأنَّه «راديكالي». لكن بصفتي شخصاً يفكر ويكتب عن مستقبل العمل في عصر التكنولوجيا الفائقة، أصبحت اعتقد أنَّ الأمر الراديكالي حقاً يتمثَّل في حقيقة عدم وجود مؤسسات كثيرة أخرى تحاول إجراء تجارب مماثلة.

من السهل نسيان أنَّ النظام، الذي يعمل كثيرون بموجبه حالياً، هو جديد. إذ لم يُطرح مصطلح «العمل المعرفي» حتى وقت صدور كتاب «معالم الغد الجديد» في عام 1959 للكاتب الأمريكي بيتر دراكر، والذي جادل فيه بأنَّ «العمل القائم على التفكير والاستخدام المُكثّف للمعرفة» كان يتأهب للظهور ليصبح قطاعاً رئيسياً من قطاعات الاقتصاد، الذي كان لا يزال في ذلك الوقت يهيمن عليه الإنتاج الصناعي. كان دراكر محقاً بالطبع لأنَّ ما يقرب من نصف قوة العمل في الولايات المتحدة الأمريكية -بحسب بعض التقديرات- تعمل الآن في تلك المهن، التي تتطلب قدرات معرفية.

ومع ذلك، لا تزال بدايات ظهور العمل القائم على المعرفة مختلفة تماماً عن نمط حياتنا المهني الحديث. إذ للانتقال من نمط مرحلة فيلم «The Man in the Gray Flannel Suit»، التي تتميز بأوقات غداء طويلة وموظفين يتولّون أمر إجراء المكالمات وتوصيلها، إلى مرحلتنا الحالية من الاتصال المحموم المستمر، كان يتعيّن علينا الانتظار حتى وصول أجهزة الحاسوب المكتبية المتصلة بشبكة الإنترنت أثناء ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والتي جعلتنا متصلين رقمياً بعضنا البعض عبر أدوات مثل البريد الإلكتروني، تليها ثورة الهاتف الذكي في بداية القرن الحالي، التي جعلت هذا الاتصال واسع الانتشار. بعبارة أخرى، يبلغ عمر هذا النهج القائم على نظم العمل المعرفي، الذي تسعى خطة راينغانز «الراديكالية» إلى قلبه رأساً على عقب، ما بين 10 إلى 20 عاماً على أفضل تقدير.

يُعلّمنا تاريخ التكنولوجيا والتجارة أنَّه ينبغي لنا التشكيك في فكرة أنَّنا قد توصلنا إلى أفضل طرق إدارة العمل المعرفي في عصر الاتصال الشبكي في مثل هذا الوقت القصير. تأمل ثورة مماثلة: التطور البطيء في عمليات التصنيع المعقدة. بحلول أواخر عام 1913، كان هنري فورد، مثل بقية معظم مصنعي السيارات الآخرين في ذلك الوقت، لا يزال يُصنّع السيارات باستخدام «الحرف اليدوية». إذ يجري إنشاء كل مركبة في مكان ثابت على أرضية المصنع، حيث ينقل العمال القطع المختلفة اللازمة لتجميع المركبة. وكانت المكونات المعقدة مثل المولّد المغناطيسي لا تزال تُصنّع يدوياً على يد عامل ماهر يجلس على مقعد عمل ثابت. بعبارة أخرى، كانت السيارات في تلك المرحلة لا تزال يجري تجميعها إلى حدٍ كبير بنفس الطريقة التي أنشأ بها كارل بنز أول سيارة تعتمد على احتراق البنزين قبل ثلاثة عقود سابقة.

في عصر البريد الإلكتروني والهواتف الذكية الحالي، امتد وقت العمل حتى أثناء جلوسنا في البيت!

اتّسم هذا النمط للتصنيع اليدوي بالبساطة الملائمة. لكن بعد ذلك، أطلقت شركة «فورد» الأمريكية لتصنيع السيارات سلسلة من التجارب الجريئة لاستكشاف أنماط عمل جديدة من شأنها التخلّي عن البساطة، والملائمة لصالح تحقيق مزيد من الفعالية. حققت هذه التجارب نجاحاً بالطبع. في أوائل عام 1913، تطلّب إنتاج سيارة فورد طراز T وقت عمل مدته حوالي 12 ساعة ونصفاً. وقد تقلّصت هذه المدة الزمنية إلى 93 دقيقة فقط بحلول عام 1914، بعد أن افتتحت شركة فورد خط تجميع ذا تدفق مستمر مدعوم بأدوات متخصصة.

أعتقد أنَّ مرحلة العمل المعرفي اليوم تعادل مرحلة تصنيع السيارات في عام 1913. الطريقة التي نعمل بها حالياً بسيطة وملائمة. نظراً لأنَّ جميع الأشخاص يستطيعون التحدث إلى بعضهم البعض في أي وقت من خلال رسائل البريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة الفورية، فإننا نترك ساعات العمل تمتد مع استمرار تبادل عدد ضخم من المحادثات غير الهادفة عبر الفضاء الإلكتروني.

على النقيض من ذلك، ما يحاول لاس راينغانز تطبيقه هو أقل بساطة وراحة بدرجة كبيرة. إذا لم أستطع الوصول إليك ببساطة عبر رسالة بريد إلكتروني سريعة في أي وقت، سيتطلّب عملي مزيداً من التّدبر. ربما تغفل بعض الأشياء وقد يشعر بعض العملاء بالاستياء أحياناً. لكن يجدر بنا تذكُّر أنَّ اتجاه شركة «فورد» نحو إدخال خط تجميع سيارات بدلاً من الاعتماد الكامل على الحرف اليدوية كان أيضاً خطوة أكثر تعقيداً وأقل راحة بصورة كبيرة.

بعبارة أخرى، الاعتقاد بأنَّ نهجنا الحالي في العمل المعرفي هو أفضل طريقة لإنشاء معلومات قيّمة باستخدام العقل البشري هو اعتقاد متعجرف ويفتقر إلى المعرفة الواعية بتاريخ الأعمال. هذا يعادل الاتجاه نحو إنشاء مصنع للسيارات يعود إلى أوائل القرن العشرين، حيث لا تزال كل سيارة تحتاج إلى نصف يوم من العمل لإنتاجها، ثم الإعلان بجرأة «أننا توصّلنا إلى أفضل الطرق».

    أعتقد أنَّ مرحلة العمل المعرفي اليوم تعادل مرحلة تصنيع السيارات في عام 1913. الطريقة التي نعمل بها حالياً بسيطة وملائمة. نظراً لأنَّ جميع الأشخاص يستطيعون التحدث إلى بعضهم البعض في أي وقت من خلال رسائل البريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة الفورية، فإننا نترك ساعات العمل تمتد مع استمرار تبادل عدد ضخم من المحادثات غير الهادفة عبر الفضاء الإلكتروني.

إذا كنت محقاً وما زلنا في مرحلة مبكرة من هذه المرحلة الجديدة من العمل القائم على المعرفة الرقمية، فإنَّ النُهج الأكثر إنتاجية -ونأمل أن تكون أكثر جدوى وأقل استنزافاً- لتنفيذ هذا العمل تظل بادية في الأفق. لا أحد يعرف تحديداً كيف سيبدو مستقبل هذا العمل المعرفي. لكنني أتفق مع لاس راينغانز في الاعتقاد بأنَّه من بين تحولات أخرى، سيكون هناك رفض لفكرة أنَّ الثرثرة الإلكترونية المستمرة تُعد وسيلة جيدة لاستخلاص القيمة من عقول البشر على نحوٍ فعَّال.

لهذا السبب، أشعر بالسعادة عند رؤية تجارب مثل تجربة لاس راينغانز بشأن تقليل عدد ساعات العمل، بالإضافة إلى قراءة تقارير هذا الأسبوع عن تجربة شركة Microsoft في فرعها باليابان بخفض عدد أيام العمل الأسبوعية إلى أربعة أيام فقط خلال فصل الصيف (ووفقاً للشركة، أدى هذا النظام إلى زيادة الإنتاجية بنسبة 40%). لم يتّضح بعد ما إذا تُعتبر هذه الابتكارات هي الطريقة الصحيحة تماماً لإدارة الشركات التقنية، أو ما إذا كان بإمكانها الانتشار لتمتد إلى مجالات أعمال أخرى. لكن الأمر الصحيح في هذا الشأن هو العقلية الاستكشافية، التي قادت إلى هذه التجارب. إذا كنت منهكاً من العمل اللانهائي ورسائل صندوق الوارد المتدفقة مثل العديد من العاملين في مجال المعرفة الرقمية، فالخبر السار هو أنَّ ثمة طرقاً أفضل وأكثر استدامة لاستخلاص مخرجات ذات قيمة من عقلك ربما تكون في طريقها للظهور، وذلك في حال نجحنا في العثور على ما يكفي من الحالمين وأصحاب الرؤى الذين لديهم استعداد لتجربة «أفكار جديدة راديكالية» حول أفضل السبل لإنجاز الأعمال.

-أستاذ بجامعة جورج تاون*
-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأمريكية وتم إعادة نشره بالانجليزية

في القسم الانجليزي من موقع الأمة برس https://thenationpress.net/en/articles-140.html.*

 

 

 

 

 



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي