العارفون وملهاة النرجس

2021-03-15 | منذ 2 شهر

درويش

محمود بركة*

“لذكرى ميلاد محمود درويش”

تتناص حياة البشر بالنّص الأقرب “للكوميديا الإلهية والإنسانية” حين تتشرب الأصوات ترميز قصاص الأثر بين الفهم والمفهمة، “كما لو كان نائماً”، يتبع المجهر المصاب بالخلخلة، فلا يرى المرء إلا مرايا الأثر، بتزامن مناخ بداية الشاعر لصوت الرصاص فوق القرية النائمة، والخروج فجراً لجهة الريح، إذ يسأل الشاعر لاحقاً بموجب ذاكرة الحصان والأب، إلى أين تأخذنا يا أبي؟ نواة هجرة اللاجئ المستمرة إلى عودة الصخر، يقتلع الخبز والثوب والكتاب “ليشرب من ذاكرة القمح”، في بلاد شقت بطونها مداولات الاستعمار، من استعمار سلة غذاء العالم لأرض الدموع والمسيح، لاحتلال يهندس الهيكل ويختبئ في سرداب لغة مسروقة، ليحولها كتلة تذوب في اختراقات الوقت، وسياسات الغفران (الذكية) ما يلوذ أهميّة البحث لتصورات الفلسفة الشعرية، وخوذة مقالات الكاتب الشاعر، يتذكر الراحل خيري منصور، “محمود درويش لم يمت بما يكفي لوداعه، وفق طقوس الثقافة العربية، التي طالما سخر منها، وأذكر أنه قال لي بعد صدور كتابه النثري، الذي ودّع فيه عدداً من أصدقائه الراحلين، بأن مديونية الرثاء قد يضاف إليها الربا، في واقع تحول إلى حفلة تنكرية، وصارت اللغة فيه أداة لتعميق التواطؤ والصمت”.

 وإذ ننظر لما قد تمنحنا قبضة تحرير الماضي، كرحلة البحث لإجابة لا يشكلها السؤال “لشاعر يمر”، ونسأل في وحشية الفوضى وعالم الأسلاك الحرجة، عن شاعر لا يُقاس بسؤال الحاضر، لتصبح سياقات الأسئلة في جبل الرماد، على غير سيكولوجية السؤال عند درويش “ماذا يفعل المنتصر بالنصر، ماذا يصنع المهزوم بالهزيمة”، وبعودة ميلاد الغائب كليشية حجر النرد “ما بين مُفترس وفريسة” يتناول عبد الرحيم الشيخ، متلازمة الشاعر، ما أضيق الرحلة، ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة “حيث شهدت الرحلة والراحلة” مشهديات تضرب قلب السؤال “لثلاثية الإزاحات، ينتقل الشاعر، مكانياً، من الوطن المحتل، إلى المنفى المتدرج، وينتهي في الساحة الخلفية للوطن التاريخي”، يستكمل الشيخ، تناوله الشارح لمنطق تحولات درويش السياسية “من شاعر المقاومة إلى شاعر الوطن المحتل، من الشاعر العام إلى الشاعر الكوني”، وهذا ما نلوذ البحث حوله، لقراءات الاستدلال الفكري للمشروع الأول لشاعر مضغته صواعق الأرض المحتلة وعصافير الجليل في حقيبة أسفاره، ولسيرته ذائعة الصيت، من فلسطين إلى موسكو إلى القاهرة ولبنان وتونس وفرنسا، وعواصم تعددت في حياته المكانية، نقف عند ما جاء به رجاء النقاش، عقد درويش مؤتمراً صحافياً في مبنى الإذاعة والتلفزيون في القاهرة في فبراير/شباط 1971 “أريد أعلن منذ البداية أن مسألة وجودي في القاهرة مسألة شخصية، أتحمل وحدي مسؤولية اختيارها، وسأبذل منتهى جهدي للحيلولة دون تحويلها إلى موضوع للمناقشة والأخذ والرد”.

تكمن أهمية البيان من الناحية التاريخية كوثيقة توضيحية لمفاصل اختيارات الشاعر، بعدما فشل الحزب الشيوعي (المعروف) في تحقيق حماية نضال المشروع الوطني، ومن أجل استمرار قلمه مصدر وجوده المباشر والحيّ، يستمر الشيخ في شرح دراسته “التجربة النادرة.. النصر والهزيمة والمنفى” في شرح خوارزمية درويش وإنتاجه الأدبي، بتأصيل البعد السياسي والزمني لقصائده ووقوع التناص لفكرة الشعر القاسي “المأساة بين الأمريكيين الأصلانيين والفلسطينيين” في خطبة الهندي الأحمر، وما يفهم من مواقفه الشعرية كديوانه “ورد أقل” ورسائل راشد حسين وقصائده غير المنشورة كقصيدة رقصة افريقية، وما وجد من قصائد على طاولة الزعيم مالكوم إكس، ودور إميل حبيبي في حياة درويش، أتى عادل الأسطة، بمقاله المنشور، يتناول حياة درويش الشعرية، مراحل الشاعر، البداية الأولى 1960من ديوان البدايات “عصافير بلا أجنحة”، التي عكست طفولته الشعرية لشاب مراهق بلا وعي سياسي، إلى مرحلته الثانية فترة 1964 إلى 1967، التي يرى فيها الأسطة بداية الاختلاف في نهج الكتابة والتوجه، من خلال “أوراق الزيتون”، “اَخر الليل”، والمرحلة الثالثة بين 1971 إلى 1983، وتنقسم إلى قسمين إقامته في القاهرة وبيروت، في القاهرةأإصدر ديوانه، “أحبك أو لا أحبك” وشهدت هذه الفترة التطور الفني الذي رافق بناء قصائده، ومع إقامته ببيروت كتب درويش قصائد الرثاء لرموز الثورة الفلسطينية، مثل، عز الدين القلق وماجد أبو شرار، وغسان كنفاني، في المرحلة الرابعة بين تونس وباريس ما بين 1982 إلى 1995، التي إصدر فيها مجموعاته الشعرية “هي أغنية هي أغنية، أرى ما أريد ” المرحلة الخامسة، مرحلة أوسلو ما بين 1995 إلى 2000، حيث إصدر خلالها، على سبيل المثال، “سرير الغريبة” (1999) و”جدارية”، المرحلة السادسة ما بين 2002 إلى 2006، بدأت مع الانتفاضة الثانية، أصدر خلالها، “حالة حصار”، “لا تعتذر عما فعلت”، “كزهر اللوز أو أبعد”، “لا خاتمة لما مضى” ويأتي لشاعر النسيان والجرس “نظرتُ إلى ساعة يدي لأعرف ما هو عمري الاَن، خجلت من النظرة: هل ينظر المرء إلى ساعة يده ليرى عمره”، وبغير ذلك يتحول الشعر كابوسا من الملل في حكايات الأوساط الثقافية ومصيدة الاستقطاب، ونسيان السؤال، حين نبحث عن حكايات ما قبل النوم, أين القصيدة بمفهوم الحدث؟

 

  • كاتب فلسطيني

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي