"حياة الكاتب السرية" رواية عن أسرار الكتابة والصمت والعزلة

متابعات الامة برس:
2021-03-13 | منذ 1 شهر

محاولة كشف الحقيقة والشخصيات المركبة (لوحة للفنان سعد يكن)

ممدوح النابي: ثيمة إنصاف الضحايا منتشرة باطراد في الخطاب الروائي (العالمي والعربي على السواء)، وقد يقوم بها الشخص نفسه أو من ينوب عنه، ففي رائعة “الكونت دي مونت كريستو” (تأليف إلكسندر دوما بالتعاون مع أوغست ماكيه) ثمة انتصار للعدالة بانتقام البطل إدموند دانتي قائد السفينة الذي عاد بها ببراعة بعد وفاة قبطانها، ممّن تسببا في دخوله إلى السجن بعد اتهامه بالخيانة وهما: دانجلرز محاسب السفينة، وفرناند مونديجو.

وفي الأدب العربي جعل نجيب محفوظ بطل روايته “اللص والكلاب” (1961) سعيد مهران يسعى إلى تحقيق العدالة بنفسه، بعدما خذلته الثورة، وقد ضاق ذرعا بالتفاوت الطبقي، وبالمثل صفية في رواية “خالتي صفية والدير” (1991) لبهاء طاهر، هي الأخرى نصّبتْ نفسها خصما وقاضيا وجلادا وعاقبتْ حربي حتى الموت على جريمة لم يرتكبها، لكنها كانت تستجيب للعرْف في تحقيق العدالة. وأحمد سعداوي في روايته “فرانكشتاين في بغداد” (2014) يجعل المسخ “الشسْمة” (التي تعني وفق المصطلح العراقي الذي لا اسم له) أو المجرم إكس، ينتقم “لضحايا يطلبون الثأر لموتهم حتى يرتاحوا”.

الكاتب الشبحي

لا تختلف رواية غيوم ميسو الجديدة “حياة الكاتب السرية”، الصادرة مؤخرا عن دار نشر نوفل – هاشيت أنطوان 2020، بترجمة رانيا الغزال، عن جملة الروايات التي ينشد فيها الأبطال العدالة، حتى ولو تحولوا إلى مجرمين عتاة. فالتجربة الصادمة التي عاشتها الطفلة ماتيلد موني فيرنوي ظلت محفورة في ذاكرتها، ولازمتها طيلة عشرين عاما، بل احتفظتْ في ذاكرتها الفردية بدليلها على القاتل؛ أي الحذاء الذي رأته وهي مختبئة أسفل السرير.

ظلت ذكرى الحادثة تطاردها وتقضّ مضجعها، فطيلة العشرين عاما راحت تجمع الخيوط وتفتش عن القاتل، وقد ازداد حماسها بعدما وصلتها فلاشة الصور التي كانت على الكاميرا التي فقدت على أحد الشواطئ. وبالفعل نجحت في تحديد هوية القاتل، وهو ما جعلها تمارس دور الجلاد لمعاقبته. والروائي المعتزل ناثان يحقق العدالة بنفسه ضد ألكسندر فيرنوي الذي قتل حبيبته بأن يخطتفه ويقوده إلى جزيرة بومون المتوسطية. وديبير والد صوفيا هو الآخر ينتقم ويحقق العدالة من كريم عمراني وأبولين شابوي.

الرواية – إجمالا – تندرج تحت روايات التحري والاستقصاء، وهي ثيمة بوليسية بامتياز؛ حيث البحث عن معلومة مجهولة بغية الوصول إلى الأسرار الخفية، والأمر هنا لا يقتصر على السارد رافايل باتاي (المؤلف الشاب) فقط، بل تقوم به أيضا شخصية ماتيلد التي تتحرى حول أصحاب الصور، وبالمثل تقوم بإنجاز ملف عن الكاتب ناثان فاولز.

ونحن نسير خلف الراوي، مترقبين كشف الأسرار الخفية لاختفاء الكاتب، نفاجأ بهذا السؤال:

ما تعريف الرواية الجيدة؟

لكل شخصية جريمة تلاحقها (لوحة للفنان سيروان باران)

السارد الغائب يوقف حركة السرد اللاهثة ليقدم درسا نقديا عن سمات الرواية الجيدة. وهو في الأصل يستعير السؤال من جون إيرفينغ، وهو واحد من الكولاجات التي امتلأ بها النص، لا يترك السؤال معلقا وإنما يأتي جوابه كالآتي “أن تخلق شخصيات تثير حب قرائك وتعاطفهم. ثم تقتل هذه الشخصيات، وتجرح قارئك. وهكذا سيذكر دائما روايتك”. هذا المفهوم للرواية، يستعين به غيوم ميسو في القسم الثالث وتحديدا في وحدة “وأسدل الليل ستاره” إذ تتكشف الكثير من الحقائق الصادمة في الرواية.

بكل تأكيد هذا المفهوم ينطبق على هذه الرواية فحالة التعاطف المقترنة بشغف وفضول المعرفة، التي لازمت القارئ مع بدء سرد الحكاية عن انعزال الكاتب ناثان فاولز، لا تلبث أن تتحول – قرب نهاية الرواية – إلى النقيض؛ إذْ يتحول الحب والتعاطف إلى كراهية ونفور، بل يتبدل هذا كله في القسم الأخير المسمى “خاتمة” إلى ذهول ودهشة!

رواية ميسو تجمع بين روايات القراءة؛ حيث ثمة حبكة بوليسية مثيرة، تجعل القارئ (السلبي) يلهث خلفها بحثا عن الحقيقة؛ حقيقة الاختفاء ولغز هذا التحول من الشهرة إلى الانزواء، والكتابة إلى الصمت، وهو ما يشحذ أفق انتظار القارئ عن أسباب هذا الاختفاء؟ لكن في ظني أن كل محاولات القراء ستذهب سدى وهم يلهثون خلف الإحساس بالنهاية، فكما يقول الناقد فرانك كيرمود “عندما نقرأ رواية فإننا ومنذ السطور الأولى نتوقع نهاية الرواية”. فالمؤلف بسرده المشوق ذي الحبكة البوليسية؛ كسر حواجز التوقع بالنهاية، فإلى آخر صفحات الرواية نحن مع أحداث جديدة، ومثيرة تغير مسار القراءة والتأويل.

رواية تندرج تحت روايات التحري والاستقصاء

 وفي نفس الوقت هي رواية تنتمي إلى النصوص الكتابية بتعبير رولان بارت؛ بما تثيره من إشكاليات متعلقة بالكتابة ذاتها، فالنص يحتاج إلى قارئ إيجابي نشط، منتج يشارك (إن لم يتجاوز) الكاتب في إنتاج نصه، إضافة إلى إثارته لقضايا متعلقة بالنشر والإبداع وعلاقة الصراع بين المبدع – الناشر، وبصفة عامة، بكل ما يتعلق بسياسة النشر من توزيع وانتشار وحفلات توقيع وجوائز، ومن ثم يكتسب النص تعددية المعنى، فالقارئ شريك في إنتاجه، بإضفاء تأويلات جديدة.

أول شيء نلاحظه هو هيكل الرواية الذي يتشابه مع تقسيم الكتب الفكرية، فالرواية وفقا لهذه البنية الشكلية تتكون من مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة. الأقسام الثلاثة كالتالي: الكاتب الذي لم يعد يكتب، الملاك الذهبي الشعر، الحقيقة المرة، وتحت كل قسم مجموعة من الفصول بعناوين مستقلة. ولكي يضع المؤلف القارئ في حيرة وارتباك، يجعل المقدمة باسم جان ميشيل دوبو، وهو اسم لا علاقة له بمؤلف الكتاب، يوجز فيها حكاية المروي عنه ناثان فاولز وقصة انعزاله في الجزيرة.

 ثم نجد خاتمة تتكون من جزأين، بتوقيع المؤلف نفسه غيوم ميسو، وهي تنقسم إلى قسمين الأول يأتي على هيئة سؤال “ما هو مصدر الإلهام؟”، وبعنوان فرعي طويل نسبيا “تعليق على هامش: حياة الكاتب السرية” ويسرد فيه علاقته بالجزيرة ورحلته إليها، والأهم يواصل فيه كشف أسرار ناثان فاولز، الذي يقدمه لنا على أنه تزوج من ماتليد وأنجبا طفلا، أما الجزء الثاني فهو بعنوان “بين الحقيقة والخيال” كاشفا عن مصادر إلهامه، رادا بعض العناصر السردية إلى أصلها البعيد، في حرص على الفصل بين الخيالي والمرجعي.

مع أن اسم غيوم يظهر أسفل عنوان الخاتمة، إلا أنه أثناء إسهابه في السرد عن تفاصيل رحلته إلى الجزيرة وشرائه لمنزل ناثان فاولز، يخبرنا أنه أثناء انهماكه في أعمال الصيانة والترميم للمنزل كي يتخلص من شبح فاولز، بدأ وفي نفس الوقت بكتابة رواية “خجل القمم”، وهذه الرواية هي التي قدمها السارد باتاي لـ”دار نشر كالمان ليفي” – كما هو واضح من تقرير الرفض في الرسالة المثبتة في أول الرواية – ورفضتها، ثم أعطاها لناثان وما إن قرأها حتى أعجب بها ونصحه بألا يتأخر في إصدارها، علاوة على تقرير لجنة القراءة عن “دار نشر كالمان ليفي” الذي يرد فيه اسم رافايل باتاي وعنوانه، وكأننا أمام لعبة جديدة من ألعاب السارد، التي يسعى بها إلى إحداث ارتباك لدى القارئ في ما بين المتخيل والواقعي.

 لو قرأنا الرواية قراءة سطحية، كما يهيئها العنوان الخارجي “حياة الكاتب السرية” أو السيرة المختصرة في أول الكتاب عن معتزل بومون، لاستطعنا القول إنها مجرد رواية تحكي عن حياة الكاتب ناثان فاولز، الذي اختفى عن الساحة الأدبية معتزلا – في جزيرة بومون بالبحر المتوسط – كل ما حققه من نجاحات بعد روايته الأسطورية “لوريلاي ستراينج”، رافضا رفضا قاطعا التواصل مع وسائل الإعلام أو الإدلاء بأية تصريحات، فقد آثر الكاتب على حد تعبير وكيله الأدبي جاسبر فان ويك، أن يكمل حياته في إنجاز أمور أخرى “لقد طوى للأبد صفحة الكتابة، وعالم النشر”، وكأن الكاتب يتمثل لشعار جزيرة بومون القائل “لكي نعيش بسعادة، علينا أن نعيش في الخفاء”، دون أن يعلم أن كل ما خفي مصيره الكشف والفضح، وهو ما حدث، وانكشفت مع السر أسرار وأسرار.

هل لنا أن نقبل بهذا الطرح الذي يسعى المؤلف إلى تأكيده (بالعنوان) والناشر (بكلمة الغلاف – النص المحيط) والراوي (بطبيعة التحري التي بدا عليها)، والترويج بأنها حكاية عن كاتب ينشد العزلة، إذا كان الأمر هكذا فيجب أن نفكر في هذه الأسئلة: ما سبب هذه العزلة؟ ولماذا تغاضى عن مجده الأدبي؟ وهل ما قدمه وكيله الأدبي مقبول أو مقنع؟ في ظني أن الرواية تتجاوز هذا كله – وإن كانت لا تغفله – إلى معان أعمق وأبعد من تناول سيرة حياة كاتب منعزل فقط. لتقدم لنا بصورة بعيدة عن الخطابة، إدانة للحروب وبشاعتها، وكذلك الرأسمالية المتوحشة التي تتاجر بالبشر أحياء وأمواتا؛ الحرب التي تخلق ضحايا جدد، بالطبع هم ليس الذين سقطوا في رحاها، وإنما كذلك الذين شوهتهم الحرب داخليا، فصاروا بالانتقام، لا يقلون عدوانية ووحشية عن مجرمي الحرب الحقيقيين.

صحراء أدبية

تبدأ الرواية – في إطار حالة التشويق التي يحدثها الراوي – بحكاية الكاتب الشاب رافاييل باتاي، بضمير الأنا، والذي يروي جزءا كبيرا عندما يصل إلى الجزيرة عن فاولز، فيخبرنا بأنه هو ابن الرابعة والعشرين عاما، الجامعي، الذي يعمل في وظائف صغيرة فقط لدفع الإيجار، رافضا البحث عن وظيفة تناسب اختصاصه، ألّف رواية بعنوان “خجل القمم” ورفضت دور النشر نشرها، ثم خاض رحلة بحثه عن كاتبه المفضل، وبالفعل يذهب إلى الجزيرة، مستغلا عرض عمل لمدة ثلاثة أشهر في مكتبة صغيرة في الجزيرة، وما إن يتم قبول طلبه حتى يذهب إلى الجزيرة، وهناك يتحايل كي يصل إلى منعزل الروائي فاولز في “لا كروا دو سود”، وينجح في كسر عزلته، ويترك له مخطوطة روايته التي رفضتها دار النشر، طالبا منه بعض النصائح لتحسين كتابته.

وإن كان ثمة سبب آخر مضمر يسعى إليه وهو الكشف عن سر ناثان فاولز، وأسباب توقفه عن الكتابة بعد أن حطمه الحزن على حبيبته التي قتلها – على حد وصفه – “أسوأ نوع من الأنذال”. وهو ما يتحقق له، بل يستطيع في نهاية الرواية علاوة على كشفه شخصيات الرواية وأدوارها الملتبسة في جريمة القتل التي روعت أمن وسكون الجزيرة، وهي المتصلة بالجريمة التي حدثت في فرنسا عام 2000 بعد انتصار فرنسا في بطولة كرة القدم الأوروبية بجيل زين الين زيدان، وراحت ضحيتها أسرة مكونة من أب (ألكسندر فيرنوي) وأم (صوفيا) وطفل (تيو) في الحادية عشرة من عمره، وإن كان سيتضح في النهاية أن الأب ألكسندر فيرنوي الطبيب المشهور لم يمت في المجزرة بل اقتيد كي تمارس عليه عقوبة جريمته، ولكن بشكل آخر.

حكاية الروائي الشاب تأتي في إطار الحكايات الكثيرة المتعددة، أو ما يسمى خيط القصة (story – line)، والتي يمررها المؤلف على خلفية البحث عن سر فاولز؛ حكايات تكشف لنا دور الكاتب الفعلي، وليس الشخصية المنعزلة الجالسة في برج عاجي، بل هي متأثرة بما يحدث من حولها من صراعات وموقفه منها بالمجابهة لا بالصمت، فالكاتب مثقف عضوي بتعبير غرامشي.

  النص يكتسب تعددية المعنى من خلال ألعاب السارد، التي يسعى بها إلى إحداث ارتباك للقارئ بين المتخيل والواقعي

نرى الراوي يستعرض لنا عالم النشر وطبائع الناشرين، وعلاقة الناشرين بالمؤلفين، والجوائز الأدبية، والبيست سيلر، وكأن المؤلف أشبه بعين على الواقع الثقافي، يقدم رؤية واقعية من داخل المطبخ نفسه، عبر شخصية المروي عنه فاولز، وما تعرض له من إكراهات ورفض وتهميش قبل أن يحتل هذه المكانة، وهو درس بليغ للكاتب الناشئ بألا ييأس، وأن الفشل – في حد ذاته – يمهد للنجاح، مستعرضا لنماذج من الأعمال التي صارت علامات وقصص رفضت في البداية من الناشرين، فرواية كاري لستيفن كينغ رفضت من ثلاثين ناشرا، كما رفض الناشرون المجلد الأول من هاري بوتر، واعتبروه طويلا بالنسبة إلى الأطفال، أمثلة كثيرة يسوقها الكاتب الشاب باتاي، كما يتحدث عن النشر والكتب في ظل العصر الرقمي.
 في الرواية أفكار عن الأدب الحقيقي والأدب الكلاسيكي الموجه إلى الجمهور العريض، والقارئ الحقيقي أو القارئ النموذجي بتعبير إمبرتو إيكو الذي يضفي على النص ثراء ومعاني لم يكن يقصدها المؤلف، فالكاتب لا يكتب لنفسه إلا قائمة المشتريات، فكما يقول إيكو “كل الكتابات – عداها قائمة المشتريات – هي رسائل موجهة إلى شخص آخر”، وخيبة أمله في ما يرى من واقع أدبي صادم هو “صحراء أدبية”.

تنتقد الرواية وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة التي شوشت الحياة بالأخبار المغلوطة والمزيفة، وإن كانت من جانب آخر – وعن طريق غير مباشر- تثني على ما تقدمه هذه الوسائل من معلومات سريعة ومفيدة، تسهم بشكل مباشر في الكشف والتحري.

 كما تنتقد الرواية الحرب وما تخلفه من ضحايا وتحذر عما يمكن أن ينتج من القهر الذي تمارسه آلة الحرب، وما يفعله المنتفعون كما يستعرض للحروب والصراعات، وضحايا الحروب والمافيا التي تتاجر بكل شيء في الحروب، وهذا التأثر كما سنعرف بعد تعرض حبيبة الراوي للقتل على يد مافيا وعصابات الحروب، يحدث التحول في شخصية الروائي المشهور، فيكرس حياته للبحث عن القتلة، ويذهب إلى كسوفو، ويقتفي دور التحري فيستقصي المعلومات عن هذه العصابات، إلى أن يصل طرف الخيط الذي يقوده إلى ألكسندر.

التقنية كذبة

غيوم ميسو حمّل روايته بأفكار عن الأدب وعالم النشر والمؤلفين والقراء الذين شرّكهم في لعبة الكتابة والسرد

في الرواية ثلاثة ألغاز، الأول هو لغز اختفاء الكاتب، والثاني والثالث متعلقان بجريمتي قتل غامضتين؛ الأولى منذ زمن بعيد حيث جرت أحداثها في فرنسا، وظل القاتل مجهولا حتى يتم اكتشافه في نهاية الرواية، والثانية حدثت في الجزيرة – على شاطئ تريستانا بيتش – عقب زيارة باتاي للعمل مع المكتبي، وكانت من البشاعة، إذ تمّت ممارسة عنف مفرط على جسد المرأة العاري الذي ثُبّت إلى جذع شجرة، معلّق بأزاميل لقطع الخشب. فطحنت عظامها وانغرزت في جسدها، وكانت الجثة لامرأة في الثامنة والثلاثين من عمرها وهي أبولين شابوي.

 على مستوى التشكيل ثمة راويان يتنازعان السرد؛ الأول، هو باتاي الذي يسرد بالضمير الأنا، باعتباره شاهد عيان، أو شخصية روائية، موقعها بالقرب من الشخصيات، فهو يسرد من منظور علاقته بالشخصيات التي يلتقي بها: أوديبير وناثان (بحكم عمله معه في المكتبة، ومحاوراتهما ثم التنقيب عن أوراقه) وماتيلد (عبر ما عثر عليه من صور ورسائل في بيتها)، وأيضا هو يسرد بحكم موقعه كروائي يؤلف نصا عن سر حياة ناثان عنونه بـ”حياة الكاتب السرية”، تتقاطع أجزاء منه مع المحكي الروائي.

الراوي الثاني، يروي بالضمير الثالث/ هو (الغائب)، وهو غير منفصل عن المروي عنه ولا الفضاء الذي تدور فيه الأحداث، فهو أقرب إلى شخصية داخل النص، إلا أنه يأخذ مسافة زمكانية كي يسرد بحيادية؛ سرده يجمع بين الخطاب المباشر الحر، والخطاب المباشر غير الحر، وإن كان يغلب السرد الممزوج بالوصف خاصة في سرده عن ناثان، فيأتي سرده أشبه بتسجيل يوميات. هذا الراوي له موقع متميز داخل النص، يقوم بضبط حركة السرد.

 تتجاور في النص خطابات متعددة منها الأخبار الصحافية، وقرارات إدارية (على نحو قرارات بلدية جزيرة بومون)، وقد تضمنت بعض التحذيرات خاصة بعد حادثة القتل، وأيضا الحوارات الصحافية، إلى جانب الرسائل والاعترافات، والتحقيقات والصور (عبر أوصافها لا بعرضها) ومقتطفات من برامج تليفزيونية (برنامج بويون دو كلتور) المقالات الصحافية التي هي أشبه بتقارير، وبذلك يصبح الخطاب السردي حاملا لخطابات متعددة جميعها أسهمت في بلور ة الرؤية النهائية، وفي نفس الوقت يعمل على الإيهام بالواقع.

 في معرض تعريفه للرواية يقول ناثان “إن الرواية هي خيال، والخيال من الناحية التقنية كذبة”. هنا نحن أمام درس في الكتابة الأدبية، ليس مثل الدرس الذي ذهب إليه باتاي وخسر ألف يورو، وإنما درس تطبيقي عبر كتابة نصوص بالتوازي على النص الأصلي لاحظ التوجيهات التي قدمها ناثان لباتاي بعد قراءته لروايته: (راجع ص، ص 123، 124)،إذ تعتمد الراوية على تقنية الحكاية داخل الحكاية، والصحيح حكايات داخل الحكاية/ الإطار، فتتوالد حكايات وإن بدت منفصلة على مستوى الزمان والمكان والأحداث، إلا أن ثمة خيطا رفيعا يصل بينها، وتنتهي الحكايات المتفرقة إلى حكاية واحدة، فحكاية أبولين شابوي وكريم عمراني التي تحكيها ماتيلد لناثان، هي جزء من حكاية صفكيور حبيبة ناثان وقصة مقتلها. ثمة عناصر أشبه بوشائج الاتصال بين هذه الحكايات، فماتيلد وناثان هما الخيطان المكملان للحكايات الناقصة.

 لا ننسى في الأخير أن ثمة تنوعا في الأساليب داخل النص فتارة يلجأ الراوي إلى السرد الشخصي، وطورا يجعلنا نتجول مع عين الكاميرا، التي ترصد بدقة التفاصيل، ومرة ثالثة تأتي الحكاية في قالب إخباري؛ على نحو القصة التي ترويها ماتيلد عن حكاية الكاميرا، فهي تقدم معلومات لمتلق/ ناثان، وبالمثل الراوي المتحري حيث يكشف عن تفاصيل دقيقة مثلا عن شخصية القتيلة أبولين شابوي فيسرد جزءا من تاريخها الشخصي والمهني، وكأنه يقدم تقريرا لجهة أمنية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي