أمازيغيات في حروبهن الصغيرة في فرنسا

2021-02-12 | منذ 4 شهر

سعيد خطيبي*

أيّ حياة يعيشها مهاجرون مغاربيون في ضواحي المدن الفرنسية؟ قد نستعجل الإجابة بالقول إنها حياة مشوبة بصدام مستميت مع صحوة اليمين المتطرف، في السنين الأخيرة، وضد مظاهر معاداة الإسلام التي اتسعت، لكن المهاجرين من شمال القارة السمراء ونسلهم حولوا يومياتهم إلى قصص أيضاً وروايات، باتت بعض الأعمال التي وقعها أبناء مهاجرين في الصف الأول من الروايات الفرنسية، وجدت جمهوراً لها ونقاداً تخصصوا في الاشتغال عليها، بعض الكتّاب صاروا نجوماً، نذكر منهم ـ مثلاً ـ فايزة قان، لكن أدب الضواحي الفرنسية، إذا صحت التسمية، ليس موضة طارئة، بل يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما ظهرت رواية «ابن الشعبة» لعزوز بقاق (1957) الذي سرد فيها قصصا من بيئته في ضاحية من ضواحي مدينة ليون، واستمرت تلك الكتابة بشكل خجول، يحتكرها في الغالب كتّاب من أصول جزائرية، إلى أن ظهرت عام 1997 رواية شكّلت مرجعاً، بعنوان: «أمازيغية عنيدة» وهي باكورة الكاتبة مينا سيف، فرنسية من أصول مغربية، وقد أعيد إصدارها، قبل أسابيع، في شكل كتاب جيب، وهي مناسبة كي نتوقف عند هذا العمل، الذي يؤرخ لحياة عائلات مهاجرة تقتسم عمارة، في واحدة من ضواحي مدينة مارسيليا، في فترة لم يكن فيها اليمين المتطرف بمثل قوته اليوم، ولم تكن معاداة الإسلام من مفردات نشرات الأخبار والجرائد اليومية.

محو الشخصيات الرجالية

بطلة الرواية اسمها «إينا» (بمعنى الأم في اللغة الأمازيغية) أم تعتني بخمسة أولاد، ثلاث بنات وولدين، الأول قطع صلته بأهله وتنكر لهم، بينما الثاني انحدر إلى الجنون والأب هجرهم وعاد إلى قريته في المغرب، بالتالي فنحن بصدد أربعة شخوص نسائية في الرواية، تنضاف إليهن الجارات، فقد بادرت مينا سيف إلى محو الشخصيات الرجالية من روايتها، لا يظهرون سوى كأشباح أو يعودون في ذكريات الراوية، ركزت سردها على حكايات النساء في مهجرهن، في انتصاراتهن الصغيرات، وهزائمهن الكبيرة، كما لو أنها تصفي ثأراً من تلك الثقافة الذكورية التي غالباً ما يحملها المهاجر على ظهره، بلا وعي، في انتقاله من جنوب البحر المتوسط إلى شمالها، ورطت نسوتها في رواية، كما لو أنها كتابة يوميات، عن خصوماتهن في العمارة وشقائهن في العيش الكريم في مارسيليا.

تبدو رواية «أمازيغية عنيدة» من صفحاتها رواية كئيبة، عن مشقة «إينا» في التأقلم مع جيرانها ومع حياتها الفرنسية، وهي القادمة من بلدة نائية في المغرب، وتعمل بمشقة قصد كسب عيشها وخبز بناتها، لكن مينا سيف لا تلبث أن تدرج الكثير من المشاهد السردية الساخرة، تعين شخصيتها في مواصلة سيرها بالضحك والتهكم، وتحويل متاعبها اليومية إلى قصص مشبعة بالنكت، تنكت على نفسها وعلى جيرانها وأهلها، بدون أن تتوانى عن ذم زوجها، الذي لا تطلق عليه اسما، بل توصيفاً: «العجوز» الذي تركها وحيدة في عالم لم تولد فيه، ومن الصعب عليها الاندماج معه، لكن شيئاً فشيئاً، مع تواصل الرواية، نشاهد تحولات إينا، انتقالها من مجرد مُهاجرة تلوك كلمات بالأمازيغية، عاجزة عن تعلم لغة البلد الذي تقيم فيه، إلى مهاجرة، خبرت سبل التلاؤم مع البيئة التي انجرت إليها.
هل الرواية سيرة ذاتية للكاتبة؟ قد يسارونا ذلك الظن، بحكم التشابه بين الرواية وحياة المؤلفة، لكن هذا السؤال سيظل ثانوياً، لأنها تضعنا وجها لوجه في معايشة يوميات هذه العائلة المغربية المهاجرة، التي تحاول أن تنخرط في يوميات بمقاسات فرنسية، لكن أصولها تراودها كل مرة، عائلة تقيم في ضاحية من ضواحي مارسيليا، لكنها بذاكرة وهواجس ومعاجم لغوية مغربية، تحضر المغرب في سلوكيات وفي كلمات، لكن ليس كجغرافيا أو
أرض، فقد أصرت الكاتبة على طول النص على اتخاذ مدينة مارسيليا أرضاً وحيدة لها، تتنقل بين أحيائها ومينائها على طول النص، تدمج توصيفات لأمكنتها وناسها، حتى إن تلك المدينة تبدو ثابتاً من ثوابت «أمازيغية عنيدة» إنها فسحة في تجوال حرّ في أكثر المدن الفرنسية التي كانت ولا تزال تحضن مهاجرين من شمال افريقيا، لكنها أيضاً فسحة في معرفة الحدود الفاصلة بين الفرنسيين الأصليين والوافدين، فالحي الذي تعيش فيه شخصيات الرواية، الذي تحصل فيه كل الانحرافات، لا يشبه أحياء الفرنسيين، رغم أن الجميع يعيش في بلد واحد، تحت قانون واحد، فدم الفرد وأصوله عوامل في التفريق بينه وبين الآخرين.
تلك العمارة التي تدور فيها جل الأحداث، وتقطن فيها إينا مع بناتها، الواقعة ـ كما كتبت المؤلفة ـ في (7، شارع السيدات) تشبه إلى حد ما «ماكوندا» غارسيا ماركيز، حيز ضيق تتزاحم فيه كتلة من العجائبية ومن القصص التي تختلط فيها التراجيديا بالكوميديا، ويتعايش فيها أطفال هجرهم آباؤهم أو نسوة مطلقات. تلك العمارة التي تنطلق منها الحكاية وتعود إليها كل مرة، تتخذ من حكايات نسوتها قناعاً كي تخبر القارئ عن سوء طالع من عاشت في غربتها عن غير رغبة منها، عن القادمات من المغرب أو من الجزائر، أو من دول الساحل، حالمات بفرنسا بأن تتيح لهن حياة أفضل، قبل أن يجدن أنفسهن يلتمسن مساعدات من صندوق الخدمات الاجتماعية كي لا يتسولن.

حياة المهاجرين

جعلت مينا سيف من تلك العمارة مغارة نسوة، مدينة داخل مدينة، صورتهن في حالات انشراحهن وغضبهن وقلقهن ومحنهن، وهن عاجزات عن الثبات على أرض واحدة، يقفن بين أرضين، بين فرنسا وأصولهن، يسايرن المزاج الفرنسي بدون أن يستطعن التخلص من ترسبات تنشئتهن الأمازيغية والعربية، منحبسات في العمارة لا يخرجن منها سوى بحث عن قوتهن اليومي، على الرغم من الإشارات المتتالية التي نزعت إليها المؤلفة عن بدايات بزوغ اليمين، في مارسيليا التي صارت عاصمة له، فقد أتاحت هذه الرواية النظر إلى حياة المهاجرين من منظور أكثر واقعية، بعيداً عن التشكي والبكائيات التي تعودنا عليها في روايات حديثة، ركزت على حروب تلك النسوة الصغيرة والداخلية مع أنفسهن ومع جيرانهن، بدون أن تورطهن في المناخ السياسي العام الذي ساد البلد.


*روائي وصحافي جزائري



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي