الفكر الفلسفي والفكر العلمي.. تكامل أم تنافر؟

2021-02-08 | منذ 3 شهر

ليس الفلاسفة وحدهم من يمكنهم تفسير العالم (لوحة للفنان فؤاد حمدي)أبو بكر العيادي*


عندما يتحدث أحدهم عن ماهية الفلسفة، ويثير أسئلة حولها في ظل تناسل العلوم الإنسانية التي باتت تزاحمها، يسارع المشتغلون بالفلسفة إلى الرّدّ بأن أهل الصناعة أدرى بها وبماهيتها وغاياتها، وأن كل من ليس منهم لا يمكنه الإحاطة بمبناها ومعناها ومنطلقاتها وغاياتها. بيد أن هذا الموقف ليس خاصّا بالمشتغلين بالفلسفة وحدهم، بل هو تقريبا قدر مشاع بين سائر المعارف، حتى العلوم الصّحيحة.

يرفض رجال الدين أن يحدد علماء الاجتماع أو المؤرخون طبيعة عقيدتهم بدلا عنهم. ومثلهم الفلاسفة حين يُسألون عن طبيعة تأملهم، وقس على ذلك رجال السياسة والقانون والفنون، فكل فئة ترى أنها الأقدر على تعريف اختصاصها.

ولكن لمّا كانت تلك الأنشطة نظرية ومعيارية في الوقت ذاته، إذ ثمة قيم دينية وأخلاقية وسياسية وجمالية، فإن تعميم تلك الأسئلة يخلق تعددا في المفاهيم والآراء والالتزامات. فعندما تلتقي الغاية المعيارية بالمنطوق الوصفي، يأخذ التأمل صبغة شخصية، ذلك أن ثمة ميلا كبيرا إلى تحديد مفهوم هذا التخصص أو ذاك انطلاقا من الاستخدام الذي يمارسه صاحب التخصص نفسه.

في الفلسفة وخارجها

إن جوهر الفكر والممارسة سواء في الحقل السياسي أو الفني أو القانوني غالبا ما يصاغ بطريقة تختلف باختلاف القناعات السياسية والفنية والتشريعية التي تنهض لتعريفها وتحديد مفهومها. كذلك الفيلسوف، فهو عادة ما يضع فلسفته الشخصية كمعيار يحدد مفهومه للفلسفة. وبدل أن يفكّر في ماهيّة الفلسفة، يبحث عمّا ينبغي عليها أن تكون، أو ما كان ينبغي عليها سابقا أن تكون. والنتيجة أن ثمة من التعريفات للدين بحجم الديانات، وتعريفات للفن بقدر ما يوجد من تيارات فنية، ومفاهيم عن الفلسفة تضاهي عدد المدارس الفلسفية، ما يؤدي بالمقاربة المنهجية إلى التشتت والالتباس.

ولكن لا توجد تعريفات للعلم بعدد برامج البحث العلمي، والسبب أن العلم، بخلاف الحقول المعرفية المعيارية، يُخضع غايته لدراسة الأشياء والظواهر والقوانين، فليس له من غاية سوى أن يعرف. وفي رأي فيليب فونتان، الأستاذ بدار المعلمين العليا بباريس، أننا إذا أردنا معرفة ماهية المعتقد والسياسة والفن والفلسفة، فمن المستحسن أن نطلب من العلم أن يتولى ذلك، بدل تجميع آراء رجال الدين والسياسة والفنانين والفلاسفة، وتلك أفضل وسيلة للتمييز بين ما كان وما ينبغي أن يكون.

وليس استنقاصا من الفلسفة أن تقيَّم من خارجها، لأن ذلك ما هو سوى تمثل لجوهرها القائم أساسا على البحث عن الحقيقة، وتأكيد لما تدعو إليه هي نفسها من إذكاء للحس النقدي، ولا يمكن أن تتنصل من نقد ذاتها وهي الحريصة عليه.

وليس مأخذا أن تثبت المساعي الفكريةُ في بحثها عن الحقائق الكونية أن الفكر الديني كان أسبق من الفلسفة، فعندما أراد البشر معرفة مبادئ الطبيعة وقوانين العالم وموقع الإنسان في هذا العالم، بدؤوا بالفكر الديني كمذهب، لا كدين يحتوي على شعائر وطقوس مرتبطة بالإيمان والعقيدة والرسل والكتب السماوية، حيث لكل فكر ديني رؤية عن العالم من جهة وقيم أخلاقية من جهة ثانية، أي أنه معياري وتفسيري في الوقت ذاته.

الفلسفة لم تناقض الدين بل كرست وظيفته الفكرية والأخلاقية في عالم جديد أكثر تمدّنا وتقانة ومعرفة
وكان لتطور العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والعقليات في بعض المجتمعات ما جعل التفسيرات الدينية غير كافية، ففي العصور القديمة، يونانيةً وهنديةً وصينية ورومانية وعربيةً إسلامية وأخيرا أوروبية، بدا أن من الضروري عقلنة الرؤية الدينية للعالم، ليس لوضع حدّ للدين، وإنما لإنقاذه. أي أن الفكر وجب عليه أن يُنجِد عقيدة لم تعد تنهض بنفسها وحدها داخل مجتمع معقّدٍ، توّاق إلى الفردانية، ومعقلنٍ بسبب تقسيم العمل وخلق تخصصات داخله.

هنا ظهرت الفلسفة، لا كنقيضة للدين بل كطريقة لتكريس وظيفته الفكرية والأخلاقية في عالم جديد، وهو عالم أكثر تمدّنا وتقانة ومعرفة. وكان ظهورها في الشرق كما في الغرب موسوما بفكر ديني تمّت مساءلته والتفكير فيه وعقلنته.

ولذلك نجد في الفلسفة الوظيفتين الأساسيتين للفكر الديني، ونعني بهما تفسير العالم ومنح الإنسان قواعد سلوك، فالفلسفة تربط رؤية العالم بالحكمة، والقيم الإدراكية بالقيم الأخلاقية أو الوجودية. وإذا كانت الفلسفة قد ساندت الفكر الديني في البداية عن طريق إصلاحه، فإنها تطورت في ما بعد نحو استقلالية متنامية، إلى أن انتهت في الغالب إلى مواجهته.

ولكن أيّا ما تكن درجة استقلاليتها الذاتية، فإنها حافظت على وظيفتها المضاعفة في تفسير العالم ومنح الإنسان شروط الإقامة فيه بطريقة أفضل، فهي بالأساس فكر العالَم وفكر علاقة الإنسان بالعالم، والمفكر لا يمكن أن يغضّ النظر عن وضعه الوجودي، حتى وهو يتوق إلى نوع من الموضوعية المعرفية.

النموذج العلمي

لقد تنازل الدين للفلسفة عن جانب من وظيفته الإدراكية عندما اتضح أن من الضروري أن تكون المعرفة عقلانية لكي تكون محلّ ثقة. وفي الوقت نفسه، انطوى الفكر الديني على ما يخصه، أي العقيدة والإيمان والرسالة.

فكان أن تخصصت الفلسفة في ممارسة الفكر النقدي والتفكير العقلاني، وتركت للدين مذاهبه وطقوسه، فما لبث نفوذها واستقلالها في مجال المعرفة أن ازدادَا نموًّا واطرادًا، بوصفها علما أي مادة معرفة، ولكن شيئا فشيئا بدا أن للعلم مناهج استقصاء مخصوصة تقطع مع الأسئلة الميتافيزيقية، فلما صار العلم تجريبيا بدا اختلافه مع التساؤلات التأملية واضحا، ودخل منعرجا رأت فيه الفلسفة تنكرا لها كحاضنة أولى، وكما عارضت الفلسفة الدين، أعلن العلم معارضته للفلسفة.

وكانت ردّة فعل الفلسفة على كيفيات ثلاث. الأولى كانت تعبيرا عن ابتهاجها بظهور علم مستقل، نظرا إلى رغبة الفلاسفة في تنامي المعارف. والثانية كانت موقفا وسطا حيث تخلى الفلاسفة عن المعرفة الوضعية للعلم، واكتفوا بفضل التأسيس، فالفلسفة في رأيهم تظل هي المؤسسة للمعارف، وتأملاتها تشمل كل مجالات الحياة، بعكس العلم الذي يتجه إلى التخصص. وأما الثالثة فكانت ردة فعل دفاعية أخذت طابع المناهضة النضالية للعلم، حيث تمّ الفصل بين ما كان متكاملا، والوقوف ضدّ كل ما يشغل العلم، فجُعل الشعور في مواجهة العقل، والوجود ضدّ المعرفة، والجمال ضدّ الحقيقة، والطبيعة ضدّ التقنية، والفلسفة ضدّ العلم.

ولمّا فرض النموذج العلمي الصارم نفسه على الأذهان وفي المؤسسات الجامعية في نهاية القرن التاسع عشر، كان ردّ فعل الفلسفة الأخير ابتداع “العلوم الفلسفية” لمزاحمة العلوم الوضعية وحتى السيطرة عليها، فظهرت السيكولوجيا الفلسفية والأنثربولوجيا الفلسفية والمنطق الفلسفي والفلسفة التحليلية والتاريخ الفلسفي للفلسفة ونظرية المعرفة الفلسفية… وهي المدارس التي تهيمن اليوم على المشهد الفلسفي.

بعض هذه العلوم سمح بإثراء فهم الإنسان، وكان له أثر حقيقي في الحقل الفكري، ولكن أيّا ما تكن محاولات الفلسفة للحفاظ على البعد المعرفي، فإنها لا يمكن أن تنافس العلم، أو تقوم مقامه، بل إن العلوم الفلسفية نفسها ما انفكّت تتأثر بتطور العلوم الصحيحة، دون أن يحصل العكس. ما جعل الفلسفة تقنع بالمحافظة على البعد القيمي كالأخلاق ومعنى الحياة والحكمة والسعادة، وهي مجالات يعجز العلم عن النفاذ إلى جوهرها مهما توسل بالوسائل الحديثة ومبتكراته المتطورة، ما يعني أنه لا يمكن أن يحتوي الفلسفة.

أما الفلسفة، فبعد أن كانت هي العلم، ثم هيمنت عليه وقلّدته وعادته، صارت تستفيد منه، دون أن تتخلى عن طموحها الفكري.

وجملة القول إن المسألة ليس تعويضا للدين بالفلسفة، ثم تعويضا للفلسفة بالعلم، وإنما هي مسيرة أفضت إلى ضرورة تعايش ينصرف فيه كل طرف إلى مجاله الخاص دون أن يتعدّى على مجال الآخر.


*كاتب تونسي



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي