في حوار مع "الثورة" اليمنية ، الأديب عبدالناصر مجلي .. يؤكد ان الدفاع عن الوحدة الوطنية واجب أخلاقي وقيمي وديني

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2009-05-12 | منذ 10 سنة

أكد ان الدفاع عن الوحدة الوطنية واجب أخلاقي وقيمي وديني.. الأديب عبدالناصر مجلي :

* لن نسمح للمغامرين والأفاقين بالنيل من ثوابتنا

* الخطاب التشطيري خطاب مأزوم خارج سياق المكان واللغة والوقائع والتاريخ

* الوحدة تملك أسباب بقائها وديمومتها باعتبارها ليست حالة عارضة انبثقت من الهامش

* بيوتنا في ( جبن) كانت مخازن لأسلحة الثوار في ردفان وشمسان الذين نذروا أنفسهم لمقارعة الإستعمار، حتى الإستعمار لم ينف واحدية الوطن اليمني

* لاحياد في الوطن ولا حياد في الوحدة ولا حياد في الثورة والجمهورية والثوابت التي أجمع عليها الشعب

 

عبدالناصرمجلي مبدع إشكالي، يكتب القصة والرواية والشعر ويعمل بالصحافة ويقرأ كل شيئ، يعرف جيدا ماذا يريد ومتى يريد، الذي لايعرفه يظنه مسكونا بداء الذات المتضخمة، لكن ما إن يقف على أعماله الإبداعية حتى يجد أن له كل الحق في التباهي بتجربته الإبداعية في فرادتها ومغايرتها وجنوحها صوب التجريب المسؤول، في كل أعماله لاينفصل المبدع عن الوطن وعن الإنسان ، وذلك إيمانا منه حسب تعبيره بأن الأديب موقف أولا وأخيرا، وفي هذا الحوار الذي نضعه بين أيدي القارئ  يؤكد مجلي هذا الإلتزام تجاه الوطن ووحدته، كما أكدته أعماله الأدبية لاسيما روايته " رجال الثلج"، ولم تقف الغربة حاجزا بنه وبين الوطن، ولم يشعر أصدقاؤه بغيابه أبدا ، وفي الأسطر التالية نافذة ضؤ على أديب وطني يعشق أرضه ووحدته حد الثمالة، فإلى نص الحوار وإلى عبدالناصر مجلي المبدع والإنسان..


حاوره : سلطان سعيد عزعزي


- ثلاث سنوات بالضبط قضيتها في صنعاء بعد عودتك من "غربة" قصيرة في دبي بالإمارات العربية المتحدة.لتعود بعدها للتحليق مجددا و هذه المرة باتجاه ديترويت أقصى الغرب. هل أنت رجل غربة إن جازت التسمية. وكيف اغتربت بينما أنت في حقيقة الأمر كنت بيننا متواصلا ومستمرا ولصيقا بالوطن الأم.كيف تفسر هذا كعبد الناصر -مجلي الإنسان وعبد الناصر الأديب أو المبدع؟ 
 
* في ظني أن مسألة الغربة والاغتراب لا تفسر ولكن يجب تفكيكها للوصول إلى معناها ومبناها النفسي والواقعي والحياتي والظروف المحيطة بكل هذا.أستطيع القول أن خروجي إلى المهجر العربي – دبي- ثم العودة إلى الوطن وبعدها إلى ديترويت كان خروجا تحكمت به مقاليد الصدف، يعني لم أخطط في الأصل للخروج كخروج ولكن ربما كتجربة أن أعيش الغربة بمفهومها المادي والإنساني، لذلك كان ذهابي إلى دولة الإمارات ذهاب صدفة. هذه الصدفة كسبتني وعيا معرفيا بماهية الغربة كمشاهدة ومعايشة لأخرج منها بعشق لا يذبل لـ"دبي" التي احتضنتني وفتحت أمامي فرصة ثمينة لا تعوض ولا تقدر بثمن في اكتشاف عبد الناصر مجلي الأديب، نظرا لأن آفاق هذه المدينة العربية كانت مفتوحة أمام الجميع دون تفرقة أو تحيز. كذلك كان الأمر مع خروجي الثاني الى ديترويت شكل لي هو الاخر نقلة كبرى على مستوى ما أكتبه على كافة الأصعدة ولازالت، لكن رغم كل ذلك إلا أن الوطن ظل حيا بقوة داخلي . وما تواصلي  معه عبر كتاباتي إلا اعترافا مني  باستحالة نسيانه وكأنني لازلت أعيش فيه ويعيش هو فيّ. هذه هي الحقيقة. فلم تستطع المسافات أن تنسيني إياه رغم مرارتها وقسوتها وضراوتها. 
  
في روايتك الأخيرة " رجال الثلج" ثمة حضور دائم لقضية الوحدة اليمنية. ترافق الشخصيات في حلها وتر حالها. إلى أي مدى يمكن للأديب أن يكون فيه سفيرا لبلده وقضاياه الوطنية والثقافية والإبداعية والحضارية.... الخ؟ -
 
* في البدء علينا الاعتراف أن المبدع موقف. وبدون الموقف الأخلاقي والإنساني يكون بلا قضية. مهما ادعى عكس  ذلك. وفي رأيي الذي أومن به إلى آخر لحظة من حياتي أن الوحدة اليمنية العملاقة هي حد أخلاقي وقيمي وديني لا يمكن تجاوزه أو تجاهل معناه الحضاري والإعجازي. مهما كانت قسوة الظروف المحيطة بها.. ورواية "رجال الثلج" لم تكن بيانا سياسيا للإشادة بهذه القيمة أو بتلك.بل كانت "ما نفست" تاريخي يمتدح الإنسان  أين ما كان ولأن الإنسان منا ما هو إلا مجموعة من الرؤى والمعتقدات والتصورات والأحاسيس والثوابت .... الخ، فلا يمكنه إذا تجاوز الحقائق أو إهمالها وتجاهلها لأنه سيفقد إحدى مكوناته الأساسية التي تشكله وتشكل بنيانه الحسي والذهني والمعرفي.
 وعليه فا لوحدة اليمنية أتت في سياق الرواية كحدث تاريخي لا يمكن الاستهانة به أو تسفيهه تحت أي دعوى  أو عذر  أو سبب. كونها حدٌ أخلاقي  كما قلت سابقا لا يمكن تخطيه. وإن تم تخطيه من قبل البعض فذلك يعني أنهم لم يعودوا في نسيج المكان والحدث التاريخ.أي بقصد أو بغيره تحولوا إلى خصوم للقيمة الحضارية التي أنجزت بعد انتظار طويل. مما يعني أن الدفاع عنها فرض عين على كل من ينتمي إليها، فلا حياد في المسألة ولا وجهة نظر فيها. فإما أن تكون معها أو ضدها.

شخصيات رجال الثلج كان خيارهم أن يكونوا معها. أتدري لماذا؟ لأن بقاءها يعني بقاءهم وهواءهم النقي الذي يتنفسونه وبدونه يموتون. وكأنهم لم يسيروا على هذه البسيطة أبدا. الوحدة اليمنية في إيماني ضرورة قصوى للتكتل الشعبوي للأمة اليمانية لا يمكن العيش بدونها لأن ذلك يعني التشظي والاحتراب والأفول البغيض الذي لا يريده أحد سوى أصحاب الأرواح الواهية والآفاق الضيقة والعصابية والفئوية الكلبية البشعة التي لا تمثلهم  إلا هم ونحن منهم براء. 
    
 
- لكن هذه الفئة التي تتحدث موجودة على أرض الواقع ونشطة وتتحدث بالصوت العالي ؟
 
* وهنا المفارقة في ان الوحدة اتاحت لهم فرصة التعبير الحر لكنهم انقلبوا عليها ، وصحيح أنها أي هذه الفئة موجودة لكنها ليست ذات صوت عال  كما تظن،ٍ إلا إذا افترضنا أن اللغو والهذيان لغة. واللغو والهذيان والسفه شكل مفردات وكلمات تئن وتتلوى بمحدودية خطابها الأصم والأعمى والأمي. هذا خطاب مأزوم خارج سياق المكان واللغة والوقائع والتاريخ. محكوم عليه بالانتحار والاندثار.يا أخي لقد قدم الشعب اليمني ثمنا باهضاً للدفاع عن فجر 26 سبتمبر، أكثر من خمسمائة ألف روح شريفة وحرة وباسلة رفضت الخنوع والذل والهوان للعصبية والسلالية والمذهبية والمقيتة. وكذلك مئات الآلاف من خيرة شباب هذا البلد في المحافظات الجنوبية والشرقية وكل المناطق اليمنية على حد سواء، لدحر المستعمر البشع والوحشي التصرفات والأفعال. وصولا إلى الإرتصاص اليماني الضخم  للذود عن الوحدة اليمنية الكبرى في صيف 94م ، وبعد كل هذه التضحيات العظيمة يأتي من يقول زورا وبهتانا بأن كل ذلك لا يعني شيئا ؟؟! هذا كلام خياني وموبوء ورخيص دُفع له جيدا ليقال  ولن نقبل به أبدا  ، ولا يستطيع كائن من كان بعون الله أن يوقف الزحف اليماني الأسطوري باتجاه مستقبله وغده البهي المنتظر. ثم قل لي أين كنا عندما فلتت هذه القوارض من عقالها لتطيح تهديما وتحطيما كما تعتقد في بنيان صرحنا اليماني الشامخ.أين الأدباء والمثقفين والصحفيين والمفكرين وكل ذي بصيرة من كل ما يحدث الآن؟!
إنني أوجه اللوم إلينا جميعا دون استثناء لأننا تقاعسنا عن الدفاع عن أغلى منجزاتنا. لكن لا بأس فالوقت لم يفت والأمور كما قال صانع الوحدة وحاميها بإذن الله  لازالت تحت السيطرة ومن هنا أرفع صوتي على الأشهاد: أيها اليمانيون إن وحدتكم في خطر وعليكم الانتباه والاستعداد للدفاع عنها دون مظالم ، ودون افتئات ودون عصبية أو مناطقية أو حزبية. فالوحدة ملك لنا جميعا ولن نسمح للمغامرين والأفاقين للنيل منها. قد يقول قائل بأن عبد الناصر مجلي نسي نفسه كصاحب قلم وتحول إلى ثوري وخطيب. وسأجيب فليكن. فإذا اقتضت الضرورة أن نتحول جميعا إلى جنود في خندق الدفاع الأخلاقي والإنساني. وإلى حملة  - ونحن ولله الحمد كذلك - لأسلحة المروءة والفروسية والشجاعة وغيرها من الأسلحة للحفاظ عن كنزنا الوحدوي الذي لا يقدر بثمن فسنفعل ولن نلتفت إلى الغوغاء والدهماء وأبناء الليل التفريقي والتشطيري مهما ارتفع نفير بغضاءهم. ففي الأخير لا يصح إلا الصحيح إن شاء الله. وما ينفع الناس سيبقى وأما الغثاء فيذه  فلا قيمة له ولن تكون. أعترف أنني شديد الغضب. لكنه غضب الدفاع عن الثابت في وجه المتحول والزائل والمزيف والكالح. 
 
-  ثمة اشتغال فني ملحوظ في رواية "رجال الثلج" حيث نجد أن هناك ملمح تجريبي في الرواية تمثل في السعي لكسر الشكل التقليدي الافتراضي للرواية حيث نلحظ تعدد بؤر السرد وتعدد الأصوات وتجاورها. إلى ما تعزو ذلك. هل هو تطور فني في تجربتك. أم نتيجة للتراكم القرائي والمعرفي أم شفق التجديد؟ 
 
* هو كل ما قلت باستثناء قولك "التراكم القرائي" ودليلي على ذلك قول أ.د. شاكر خصباك عن الرواية في مستواها التقني. أنه لم يقرأ رواية مثلها من قبل سواء في العربية أو الإنجليزية وهذه شهادة قالها روائي وقاص عراقي عربي كبير. لقد اشتغلت على "رجال الثلج" قرابة السبع سنوات ولو أنني طبعتها كما هي لكانت صفحاتها تقارب الثمانمئة صفحة. لكن ولأنني أدركت منذ بداية كتابتها ماذا أريد منها وماذا أريد لها، فقد كنت اشتغل على عدة محاور، وهي عملية صعبة ومعقدة على أصعدة اللغة شكل. المعنى. التقنية. الهدف.........الخ.

والتجريب لم يكن جديدا عليّ فمنذ مجموعتي القصصية الأولى "ذات مساء ..ذات راقصة" الصادرة في العام 1992،  كانت الكتابة المغايرة هدفي وأسلوبي وأعني بالمغايرة هنا طرق أساليب كتابية غير مسبوقة قدر معرفتي وإستطاعتي. وأعتقد أنني نجحت في ذلك بنسبة ما. ثم ماهي قيمة الكتابة إذا لم تكن تشتغل على المختلف و"الاجد"والجديد. وأنت قد سمعت ما قاله أ.د.عبد العزيز المقالح شاعر اليمن العظيم عن هذه الرواية وعن مدى سروره وإعجابه بها.يا أخي أن جملة مثل هذه أو قريبة منها يقولها المقالح حفظه الله  ، تجعلني أتأكد أنني كنت أشتغل في الإتجاه الصحيح، وليس هذا مستغربا من رائد الأجيال كونه أحد الثوار اليمنيين الكبار بالإضافة الى مكانته الأدبية والعلمية والفكرية والمعرفية العالية في وطن الثورة والجمهورية والإستقلال والوحدة ، الذي مانفك يهتم ويرعى كل مبدعي بلادنا بل والمبدعين العرب أيضا!!
 
- تقدم روايتك" رجال الثلج" محاولة لتجذير وتجديد خطاب الوحدة الثقافية في عيون جيل التسعينيات. هل ثمة هم يشغلك إزاء هذا الخطاب. وكيف تنظر إلى أهمية هذا التجديد؟ 
 
* حقيقة لم أخص جيلا بعينه بمحاولة التجذير الذي أشرت اليه في سؤالك. فلو حددنا جيلا بعينه فذلك يعني أن الوحدة كمعطى ثقافي بالدرجة الأولى تخص جيل وتغفل الآخر. وهذا ليس صحيحا أبدا، والصحيح والمفروض بل والواجب أن يكون الخطاب جمعي شامل غير مخصص بفئة أو محدد بزمن أو فترة. كون الوحدة في حد ذاتها خطاب ديمومي يعمل بصيغة الفعل المضارع المستمر له ماض إعتباري على المستوى التاريخي  والدلالي.ماض يؤكد قيمة الوحدة وفعلها. لا ليلغيها أو يهمشها أو يتجاوزها.
أما من حيث التجديد فهذا عمل يجب أن يشتغل عليه كل المبدعين اليمنيين بل العرب من حيث تعزيزه وتقوية أركانه وتعميقه في وعي الجماعة والأمة، كثقافة حياة ونشوء وارتقاء وسمو على كافة الأصعدة والأطر والأنساق المعرفية في جميع مناحي الحياة.لقد ارتكبنا جميعا وبالذات السياسي والأيدلوجي اليمني خطأ ً فادحا، وذلك باعتبار أن الوحدة كقيمة عليا قد ولدت كاملة وخالية من الشوائب وهذا صحيح. لكننا في المقابل أغفلنا دون قصد أو إدراك أهمية الانتباه والاشتغال على مفهوم خلق ثقافة الوحدة وتهيئة كل الأسباب لاستقراريتها ثقافيا في وجدان الأمة. بما يجنبها مطبات الرحلة الطويلة. وعلى كل حال الوقت لا يزال أمامنا للبدء في تنفيذ هذا المشروع الهام الذي لا يقل أهمية عن فعل الوحدة نفسه. لأننا بذلك سنوفر البيئة الصالحة والخصبة لاستمرارية نمو شجرة الوحدة الوارفة. بهدف الوصول إلى موسم حصادها العظيم ألا وهو حصاد انصهار الأمة اليمنية في الوحدة تاليا فينا كمعنى وكثابت غير قابل للتحول أو التبدل أو التشكيك على المدى الطويل.
أما التجديد فأنظر إليه كمعطى تنويري استباقي حضاريا لجعل مسألة الوحدة مسألة حياة ومستقبل ورؤى نستشرف من خلالها ونتلمس معالم طريقنا في هذا العصر وما يليه من حقب وأزمنة وعصور إنشاء الله. ذلك الطريق المضيء الذي ما كنا نستطيع السير عليه لولا وجود وتحقق الوحدة نفسها. فلولاها لكنا ما نزال نراوح في نفس المكان وبنفس الأدوات.
أن قيمة الوحدة تكمن في أنها تحولت من أمنية ذهنية في الأفئدة والأرواح إلى حقيقة حاصلة وواضحة وملموسة، وأزيد بالقول أن هذه الوحدة العملاقة تملك أسباب بقاءها وديمومتها كونها لم تكن ولن تكون حالة عارضة انبثقت من الهامش، بل هي كيان حي وأصيل وقوي ومتماسك خلق ليبقى لا ليموت. 
 
- إلى أي حد أثر الشاعر والقاص داخلك على خطة سير "رجال الثلج" وكيف استطعت الإفادة   منهما. والإفلات من التجنيس والأسلوبية التي يقتضيها كل شكل فني على حدة ؟
 
* أولا رجال الثلج لم تكن روايتي الأولى. وبالتالي فقصة شغل القاص أو الشاعر جنبا إلى جنب مع الروائي. لم تعد محفزة للسؤال عن مدى تأثير كل واحد منهما على الآخر.
ولاشك أن الاستفادة من الشعر كان واضحا في الرواية لجهة التقليص اللغوي إلى أقصى حد ممكن التعامل معه. حتى تكتسب لغة الرواية خفتها ورشاقتها ومرونتها. لكنني كذلك كنت أعمل بذهنية الروائي. أي بشكل احترافي وتجربتي في هذا المضمار طويلة. قد تصل إلى بداياتي. فالاشتغال على أكثر من معطى فني علمني كيف أضع حدودا خصوصية لكل هذه الأفعال الإبداعية التي اشتغل عليها. وعليه فلم أشعر بصعوبة تذكر في روايات مثل ( الحصن ) – لم تنشر بعد- وهي روايتي الأولى أو رواية " جغرافية الماء" التي تأتي تاليا لـ"رجال الثلج". بل على العكس من ذلك تماما، لقد كنت منتشيا ولازلت في كتابة الرواية نظرا لأنها أي الرواية تشكل عالما مستقلا وكاملا أيضا متشرطا، بمعنى أن الرواية ككائن حي قد تغفر لك قصورك وتعثرك وارتباكك عندما تدخلها متسلحا بها ولها. بينما لا تفعل ذلك معك لو تدخلها متسلحا بأدوات لا تمثلها ولا تمت إليها بصلة إلا في النادر البعيد. 
 
- ماذا عن الإفلات من التجنيس والأسلوبية ؟
 
* ذلك شأن آخر حيث أن وقائع وأحداث الرواية. أي رواية تفرض على الكاتب خلق قواعد   مستحدثة للرواية التي يشتغل عليها. بالإضافة إلى قدرة هذا الروائي على خلق أسلوبه الخاص. وهذا ضروري وأساسي. لذلك فـ "رجال الثلج" رواية تعبت عليها طويلا لكي أخرجها كما أردت بعيدا على المألوف والمكرر والنمطية والأسلوبية.
 
- من جهة أخرى يرى البعض وهم أسماء كبرى في عالم النقد العربي واليمني. أبرزهم رائد الأجيال أ.د. عبد العزيز المقالح، إن "رجال الثلج " تشكل فتحا إضافيا للرواية اليمنية والعربية. إلى أي مدى استفدت من تجارب روائية سبقتك محليا أو عربيا وعالميا. وإلى أي حد تمكنت من تجذير خصوصيتك فيهما ؟
 
* أظن أن قول هؤلاء الأساتذة الكبار وإشادتهم بـ"رجال الثلج" يمثل إجابة على سؤالك.فالأوصاف التي أسبغوها على الرواية مرده تميزها ومغايرتها الفعلية على أصعدة عدة. ولو لم يكن كذلك. أعني كانت مجرد رواية عادية. لما حظيت بكل هذا الاهتمام الذي وصل إلى تدريسها في كلية آداب جامعة صنعاء من قبل الشاعرين والناقدين الكبيرين د.حاتم الصكر، د.إبراهيم الجرادي. بعد أقل من شهرين على نزولها إلى المكتبات. ناهيك عن الحفاوة الكبيرة التي أستقبل بها أستاذنا ومعلمنا أ.د. عبد العزيز المقالح حفظه الله، وقوله فيها ما أثلج صدري وشد من أزري، وكذلك استشعاري مدى المسئولية التي صارت ملقاة على عاتقي بعد كل هذا النجاح التي قوبلت به الرواية.  
من جهة التأثر لن أكون مغرورا لو قلت بأنني لم أتأثر بأحد.نظرا لأنني كنت على وعي تام منذ شروعي في كتابة الرواية. أن تكون رواية عبد الناصر مجلي.ويكفي التذكير بمقولة أ.د.شاكر خصباك في معرض حديثه عنها.حيث قال أنه لم يقرأ مثل هذه الرواية "رجال الثلج" من قبل لا في العربية ولا في الإنجليزية نظرا لجديتها ولغتها العالية  وتقنيتها الغير مسبوقة، وأعتقد أن كلاما مثل هذا لا يقال جزافا أو مجاملة لو لم تكن الرواية تستحق هذا الاحتفاء الذي شرفني بها هؤلاء الأساتذة الكبار!!!
 
في وصيته الشهيرة أشاد ( الحاج تفاريش ) والتي قامت صحيفة 26 سبتمبر بنشرها قبل عامين.إلى دور مشائخ (جبن) في تزويد رجال الاستقلال بالسلاح العتاد والمؤن. والمعروف أن والدك رحمه الله كان أحد رجال الثورة اليمنية الكبار. بماذا أو حت لك تلك الوصية ؟ 
 
* أو حت لي بما لا يدع مجالا للشك بواحدية الثورة اليمنية. وبما أنك قد طرحت هذا السؤال فدعني أخبرك بأن بيوتنا في (جبن) كانت مخازن للأسلحة التي كان يستخدمها الثوار في ردفان وشمسان لمقارعة الاستعمار البريطاني من قبل وبعد قيام ثورة سبتمبر . وقد شكلت تلك الإمدادات قلقا بالغا للقوات البريطانية المحتلة.لدرجة أن مدينة (جبن) التي تقع في محافظة الضالع قد تم قصفها من قبل طائرات المستعمر آوائل القرن العشرين، لكن ذلك القصف الوحشي لم يثن رجال الاستقلال في المناطق الشمالية عن الاستمرارية في الكفاح المسلح جنبا إلى جنب وكتفا إلى كتف مع أشقاء هم وإخوانهم في المناطق الجنوبية، وكما حدث بعد ثورة 26 سبتمبر الأم إذ حارب اليمنيون في المناطق الجنوبية مع إخوانهم في المناطق الشمالية وفي مختلف المحاور والجبهات دفاعا عن ثورة الشعب. وهذا يدل كما قلت سابقا على واحدية الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر الخالدتين ولم تكن هناك حدود مصطنعة تفصل مناطق الوطن الواحد عن بعضه.
حتى الاستعمار نفسه لم ينف واحدية الوطن اليمني وكفي أن أخبرك أنني من مواليد عدن والآلاف مثلي كذلك. فعلى ماذا يدل هذا؟
أنه من العار وعدم الإلمام بالتاريخ أن يقول البعض الآن مالم يجرؤ المستعمر الأجنبي على قوله.هذا عار وفضيحة تصل إلى حد الخيانة والعمالة. لقد وجد اليمن واحدا موحدا وسيبقى بحول الله. وإذا كان هناك من حسنة لبعض التصرفات الغير مسئولة التي التي يطلقها نفر قليل لا يكاد يُذكر من أصحاب المطامع الشخصية الرخيصة. فهي حسنة ضرورة الالتفات إلى الوحدة كمنجز وطني يجب المحافظة عليه بل والدفاع عنه إذ ما اقتضت الضرورة ذلك. فنحن الآن نقف أمام مفترق طريق صعب وخطر أسمية مفترق " اليمن أولا " !
 
- أنت شخصية إشكالية بكل ماتعنيه الكلمة على عدة أصعدة. فأنت شاعر وقاص روائي وصحفي. وكذلك أنت من أسرة مناضلة عرفت على مدى قرون بالانتصار للثوابت الوطنية. وأيضا تترأس (جماعة الغد الأدبية) التي تعتبر أول جماعة أدبية في اليمن تأسست في صيف 1989 . كما يشكل لك الوطن هاجسا ملحا على حد قول الشاعر والزميل محمد عبد الوهاب الشيباني، وسؤالي هو كيف تستطيع التعامل مع كل هذه الصفات. وألا تظن بأنها قد تؤطرك في إطار نمطي ضيق كأديب فقط؟ !! 
 
* لا أظن في الأمر إشكالية على الإطلاق. فكوني من أسرة ذات مواقف وطنية يزيدني شرفا ومسئولية. لجهة مواصلة رسالة الآباء والأجداد ولم تكن أسرتي أو والدي هم هم الوطنيون الوحيدون بل أن الشعب اليمني كان وسيبقى إنشاء الله شعبا وطنيا وغيورا ومدافعا عن مكتسباته وثوابته.
كذلك الأمر بالنسبة لترؤسي لـ(جماعة الغد الأدبية). أحسبه دور أواصل من خلاله بكم ومعكم. الدفاع عن هذا الوطن العظيم الذي يستحق منا أن نفديه بأرواحنا وبالأعز مما نملك.
وفي ظني أن المبدع الحقيقي هو الذي لا تستطيع الأطر والمسميات. أيا كانت وجاهتها حصره فيها. بل على العكس من ذلك تماما كلما أوشكت دائرة التأطير على محاصرته حلق بعيدا عنها أكثر قوة وأكثر شغفا بالحرية وبتفعيلها تأصيلها.
ثم ما هو الوطن ؟!
أنه أنت وأنا. المبدع والسياسي والفلاح والمواطن والحرفي والجندي والطالب ............. الخ.
فقط القليلي الحيلة هم من تصطادهم  فخاخ التأطير. أما عشاق الأوطان والمثل والقيم العليا فهم جنود مجندة تراهم في كل مكان وحيثما اقتضت الضرورة. وكلما نادتهم أوطانهم هرعوا سراعا لتلبية نداء الواجب والمروءة والنبل كما يليق بوطنهم العظيم في أحلك الظروف وأقساها.
 
 
كلمة  أخيرة تود قولها ولمن ؟ 
 
* كلمتي هذه أوجهها إلى شعبنا اليمني الأبي والأصيل من أقصى صعدة إلى آخر نقطة في المهرة وأقول : أيها اليمانيون يا شعب المروءا ت والحضارات والإباء. يا أحفاد حملة راية الإسلام في جميع أصقاع الأرض .اليوم وطنكم الواحد ووحدتكم الغالية مهددة بالأراجيف والأباطيل. فهبوا للذود عن حياض عزتكم ووحدوا الصف وارفعوا أصواتكم العربية ألأصيلة.
في صوت واحد: لا لدعاة الفتن.لا لكل من باع نفسه رخيصة كي ينال من ثورتنا وجمهوريتنا واستقلالنا  ووحدتنا ووطننا وشعبنا ... لا .... لا ... !!!!
وإذا ما بقي من كلمة في هذا الحوار فهي إلى حملة الأقلام في بلادي أذكرهم بمسئولياتهم الوطنية في الالتفاف حول الوطن ووحدته فالمسألة لا تقبل الحياد. فلا حياد في الوطن. ولاحياد في الوحدة.ولا حياد في الثورة والجمهورية وكل الثوابت التي أجمع عليها الشعب. فإلى متى الصمت. وإلى متى التخاذل. وإلى متى الوقوف كمتفرجين.!      

عن صحيفة الثورة اليمنية - الخميس 7-5-2009 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي