رواية "كولاج".. الفنان والذكريات والقلق

2021-01-03 | منذ 5 شهر

رواية "كولاج"

سارة سليم*

عندما يتعود القارئ على نمط معين من الروايات، ولا سيما تلك التي تتناول الأحداث كما تعوّد أن يقرأها، حتما سيفاجأ برواية على شكل أحجية لن يفهمها إلا عندما ينهيها، أحجية كتبت على طريقة كولاج.

ولعل ما يلفت انتباه القارئ في رواية "كولاج" (الصادرة عن دار الجزائر تقرأ) للروائي الجزائري أحمد عبد الكريم، العنوان. فما معنى كولاج؟ وما علاقته بالعمل؟ وهل بالضرورة تفهم الرواية من خلال العنوان؟

إذا ما عرفنا كولاج بشكل مبسط فهو فن الرسم الحديث ومعناه جلب صور مختلفة ليتم تشكيل لوحة من تلك الصور، ربما هذا ما ذهب إليه أحمد عبد الكريم في روايته التي يحمل عنوانها تفسيرين: الأول الذي ذكرناه آنفا، أما الثاني فهو اسم لوحة رسمها علي الجنوي، أحد أبطال الرواية، ألصقت بها أجزاء من مخطوط هدنة بين المسلمين والمسيحيين لتعود إليه مرة ثانية.

تندرج رواية "كولاج" ضمن ما يسمى بالرواية البوليسية لكنها ليست رواية بوليسية بحتة بل تتجاوزها إلى كونها رواية معرفية بإمتياز لأن الكاتب تحدث فيها عن التاريخ، الخط العربي، التصوف، والأقدام السوداء بالجزائر، والفن.

للصحراء الجزائرية النصيب الأكبر من روايته لأنه ينتمي لهذه  البيئة الصحرواية المتشبعة بالصوفية، وهذا ما نلمحه في كتاباته، لكنه من خلال "كولاج" تطرق إلى  الصحراء من كل الجوانب: "الصحراء توأم البحر، مغرية وخادعة، تفتك بالضعيف الغرّ، أو بعاشقها الذي يقرأ فيها الأمان ويأنس إليها فتأخذه على حين غرّة، لو يدرك المفتونون بالصحراء من السياح حقيقتها ما افتتنوا بها، ولا قطعوا إليها المسافات من أجل التمتع بسحرها وأسرارها لأيام، ثم يقفلون راجعين محملين بالصور وبالذكريات الجميلة وبالهدايا، من حلي وفضة ومشغولات يدوية، لو أنهم جربوا بؤسها وحياتها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا وما طاقوا يومياتها".

أراد أحمد عبد الكريم وهو الرسام أن يرسم بالكلمات هواجس الفنان وتفاعله مع محيطه وما يمكن أن يخلفه هذا المحيط من آثار على حياته وعلى فنه الذي هو في الحقيقة انعكاس ومرآة لما يحمله الواقع من تداعيات على الفرد والمجتمع.

لفتت انتباهي عبارة يقول فيها: راح يستعيد ذلك القلق، ولم يقل يستعيد ذكرياته لأنه ربما أراد  أن يقول إن الفنان يعيش على ذلك القلق الذي يجعل منه دائما في حالة إبداع متواصل وما الذكريات إلا حالة قلق بالنسبة للفنان... كما أنه رصد من خلال "كولاج" تناقض المجتمع العربي وذلك عبر المجتمع الجزائري، وما يمكن أن يشكله ذلك التناقض في بيئة ترفض أشياء لكنها تقبلها بمسميات أخرى، بيئة ترفض التصالح مع الذات، وكل ما هو حقيقي، بيئة تعيش على الزيف بل وتقتات منه: "أنتم مسلمون، تؤمنون بالحشمة ولا تحبون العري، وأرى أن هناك عائلات ونساء وفتيات محجبات ومراهقين يتواجدون حول عين الفواراة، يشربون ويلتقطون صورا تذكارية... ألا ينتبهون إلى عري تمثال المرأة مثلا؟".

كما تتناول الرواية واقع الفنان الجزائري: "باريس ضاقت علي يا علي خوي... جئتها منذ عشرين عاما هاربا من الفقر والبطالة بعدما ضاقت علي بلادي، حالما بالشهرة والمال، وبأن أصبح سينمائيا كبيرا، لكنني لم أحقق  شيئًا، ويوما بعد يوم أزداد إفلاسا ويأسا".

تحدث بروايته عن أحد رواد الحركة التجريدية في العصر الحديث، الرسام التشكيلي ومصمم الجرافيك الجزائري محمد إسياخم (1928-1985) وقصته المؤلمة مع الرسم، قال عنه: "إنهُ انتصر على الحياة وانطفأ أمام سطوة السرطان".

أما أحداث الرواية ومحركها الرئيسي فهي سرقة مخطوط هدنة بين المسلمين والمسيحيين للخطاط المشهور ابن مقلة من متحف آيا صوفيا بإسطنبول- تركيا.

ذكرتني رواية "كولاج" من حيث بنائها الروائي المختلف كما أسلفت والذي جاء على شكل كولاج، برواية قرأتها سابقا للروائي الفرنسي الحاصل على نوبل عام 1985 كلود سيمون (1913- 2005) عنوانها "الدعوة" والتي جاءت بمثل هذا البناء غير المتعارف عليه، الذي لا يتيح للقارئ إمكانية فهمه وهضمه بسهولة لغياب الحبكة عدا الحبكة  الفنية، فالسرد فيها متقطع يغلب عليه الوصف، وليس بطيئا كما فهمه بعض من قرأ  الرواية  وإنما  هناك  تناوب بين الوصف والسرد وهذا يدفع  للقول إن هذه الرواية كولاجية البناء.

أحداث الرواية ومحركها الرئيسي هي سرقة مخطوط هدنة بين المسلمين والمسيحيين للخطاط المشهور ابن مقلة من متحف آيا صوفيا بإسطنبول- تركيا.                         

كما أن الأحداث فيها بنيت على التفاصيل التي تصبح هي الأخرى حدثا قائما بحد ذاته، لعل ما يشترك فيه كل من كلود سيمون وأحمد عبد الكريم هو خلفيتهما الفنية، فكلاهما رسام.

تجدر الإشارة إلى أن أحمد عبد الكريم شاعر، روائي وكاتب جزائري مهتم بالنقد التشكيلي حاصل على جائزة (الجزائر تقرأ) عن روايته "كولاج".

من إصداراته: عتبات المتاهة (رواية) عن منشورات رابطة كتاب الاختلاف 2008؛ كتاب الأعسر (سيرة) عن منشورات الجاحظية 1995؛ تغريبة النخلة الهاشمية (شعر) عن منشورات الجاحظية 1997؛ معراج السنونو (شعر) عن منشورات رابطة كتاب الاختلاف 2002؛ موعظة الجندب (شعر) عن منشورات دار أسامة 2008؛ اللون في القرآن والشعر (دراسة) عن منشورات البيت 2010.

 

  • كاتبة جزائرية

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي