العولمة خلقت أدبا عربيا جديدا لا يعترف بالحدود

2020-12-16 | منذ 6 شهر

 العولمة خلفت أدبا متشابها (لوحة للفنان علي رضا درويش)

عواد علي*

لم تعد من حدود تقف أمام المعارف والثقافات والإبداع اليوم، فمهما اشتدت الرقابة وارتفعت جدران الحدود فإن المعرفة تتجاوزها، خاصة مع انتشار شبكة الإنترنت في شتى بقاع الأرض. هذا الانتشار الذي جعل العالم يشبه القرية الصغيرة خلّف نوعا من المجتمع العولمي الذي أنجب بدوره إبداعا عولميا خاصة في مجال الأدب.

يدرس الناقد والشاعر العراقي محمد صابر عبيد في كتابه “استراتيجية العولمة الثقافية: بعثرة المعنى وانكسار النسق الأدبي”، الفائز بالمرتبة الثالثة من جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في دورتها التاسعة (2019)، ضمن محور الدراسات النقدية، قضية تأثير فكر العولمة الثقافي في النصوص الأدبية العربية الحديثة.

 

في النصوص الأدبية المتأثرة بفكر العولمة تتجلى صورة مختلفة للمعنى تقوم على آلية البعثرة والتشتت المقصودة.

يقول عبيد في تمهيده للكتاب “طالما أن ثمة ارتباطا استراتيجيا ومنهجيا وثيقا بين الحداثة والعولمة على مستوى النظرية وعلى مستوى الإجراءات معا، فلا مناص من قوة التأثير العولمي الثقافي في بناء النصوص الأدبية الحديثة على صعيد شعريتها في نظم أبنيتها التقانية والأدواتية من جهة، وعلى صعيد مضامين المتون وقضاياها وتجلياتها في استجابتها للمفردات والدوال والآليات والفواعل الأدبية التي أسهمت العولمة في إنتاجها من جهة أخرى، فيما يمكن تسميته باندحار المفاهيم الكلاسيكية الأدبية وهزيمتها وإحلال المفاهيم الأدبية الحداثية محلها”.

التأثر بالعولمة

في كتابه، الصادر حديثا عن منشورات جائزة الطيب صالح في الخرطوم، يبيّن عبيد أن الأدبية الحديثة بتمظهراتها المتنوعة هي الأكثر تأثرا من بين الفعاليات الثقافية الأخرى القابلة للتأثر بالعولمة، ويوضح في ظل عمل نقدي تحليلي وتأويلي مارسه في هذا الكتاب ما اصطلح عليه “بعثرة المعنى وانكسار النسق الأدبي”، إذ تتجلى في النصوص الأدبية المتأثرة بفكر العولمة صورةٌ مختلفةٌ للمعنى تقوم على آلية البعثرة والتشتت المقصودة، على نحو يقود إلى انكسار النسق الأدبي التقليدي (الكلاسيكي) في منظوره العام بحثا عن أساليب تعبير حديثة تتلاءم وهذا التحول.

الكتاب يتناول قضية تأثير فكر العولمة الثقافي في النصوص الأدبية العربية الحديثة

اختار المؤلف من بين الأجناس الأدبية المتنوعة المعروفة في أدبنا العربي الحديث الرواية والقصة القصيرة جدا وقصيدة النثر الحديثة، بوصفها الأجناس الأكثر تأثرا واستجابة وتفاعلا وتماهيا وحضورا مع العولمة الثقافية، وقد تكون ثمة أجناس أخرى أدبية كتابية أو غير ذلك تأثرت بثقافة العولمة وانعكست على نصوصها وخطاباتها، لكن المؤلف آثر فحص تأثيراتها في نصوص منتخبة من هذه الأجناس الثلاثة لأجل الوصول إلى نتائج واضحة وعميقة تصلح مستقبلا لمقاربة فنون أخرى.

وإذا كانت الرواية في القرن الماضي قد انتشرت كمّا ونوعا وتلقيا وثقافة وجماهيرية في الكتابة الأدبية العربية الحديثة انتشارا هائلا لا حدود له، فقد خضعت في جو هذا الانتشار إلى تحولات عديدة منذ مرحلة ما قبل نجيب محفوظ، والمرحلة المحفوظية، ومرحلة ما بعد محفوظ، حتى الآن، فإن قابليتها على التأثر والاستجابة كبيرة وواسعة وعميقة جدا أكثر من بقية الأجناس الأدبية الأخرى (السردية والشعرية).

وانتخب المؤلف رواية واسيني الأعرج “2084 حكاية العربي الأخير” نموذجا للتطبيق اعتقادا منه بأنها تستجيب لفكر العولمة وتجلياته الثقافية.

وفي القصة اختار نموذج القصة القصيرة جدا لقناعته بأن هذا النوع القصصي الجديد هو أحد التجليات السردية النوعية لفكر العولمة القائم على الاختزال والتكثيف والتمركز الحداثي، بعيدا عن الاستطالات والزوائد والإطنابات وأساليب البيان التقليدية التي تحتفي بها البلاغة العربية القديمة.

كما اختار عبيد مجموعة قصصية للقاص العراقي فرج ياسين بعنوان “قصص الخميس” سبق له أن نشر قصصها على حسابه في الفيسبوك بمعدل قصة مساء كل خميس حققت استجابة ممتازة من أصدقاء الصفحة وقراء آخرين على صفحات الفيسبوك (إعجابا وتعليقا)، قبل أن تصدر المجموعة إصدارا ورقيا هو ما اعتمده المؤلف لإجراءاته النقدية التحليلية والتأويلية في سياق إثبات فعالية التأثير الثقافي العولمي في هذا النموذج السردي، في الوقت الذي حقق فيه هذا النوع القصصي انتشارا واسعا على حسابات الفيسبوك أو وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، وعلى صفحات الصحف والمجلات الثقافية في كل أرجاء الوطن العربي من دون استثناء بحكم خصائص فنية وكتابية كثيرة فيه تشجّع على ذلك.

قصيدة المستقبل

العولمة تطغى بفعالياتها المتنوعة على مفاهيم أخرى مجاورة لها، ابتداء من الفكرة والرؤية وانتهاء بالسلوك

على صعيد الشعر تناول الكتاب قصيدة النثر بشكلها الحداثي القريب في تصوره لفكر الحداثة العولمية، حيث غادر شعراؤها الوزن والقافية والفصاحة المبالغ فيها (المفتعلة أحيانا)، والبيان البلاغي الذي ينتمي إلى فضاء ما يصطلح عليه في المنظور النقدي العربي القديم بالمحسنات اللفظية والمعنوية وغيرها.

الشاعر اليوم يستند إلى صيغ تعبيرية شعرية حداثية تذهب نحو مقاصدها مباشرة، وتستجيب لمنطق العصر وتجلياته على صعيد المفردة الداخلة في حياة الناس وانشغالاتهم وهمومهم اليومية، وعلى صعيد الأسلوبية فيما اصطلح عليه المؤلف ببعثرة المعنى وانكسار النسق الأدبي بما يكمن القول إن قصيدة النثر العربية الحداثية تستجيب له على نحو مطلق، وانتخب الناقد عبيد مجموعة شعرية للشاعر اللبناني عقل العويط بعنوان “سكايبنغ” نموذجا لقراءته.

ويمثل عنوان الكتاب الرؤية النقدية العامة تمثلا نصيا، في سياق انتخاب نصوص بعينها تشتغل على الأجناس الكبرى العالية التداول (إنتاجا وتلقيا) في الأدب العربي الحديث (الرواية/ القصة القصيرة جدا/ قصيدة النثر)، ابتداء من الرواية وقد تكاملت على نحو أصيل ومنتِج في العقود الأخيرة بوصفها ديوانا جديدا للعرب يمكن أن يضاف إلى ديوانهم الأول (الشعر)، ثم القصة القصيرة جدا وقد عدّها بعض منظريها والمدافعين عن شكلها السردي جنسا مستقلا عن فن القصة المعروف والمتداول، أما قصيدة النثر فهي آخر ما آلتْ إليه الشعرية العربية في النصف القرن الأخير، وثمة من ينظر إليها بوصفها قصيدة المستقبل بما تمتلكه من خصوصيات قابلة للنمو والاستمرار.

  الرواية لها حتما قابلية كبيرة على التأثر والاستجابة الواسعة والعميقة للعولمة أكثر من بقية الأجناس الأدبية

وحسب المؤلف، تطغى العولمة بفعالياتها المتنوعة على مفاهيم أخرى مجاورة لها، ابتداء من الفكرة والرؤية وانتهاء بالسلوك والأداء والفعل النظري والميداني، وتؤثر في صلب العملية الإبداعية، ولاسيما في الأجناس الأدبية التي انتخبها ميدانا بحثيا لدراسته على نحو أكيد وتفصيلي، يبدأ من تكوين التجربة في العقل الإبداعي، ويتجلى عميقا في تشكيلات النصوص وحركياتها الفنية والجمالية في درجة تفاعلها مع مجتمع القراءة والتلقي.

ويذكر أن محمد صابر عبيد شاعر أيضا، وأكاديمي يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث والنقد/ جامعة الموصل. فاز بجوائز عديدة منها: الجائزة الأولى في مسابقة الشارقة للإبداع العربي 1998 في مجال النقد الأدبي، عن كتابه “السيرة الذاتية الشعرية”، جائزة الدولة التقديرية عام 2002 عن كتابه “القصيدة العربية الحديثة”.

وأصدر في مجال النقد أكثر من 25 كتابا منها “المتخيّل الشعري: أساليب التشكيل ودلالات الرؤية في الشعر العراقي الحديث”، “جماليات القصيدة العربية الحديثة”، “تأويل رؤيا الحكاية: في تمظهرات الشكل السردي”، “المغامرة الجمالية للنص القصصي” و”البقع الشعرية الأرجوانية: مقاربة جمالية في ديوان ‘لا حرب في طروادة، كلمات هوميروس الأخيرة’ لنوري الجراح”. وفي الشعر أصدر “الأعمال الشعرية 1980 – 2007”، ودواوين أخرى.

 

  • كاتب عراقي

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي