في سوسيولوجيا الأدب: من البنيوية إلى البنيوية التكوينية

2020-11-24 | منذ 7 شهر

يوصي غولدمان بإلحاح شديد النقد الأدبي بأن لا يغفل التحليل الداخلي للأثر أو النتاج الأدبي

محمد الديهاجي*

فكرة تفسير الأدب أو الأثر الأدبي، في ضوء إنتاجه، عاشت بدايتها الأولى، في فرنسا في القرن التاسع عشر مع كتابات «مدام دو ستايل» 1766-1817. وتحديدا مع كتابها الشهير «الأدب في علاقته بالمؤسسات الاجتماعية» الصادر عام 1800. ثم سرعان ما سيأخذ هذا الاتجاه (سوسيولوجيا الأدب) أبعادا أخرى، من خلال أعمال المجري جورج لوكاتش، والفرنسي لوسيان غولدمان، بعد أن جعلا من موضوع الرواية مجالا لاختبار فروضهما الجديدة.

لقد كان كل واحد منهما، يقر بأن « الرواية مرتبطة بالتاريخ البورجوازي الأوروبي. فتطور حياة هذه الطبقة في المجتمع الصناعي ارتبط بتطور القيم الاقتصادية التي أجرت تأثيرا معينا في القيم الأدبية. يتجلى بصورة معينة في تحول شكل الرواية الكلاسيكية، ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر حتى خمسينيات هذا القرن. وهذا الاتجاه يود ألا يقتصر سوسيولوجيا الأدب، على بحث العلاقة بين مضمون الأثر والوقائع الاجتماعية والتاريخية، وإنما أن يضم إلى بناء الأثر الفني أو الأدبي أيضا.

فينظر في الأثر نظرة كلية شاملة، من داخل بنائه الداخلي الخاص، وبناء الوسط الخارجي الذي نشأ فيه».

ثانيا ـ غولدمان والبنيوية التكوينية

جدير بالإشارة بداية إلى أن البنيوية التكوينية شكلت حوارا يقظا بين تصورين/ منهاجين متعارضين، ألا وهما المنهج البنيوي التحليلي الوصفي، والمنهج الاجتماعي الدياليكتيكي. إنها حوار في أفق منهج تكاملي جديد «يعتمد على النظرية السوسيولوجية، والنظرية الأدبية في وقت معا».

لقد تأسست البنيوية التكوينية نتيجة النواقص والإحراجات التي ميزت المنهجين السالفين، في أفق ربط الداخل (داخل النص) الذي دافع عنه البنيويون، بالخارج (خارج النص دائما) الذي تشبث به نقاد المنهج الاجتماعي الجدلي بمرجعيته الماركسية في تفسيرها للظاهرة الأدبية، التي تقوم على ثنائية ملازمة لها وهي: البنية التحتية والبنية الفوقية والجدل القائم بينهما.

ولعل زعيم هذا الاتجاه لوسيان غولدمان، فطن مبكرا، في إطار نظريته المسماة «علم اجتماع الإبداع الفني في الأدب»، إلا أن ما يميز النص الأدبي، كونه يتأسس أو يقوم على ما سماه هو نفسه بـ»رؤية العالم» التي هي بالأساس من إنتاج وإبداع الجماعة.

أما الفرد، فإنه لا يقوم سوى بتحويلها إلى مستوى الإبداع الخيالي، أو على مستوى الفكر النظري بنوع من الانسجام الخلاق.

لقد أدرك غولدمان أن العلاقة الموجودة بين الإبداع والوعي الجماعي، ليست علاقة تطابق كلي وآلي، وإنما هو فقط تطابق على مستوى البنيات، لأن مضامين الأعمال الإبداعية مجازية صرفة وتختلف كثيرا عن المضمون الواقعي للوعي الجماعي.

وهكذا، فإن من أهم المفاهيم التي قام عليها المشروع الغولدماني في نظريته (علم اجتماع الإبداع الفني في الأدب) ما يلي :

البنية الدلالية:

يؤكد غولدمان في مستهل مشروعه التنظير السالف ذكره أعلاه، على أن الأعمال الأدبية، هي أبنية دالة بامتياز، ولا يمكن، في أي حال من الأحوال، فهمها إلا من خلال الدراسة التوليدية القائمة على ثنائية: الفهم والتفسير.

أي فهم دلالة هذه الأعمال كبنيات دالة أولا، ثم ربطها ببنيات أوسع وأشمل، بالضرورة هي بنيات خارجية/اجتماعية، تمثل رؤية العالم لجماعة بشرية ما ثانيا. إن العمل الأدبي هو ملتقى مجازي لمجموع الطموحات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية للجماعة.

وإن مفهوم البنية الدلالية، حسب غولدمان، يفترض «لا فقط وحدة الأجزاء ضمن كلية العلاقة الداخلية بين العناصر، بل يفترض في الوقت نفسه، الانتقال من رؤية سكونية إلى رؤية دينامية، أي وحدة النشأة مع الوظيفة، بحيث نكون أمام عملية تشكل للبنيات متكاملة مع تفككها. إن مفهوم البنية الدلالية يشكل الأداة الرئيسة للبحث في أغلب الوقائع الماضية والحاضرة».

وفي هذا السياق، يوصي غولدمان بإلحاح شديد النقد الأدبي بأن لا يغفل التحليل الداخلي للأثر أو النتاج الأدبي، وإدخاله في «علاقة مع البنيات الأساسية للواقع التاريخي والاجتماعي».

 

إن البنيوية التكوينية قد توفقت، في اختبار فروضها، في مجال الرواية أكثر من نجاحها في دراسة الشعر. وربما هذا راجع لخصوصية الرواية.

رؤية العالم:

يرى غولدمان أن «رؤية العالم» هي رؤية ذات طبيعة اجتماعية طبقية، وفق المنظور الجدلي. والوعي الجماعي الثاوي في العمل الأدبي، هو على عكس الوعي أو الضمير الفردي للكاتب، إذ يكون ـ الوعي الجماعي ـ أكثر وضوحا وتماسكا في ضمير صاحب العمل. إن هذه الرؤية، بتعبير غولدمان «ليست واقعة فردية، بل واقعة اجتماعية تنتمي إلى مجموعة أو إلى طبقة.

وتبعا لبرهنته، فإن أي رؤية للعالم هي وجهة نظر متناسقة ووحدوية حول مجموع واقع وفكر الأفراد، الذي يندر أن يكون متناسقا ووحدويا، باستثناء بعض الحالات. لا يتعلق الأمر هنا بوحدة ميتافيزيقية ومجردة، بدون جسم ولا شكل، بل يتعلق الأمر بنسق فكري يفرض نفسه، في بعض الشروط على مجموعة من الناس توجد في شروط متشابهة، أي على بعض الطبقات الاجتماعية».

إن العمل الأدبي العظيم، لا يعكس موقف أو رأي صاحبه، بل هو تعبير عن الذات الفردية في تماهيها المطلق مع الذات الجماعية، في إطار مشتركات إيديولوجية، واجتماعية، وسياسية وثقافية، إلخ، تشكل محددات أساسية لطبقة اجتماعية معينة، من شأنها أن تنعكس، بوعي أو بدون وعي، في ضمير الأديب.

والأكيد أن «ربط رؤية العالم بالطبقات الاجتماعية، وبالبنيات الذهنية لهذه الطبقات، يسمح لمؤلف سوسيولوجيا الرواية، بتطوير نظرية كاملة عن سمة النتاج، وبتحديد الإبداع الثقافي وبتفسير التأثير الاجتماعي تفسيرا مدققا».

الفهم والتفسير:

٭ مرحلة الفهم: وتشكل المرحلة الأولى في دراسة العمل الأدبي. وهي تتوجه إلى النص وتقصده في ذاته باعتباره مدونة لمجموعة من العناصر الدالة التي ينبغي عليها أن تتواشج في وشيجة متماسكة وشاملة. لذلك ينبغي على الدارس خلال هذه المرحلة، أن يتحلى بالعلمية في تحليله، وأن يركز على البنية الداخلية للنص. إن غولدمان، في هذا الإطار دائما، يشترط علينا كدارسين سوسيولوجيين، أن نتناول النص حرفيا، وأن نبحث داخله «عن بنية شاملة ذات دلالة»

٭ مرحلة التفسير: في هذه المرحلة، يقوم الدارس بإدراج بنية النص في بنية أعم تكشف عن عوامل وشروط إنتاجها وتولدها في الواقع الخارجي الذي يتشكل من

بنيات إيديولوجية، واجتماعية، وتاريخية، وسياسية… والحق أن هاتين المرحلتين، في التحليل الغولدماني، تميزتا بنوع من اللبس، الشيء الذي جعلهما مثار نقاشات موسعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بإمكانية الفصل بينهما أثناء معالجة بعض القضايا كالليبيدو مثلا.

ومهما يكن من أمر، فإن غولدمان يلح على أن العلاقة بين الفهم والتفسير، هي علاقة تكامل، موضحا ذلك بالمثال التالي، يقول: «وعلى سبيل المثال نذكر كيف أن فهم الخواطر أو مآسي «راسين»، هو نفسه الكشف عن الرؤية المأساوية المكونة للبنية الدالة المنتظمة لكل من هذه الأعمال في جملته، في حين أن فهم البنية الجانسينية هو نفسه تفسير لتكوين الجانسينية المتطرفة، وأن فهم تاريخ النبالة المثقفة للقرن السابع عشر، هو ذاته تفسير لتكوين الجانسينية، كما أن فهم العلاقات الطبقية في المجتمع الفرنسي للقرن السابع عشر، هو تفسير لتطوير النبالة المثقفة وهكذا».

وعلى غرار باقي المناهج الأخرى، لم ينج المنهج البنيوي التكويني من مآخذ، سنتقتصر على ذكر أهمها:

– أولها أن معظم الدراسات التي طبقت المنهج البنيوي التكويني، ركزت على المحتوى في العمل الأدبي، خصوصا محتوى الواقع الاجتماعي والتاريخي. وهي بذلك «تدفع الأدب نحو مفهوم الوثيقة، أكثر من دفعه نحو مفهوم الأدب ذاته، نظرا لغياب منهج النقد الأدبي عامة والثقافة الفنية خاصة».

– إن البنيوية التكوينية قد توفقت، في اختبار فروضها، في مجال الرواية أكثر من نجاحها في دراسة الشعر. وربما هذا راجع لخصوصية الرواية. لقد ركز رواد هذا الاتجاه، حسب يمنى العيد «على عناصر بناء عالم الرواية في تناسقها وتلاحمها. والتناسق هنا يختلف في تجلياته، عن التناسق في تجلياته في النص الشعري وذلك باختلاف خصائص عناصر كلا النصين، وبالنظر في مسألة نظام اللغة في النص الشعري ودوره في إنتاج الدلالات ومكامن الجمال فيها».

والقارئ لكتاب «في معرفة النص» ليمنى العيد، سيجد أنها سجلت الملاحظة المدونة في المقتطف الأخير من كتابها، منتقدة بذلك الدارس المغربي محمد بنيس من خلال كتابه «ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب» حين تطبيقه للمنهج البنيوي التكويني على المتن الشعري المغربي الستيني.

– لقد ظلت هذه النظرية تفتقر إلى الأدوات الإجرائية القادرة على تحليل النص الأدبي خلال مرحلة الفهم بغية الكشف عن البنية الدالة لهذا الأثر.

 

  • شاعر وناقد مغربي


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي