في رواية "أن تعشق الحياة": علوية صبح تقهر المرض بالرقص والحكي

2020-11-05 | منذ 7 شهر

تتحدّر بسمة من أسرة جنوبية نازحة إلى ضواحي بيروت

سلمان زين الدين*

حين قامت شهرزاد بفعل الروي في «ألف ليلة وليلة» كانت تهدف إلى شفاء شهريار من عقدته النفسية إزاء النساء، وهو ما تبلغه في نهاية «الليالي». أمّا حين تقوم بسمة بالفعل نفسه، في رواية «أن تعشق الحياة» للروائية اللبنانية علوية صبح، فتهدف إلى شفاء نفسها من عطب الجسد، الأمر الذي يتحقّق في نهاية الرواية. وبذلك، يقوم الحكي بوظيفة شفاء المرويِّ له في الأولى، وشفاء الراوي في الثانية. على أنّ للحكي في الرواية وظائف أخرى تتناغم مع وظيفة الشفاء وتتكامل. ومنها: الولادة الثانية، إشباع الأمان، التخفّف من الأعباء، الاعتراف، البوح بالأسرار، المشاركة، نسيان الألم، ومحو ملامح الآخر، وغيرها.

العالم المرجعي

العالم المرجعي الذي تمتح منه علوية صبح، في هذه اللحظة الروائية، هو العالم العربي المحكوم بالحروب والديكتاتوريات والأصوليات، والطوائف، والهزائم والانكسارات، التي ترخي ثقلها على شخوص الرواية، وتصيبها بأعطابٍ قاتلة في النفس والجسد والرزق، فتتعثّر مساراتها، وتتردّى مصائرها في مهاوي العنف والفقر، واليأس والقمع والمرض. ولعلّ هذا العطب الأخير، هو الأكثر حضورًا في الرواية، ذلك أن الصراع مع المرض، هو الثيمة التي تتمحور حولها الأحداث، وهو صراع يدفع فيه الجسد أثمانًا باهظة، بالتزامن مع الصراع على السلطة في العالم العربي، الذي تدفع فيه المدن العربية أثمانًا باهظة.

فهل يشكّل انتصار الجسد على المرض إرهاصًا روائيًّا باستعادة المدن المريضة عافيتها؟ وفي مواجهة هذه الأعطاب، تتراوح شخوص الرواية بين المغلوب على أمره، المستسلم لقَدَرِه، الأمر الذي ينطبق على الشخصيات الثانوية في الرواية، ومن يأخذ أمره بيده، ويقاوم عطبه، ويصنع قَدَرَه بنفسه، الأمر الذي ينطبق على الراوية والروائية وبعض الشخصيات الرئيسية فيها.

تعدّد الحكايات

لكلّ شخصية في الرواية حكايتها التي تطول أو تقصر حسب أهميّة الشخصية ودورها في سياق الأحداث، سواء من موقع الفاعل فيها أو المنفعل بها، وتعكس جانبًا من الحكاية العربية العامة، بفصولها المختلفة، فيلتقي الزمنان الخاص والعام في الرواية. على أنّ ما يجمع بين الحكايات المختلفة، في الشكل، تَعالُقُها مع بسمة، بالعيان أو السماع أو المشاركة، وما يجمع بينها، في المضمون، انطواءُ كلٍّ منها على عطبٍ معيّن، يودي بالشخصية غالبًا، وتنتصر عليه أحيانًا. وإذا كان المقام لا يتّسع للإحاطة بجميع الحكايات، فَحَسْبُنا التوقّف عند الحكاية الرئيسية في الرواية التي تتمحور حول الراوية وعلاقاتها المختلفة.

بسمة الراقصة

في محتوى الحكاية الرئيسية، تتحدّر بسمة من أسرة جنوبية نازحة إلى ضواحي بيروت، بفعل الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على الجنوب. وتتراوح إقامتها بين النبعة وسن الفيل ورأس النبع. وإذ تأنس في نفسها ميلاً إلى الرقص، تصطدم برفض الأم ذات العقلية الذكورية، ويحول ضيق ذات اليد دون تحقيق ميلها. فيأتي تدخّل الخال العائد من البرازيل، ليشكّل انعطافة في مجرى حياتها، ينقذ الأسرة من الفقر، ويحقّق لبسمة ما تحلم به، بتسجيلها في معهد للرقص، حتّى إذا ما تخرّجت منه، تقوم بالتدريب على الرقص، وتنظيم العروض الراقصة التي تنخرط فيها تصميمًا، ورقصًا، وتدريبًا وعرضًا.

غير أنّ العالم المرجعي الذي تنوجد فيه يجور عليها، كما على غيرها من الشخصيات، فيأتي انتحار الأب بعد إصابته في الحرب الأهلية، ورحيل الحبيب الأوّل أحمد بمرض السرطان، وموت الأم حزنًا على الأب، واضطرام الحروب الأهلية، لتصيبها بالعطب، على المستوى الجسدي، فتعتريها تشنّجات تُفقدها المرونة والتحكّم بجسدها، وتجعل من الأخير عبئًا عليها، فتخسر قدرتها على الرقص والتحليق في فضاء المسرح. ومع هذا، تقرّر المقاومة، واستعادة جسدها، مدفوعةً بعشقٍ صارخٍ للحياة.

يوسف الرسّام

من جهة ثانية، يتحدّر يوسف، الطرف الآخر في علاقة الحب التي تؤطّر الحكاية الرئيسية، من بيئة جنوبية عشائرية، ويحمل على كتفيه عبء مقتل أبيه وإخوته في عملية ثأر عشائري، خرج منها بجرحٍ نفسيٍّ كبير، وبجرحٍ في أحد ساقيه يصيبه بِعَرَجٍ دائم. وبذلك، يقع طرفا العلاقة تحت وطأة العالم المرجعي وإفرازاته الثقيلة، ويكون على كلٍّ منهما التصدّي له بطريقته الخاصة، فتلجأ بسمة إلى الرقص، ولاحقًا الحكي/ الكتابة، ويلجأ يوسف إلى الرسم.

ويشكّل الفنّ سلاحًا ماضيًا في مواجهة الواقع القاسي، حتى إذا ما التقى الطرفان، أثناء معرضٍ يقيمه الطرف الثاني، تكون بداية علاقة بينهما، ومسارٌ مشترك تكتنفه تحوّلاتٌ معيّنة، تتمخّض عن مصيرين مختلفين.

 

على هامش هذه الحكاية الرئيسية، ثمة مجموعة من الحكايات، القصيرة والمتوسّطة، تقول الأثقال التي يُرخي بها العالم المرجعي على شخوص الرواية، وتتمظهر في الحروب والديكتاتوريات والأصوليات والذكوريات والفتاوى والأمراض وغيرها.

تمظهرات العلاقة

في العلاقة بين الطرفين، تُشكّل لوحة المرأة التي تُسنِد ظهرها إلى شجرة، شاهدتها بسمة في معرض يوسف في المقهى البحري، ورأت فيها نفسها وعلاقتها بحبيبها الأوّل أحمد، بداية العلاقة بين بسمة ويوسف. وهي علاقة تروح تنمو باللقاءات الدورية في أكثر من مكان، يتبادلان خلالها الكلام والهواجس والقواسم المشتركة بينهما، وتبلغ الذروة حين يعترفان بحب أحدهما الآخر، وتتكلّل بالزواج.ويتمظهر، في إطارها، حب يوسف، وانفتاحه، وشغفه، ورومانسيته.

يقوم برسم بسمة في وضعيات مختلفة، ويسمعها أجمل الكلام، ويطير بها في فضاءات الجسد، من جهة. ويتمظهر، في الإطار نفسه، حب بسمة، وتعلّقها به، وتفانيها في سبيله، من جهة ثانية. غير أن العالم المرجعي يكون لهما بالمرصاد، فيأتي مقتل أمّه في حرب يوليو/تموز 2006 وتَرَمُّد جثّتها تحت أنقاض المنزل ليشكّل بداية سلسلة من التحوّلات في حياة يوسف. ويأتي مقتل أخيه الوحيد الوحيد المتبقّي من أسرته في سوريا ليصبّ الزيت على نار تحوّلاته.

وهي تتّخذ أشكال الصمت، والعزلة، والدمع المخبوء، والانفعال، والابتعاد عن الزوجة، والضعف، والكتمان، والوحدة، والصراخ، والإهمال، والقلق، والالتزام الديني. وتتدرّج تلك التحوّلات صُعُدًا حتى يشترط على بسمة التنقّب، واعتزال الرقص تحت طائلة الانفصال، وتبلغ الذروة حين يقوم بطلاء لوحاته التي رسمها لها باللون الأسود، وتمزيقها وتحطيم الأثاث، ما يؤدّي بهما إلى الافتراق. ويكون من نتائج ذلك: أن يفشل هو في نسيانها، فيطلق اسمها على ابنته المولودة من زوجة منقّبة، ويتعلّق بها تعويضًا عن حبّه المفقود، ويهيم على وجهه لاحقًا إلى أن ينطفئ، من جهة.

وأن تقوم هي بمحوه من ذاكرتها بحكي الحكاية لحبيبها الافتراضي فصلاً فصلاً، حتى إذا ما بلغت الفصل الأخير، تعلن تَخَفّفها من ملامحه، من جهة ثانية. ويأتي نجاحها في العرض الراقص بعد شفائها من مرضها ليشكّل رسالة روائية حول أهمية أن نعشق الحياة لنتحرّر من أثقالنا، وأهميّة الحكي في الشفاء من المرض، وأهمية الإرادة في الانتصار على الأعطاب. وبهذا المعنى حصرًا، تصبح الراوية مرآة للروائية، وتتماهي بسمة بعلوية في عشق الحياة ومقاومة المرض والانتصار عليه.

على هامش هذه الحكاية الرئيسية، ثمة مجموعة من الحكايات، القصيرة والمتوسّطة، تقول الأثقال التي يُرخي بها العالم المرجعي على شخوص الرواية، وتتمظهر في الحروب والديكتاتوريات والأصوليات والذكوريات والفتاوى والأمراض وغيرها.

وتقول كيفية تفاعل الشخوص مع الواقع عليها من هذه الأثقال، سواء من موقع الاستسلام لها أو مقاومتها، والنتائج المترتّبة على هذا التفاعل.

وهكذا، لا تكتفي علوية صبح بكتابة حكاية بسمة/ حكايتها، بل تكتب حكايات الآخرين ضحايا العالم المرجعي وإفرازاته، ممّا عاشته أوعاينته أو سمعت به أو تخيّلته.

وهي حكايات تعكس قدرة هذا العالم على التأثير في أبنائه، فيسقطون في مصائرهم الفاجعة، ولا ينجو من تأثيره سوى القلّة التي تمتلك إرادة التحدّي والقدرة على المواجهة، كما في حالتي بسمة وأنيسة. ومن خلال الحكاية الرئيسية والحكايات المتعالقة معها، تميط الكاتبة اللثام عن الأعطاب الكثيرة التي تعتور العالم العربي، من القمع الواقع على المرأة، إلى التعصّب الديني، والاستبداد السياسي، وتهافت الأحزاب، وازدواجية المسؤولين، وازدهار الأصوليات، وتغييب العقل، وتغليب الخرافة، وفوضى الإفتاء، واستشراء العنف، وغيرها. وبذلك، يعكس الخاص العام، ويتزامن معه.

الخطاب الروائي

في الخطاب الروائي، تضع علوية روايتها في اثنين وعشرين فصلاً، يتراوح طول الواحد منها بين ست صفحات، في الحد الأدنى، كما نرى في الفصل الأوّل، وتسعٍ وعشرين صفحة، في الحد الأقصى، كما نرى في الفصلين الخامس والسادس. وهو ما يعادل اثنتين وعشرين ليلة في لغة «الليالي»، وتصطنع شهريارًا تحكي له لتشفى هو الكاتب والمخرج المسرحي حبيب اليوسفي، الذي غالبًا ما تبدأ الفصل بالتوجّه إليه لتحدّد الحكاية الجديدة ووظيفة الحكي، وتكرّر التوجّه في ثنايا الفصل في نوع من الالتفات الروائي العفوي الذي يستحضر المخاطب المروي له، ويمنح الروائية دور الحكواتي الشعبي.

على أنّ الفصل الواحد قد يتمحور حول شخصية واحدة أو أكثر، وحكاية الشخصية الواحدة قد تتناثر على عدّة فصول، وتترك للمتلقّي ترف جمع نثار الحكاية. وهي في عملها هذا لا تراعي خطية الزمن، ولا تهتم بتسلسل الأحداث.

وبذلك تجمع بين البنية التقليدية للحكاية بسيرها على نهج «ألف ليلة وليلة» في مقدّمات الفصول/ الليالي، والبنية الحديثة في كسر كرونولوجية الزمن وتسلسل الأحداث.

وهي لكي تحفظ وحدة الرواية من التشظّي، ببنيتها الحداثية، تقوم بطرح سؤالٍ يتكرّر في الفصول المختلفة كلازمة، ويشكّل سلكًا ينتظم سُبْحة الرواية وحباتها الاثنتين والعشرين حبة، ومهمازًا لمتابعة القراءة، وعنصرًا من عناصر التشويق، ويتعلّق بالسبب الذي جعل يوسف يتحوّل عنها ويغدر بها، الأمر الذي يتمّ التصريح به كاملاً في الفصل الحادي والعشرين وما قبل الأخير.

هذه الآليات يتمّ التعبير عنها بلغة سردية رشيقة، متعدّدة المستويات، تؤثر التراكيب القصيرة والمتوسّطة، وتُعْرض عن تلك الطويلة التي كثيرًا ما تتسبّب في ترهّل النص الروائي. وهي تُسمّي الأشياء بأسمائها بدون لفٍّ ودوران.

ولا يفوتها تطعيم هذه اللغة بصوَرٍ جميلة تتحقّق من خلالها شعرية اللغة، التي تشكّل قيمةً فنية مضافة إلى روائيّتها. وتأتي المحكية الجنوبية على لسان الشخصيات المختلفة لتوهم بواقعية الرواية وصدقها الفني، وهما عنصران أساسيّان في روائية الرواية.

بهذا المحتوى والإطار، وبهذه الحكاية وهذا الخطاب، تشغل علوية صبح موقع الصدر في صالون المشهد الروائي العربي الذي دخلته، ذات يوم من بابه الواسع، وتستحقّ أن تُتوَّج شهرزاد الرواية العربية.

 

  • شاعر لبناني

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي