قدّموا "العيدية" ذهبا في الحلوى ونظموا استعراضات الجيوش والأسود والفيلة وأطلقوا المساجين.. بهجة الأعياد عند المسلمين

2020-08-04 | منذ 3 شهر

تدلّ المروياتُ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له يوم العيد ما يشبه الموكب، وكان يُمسك بحربة وهو يقود هذا الموكب المبارك. وروى القاضي التنوخي (ت 384هـ/995م) -في ‘نشوار المحاضرة‘- أن من "محاسن الإسلام يوم العيد بطَرَسوس" التي تقع جنوبي تركيا اليوم، وكانت ثغرا عظيما لمواجهة الروم البيزنطيين حتى استولوا عليها سنة 354هـ/966م، فكان العيد -رغم أنه مناسبة فرح وسرور- فرصة لاستعراض القوة العسكرية للمجاهدين المرابطين فيها!! وقارئ هذا المقال لن يغيب عنه هذا الملمح اللافت الذي يربط العيد بمواكب الاستعراض العسكري وجموع الفَرِحين المُكبِّرين التي لم تنقطع عن حواضر العالم الإسلامي طوال قرون.

عرف المسلمون الأعياد وكانت عندهم مواسم للبهجة والمرح والتلاقي الاجتماعي، كما كانت عبادةً وقُرُبات ونُسُكاً، وقوة وفتوّة وعرضا للمكتسبات السياسية والعمرانية التي أنجزتها الدولة والمجتمع. كانت الأعياد دفعة أفراح وابتهاج غامرة في حواضر العالم الإسلامي، حتى لكأن المسلمين في أيام أعيادهم لا يشغلهم سوى المفاكهة والحياة السعيدة، وكان الرائد في هذ السلوك البهيج هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرشد أمته لطرائق البهجة النبيلة، وكان يحرص على أن يكون هو ومن حوله أشدَّ الناس فرحا بالأعياد، والحقُّ أن مبعث ذلك هو التوازن بين الروح والمادة والمرح والجدة الذي أقام بنيانَ العمران والاجتماع الإسلامي؛ وفي هذا المنحى يتنزُّل هذا المقال راصدا ملامح بهجة الأعياد في تاريخ المسلمين!

فرحة نبوية

منذ فجر الإسلام؛ كانت فرحة العيد تسبقُه قبل أن يحلّ فكانت ليلة تحرّي الهلال ليلة أُنْس وحُبور، وكان عيدُ النبيّ صلى الله عليه وسلّم وأصحابه متواضعًا بسيطًا لكنّه أخذ من المَسرّات حظًّا وافرًا ليكون يوم الجمال التامّ في كل شيء بأمر من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخرج الحاكم (ت 405هـ/1015م) -في ‘المستدرك‘- أن الحسن بن عليّ (ت 49هـ/670م) قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجودَ ما نَجِدُ، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد"!

وكان النبي صلى الله عليه وسلم "يغدو يوم العيد إلى المصلى من الطريق الأعظم، فإذا رجع رجع من الطريق الأخرى"؛ كما روى الشافعيُّ (ت 204هـ/820م) في كتابه ‘الأمّ‘. وكان له يوم العيد ما يشبه الموكب؛ فقد أخرج البخاريّ (ت 256هـ/870م) -في صحيحه- أنه صلى الله عليه وسلم كان "إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها..، فمن ثـَمَّ اتخذها الأمراء". وقد ذكر غيرُ واحدٍ من المؤرخين هذه الحربة؛ فقال الواقديّ (ت 207هـ/823م) -فيما نقله عنه السمهودي (ت 911هـ/1505م) في ‘وفاء الوفا‘- إنها "كانت للزبير بن العوام -أعطاه إياها النجاشي (ت 9هـ/631م)- فوهبها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يخرج بها بين يديه يوم العيد".

وكان حملُها بين يديْ النبيّ ثم خلفائه من بعده شرفًا يُحفظ فيتوارثه الخلفاء والملوك؛ فقد ذكر ابن كثير (ت 774هـ/1372م) -في ‘البداية والنهاية‘- أن سعدًا القرظي (ت 39هـ/660م) "كان مؤذن مسجد قبا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما ولي عمر الخلافة ولاه أذان المسجد النبوي وكان أصله مولى لعمار بن ياسر (ت 37هـ/658م)، وهو الذي كان يحمل العنزة بين يدي أبي بكر (ت 13هـ/634م) وعمر (ت 23هـ/645م) وعليّ (ت 40هـ/661م) إلى المصلى يوم العيد، وبقي الأذانُ في ذريته مدة طويلة". وجاء في تكملة خبر الواقدي المتقدم "وهي (= حربة النبي) اليوم بالمدينة عند المؤذنين؛ يعني يخرجون بها بين يديْ الأئمة في زمانه"، أي زمان الواقدي في عهد العباسيين.

وكانت الفرحةُ بالعيد زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم عامّة، إذ روى صاحبا الصحيحين وغيرهما عن أم عطية الأنصارية (ت نحو 70هـ/690م) "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُخرج الأبكار والعواتق (= الفتيات) وذوات الخُدور والحُيَّض في العيدين، فأما الحُيَّض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين"؛ (وهذا لفظُ الترمذيّ ت 279هـ/892م). وكانت صلاةُ العيد تسبق خطبتَه حتى جاء الأمويون وصار الناس ينفضون عن خطبهم السياسية بعد انقضاء الصلاة، وأرادوا حملهم على البقاء لسماعها فكان "أولَ من بدأ بالخطبة يوم العيد -قبلَ الصلاة- مروان (بن الحكم ت 65هـ/685م)"؛ كما في ‘صحيح مسلم‘.

ولم يخلُ العيدُ في الزمن النبويّ من اللهو واللعب؛ إذ أخرج البخاريّ عن عائشة (ت 58هـ/678م) أنها قالت: "دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (= آخر معركة بين الأوس والخزرج 617م)، قالت: وليستا بمغنيتين؛ فقال أبو بكر: أمزاميرُ الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! وذلك في يوم عيد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا!»". وزاد في رواية أخرى: "قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدَّرَق (= التروس الجلدية) والحراب، فإمّا سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وإمّا قال: «تشتهين تنظرين؟»، فقالت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده".

مراسم محدثة

لم يُنقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شيء في لفظ التهنئة بالعيد لكنّه نُقل عن الصحابة والتابعين؛ ولعلّ أشهره ما جاء في "باب الدعاء في العيدين" من كتاب ‘الدعاء‘ للطبراني (ت 360هـ/971م): "عن راشد بن سعد (المقرائي ت 113هـ) أن [الصحابييْن] أبا أمامة الباهلي (ت 86هـ/705م) وواثلة بن الأسقع (ت 85هـ/704م).. لقياه في يوم عيد فقالا: «تقبل الله منا ومنك»"!

ومع تطور مراسم الدولة الإسلامية؛ صارت لصلاة العيد -وكان السلاطين هم أئمتها- وخطبته ترتيبات أكبرُ وأعظم، حتى روى القاضي التنوخي (ت 384هـ/995م) -في ‘نشوار المحاضرة‘- أنه "كان يقال: من محاسن الإسلام: يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد بطَرَسوس"! وهذا المقريزيّ (ت 845هـ/1441م) يصفُ لنا -في ‘اتِّعاظ الحُنَفا‘- التجهيزاتِ لصلاة العيد زمن الخليفة الفاطميّ العزيز (ت 386هـ/997م)؛ فيقول: "وبُنِيَتْ مَصاطِب (= جمع مَصْطَبَة: مكان مرتفع قليلا) ما بين القصر والمصلى.. يكون عليها المؤذنون والفقهاء، حتى يصل التكبيرُ من المصلى إلى القصر..، وركب العزيز فصلى وخطب".

وكانت الصلاة تُعقد في أماكن مفتوحة ومحددة وبعضها معيّن بأسماء غير بعيدة من أسماء الساحات العامة بمدننا اليوم؛ ففي ‘المسالك والممالك‘ للإصْطَخْري (ت 346هـ/957م) أن "مصلى رسول الله الذى كان يصلي فيه الأعياد [يقع] في غربي المدينة"، وفي بغداد يخبرنا التنوخي -في ‘نشوار المحاضرة‘- أن "مصلى الأعياد في الجانب الشرقي من مدينة السلام"، وفي مصر يقول المقريزي -في ‘الخطط والآثار‘- أن "مصلى خولان.. [كان هو] مشهد الأعياد ويؤم الناس ويخطب لهم.. في يوم العيد خطيب جامع عمرو بن العاص (ت 43هـ/664م)"، وفي دمشق كانوا يصلون بساحةٍ تُدعى ‘الميدان الأخضر‘، ذكرها ابن تَغْرِي بَرْدِي (ت 874هـ/1470م) -في ‘النجوم الزاهرة‘- حين وصَف صلاة العيد فقال: "وأطلعوا المنبر إلى الميدان الأخضر".

وربما تتعدد صلوات العيد في المدينة الواحدة بتعدد المذاهب الفقهية فيها، كما كان يحصل في مدينة سَقْسين ببلاد الخزر -وهي المنطقة الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود- التي يقول عنها القزويني (ت 632هـ/1235م) -في ‘آثار البلاد‘- إن "أهلها مسلمون، أكثرهم على مذهب الإمام أبي حنيفة (ت 150هـ/767م)، ومنهم من هو على مذهب الإمام الشافعي. وفيها جوامع لكل قوم جامع يصلون فيه، ويوم العيد تُخرَج منابر، لكل قوم منبر يخطبون عليه ويصلون مع إمامهم".

ومن المواقف الطريفة المرتبطة بصلوات العيد ما وقع في إحداها بالمغرب الأقصى أيام السلطان أبي العباس الوطاسي (ت نحو 960هـ/1552م)؛ فقد ذكر الناصري السلاوي (ت 1315هـ/1898م) -في ‘الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى‘- أن "الناس خرجوا يوم العيد للصلاة فانتظروا السلطان فأبطأ عليهم ولم يأتِ إلى [حينِ] خروجِ وقت الصلاة، وحينئذ أقبل السلطان.. في أبّهته فلما انتهى إلى المصلى نظر الشيخ أبو مالك (= عبد الواحد بن أحمد الونشريسي ت 955هـ/1548م) فرأى أن الوقت قد فات، فرقِي المنبرَ وقال: معشر المسلمين أعظم الله أجركم في صلاة العيد فقد عادت ظهرا! ثم أمر المؤذنَ فأذّن وأقام الصلاة، فتقدم الشيخ أبو مالك وصلى [بـ]ـالناس الظهر، فخجل السلطان أبو العباس واعترف بخطيئته"!!

وكان من الاحتفالات القديمة -والمستمرة حتى الآن- كسوةُ الكعبة المشرَّفة في عيد الأضحى خاصّة؛ فقد قال الفاسي (ت 832هـ/1429م) -في ‘شفاء الغرام‘- إن "الكعبة تُكسى -في عصرنا هذا- يومَ النحر من كل سنة، إلا أن الكسوة في هذا اليوم تسدل عليها من أعلاها، ولا تُسْبل حتى تصل إلى منتهاها -على العادة- إلا بعد أيام من يوم النحر". ويبدو أن تلك العادة كانت مختلفةً قليلًا عما عُهِد قبل ذلك بقرون؛ فقد قال الفاسي معقّبًا: "وذكر ابن جبير [في رحلته] ما يقتضي أن الكعبة لا تُكسى في يوم النحر، وإنما تُكسى في يوم النَّفَر الثاني (= ثالث أيام التشريق)".

ويبدو استذكار الأحزان في العيد عريقا في تاريخنا؛ فعادة زيارة المقابر في الأعياد ضاربة الجذور رغم عدم وجود أصلٍ شرعيّ لها. ولعلّ ذلك أثار حفيظة السلطة في بعض الأزمنة، إذ رأت فيه تنغيصًا غير مرغوب فيه لفرحة العيد؛ فالمقريزي يحدثنا -في ‘الخطط والآثار‘- أنه في سنة 402هـ/1012م أصدر الفاطميون قرارا رسميا بـ"منع النساء من زيارة القبور فلم يُـرَ في الأعياد بالمقابر امرأةٌ واحدةٌ". ثم تكرر الأمر أيام المماليك، حيث يقول المقريزي -في ‘السلوك‘- إنه في 29 رمضان 792هـ/1390م "نودي في القاهرة بمنع النساء من الخروج يوم العيد إلى التُّرَب (= المقابر)"!

تجمُّل بالغ

لعلّ أهمّ تجهيزات العيد هو عناية الناس بزينتهم ونظافة أبدانهم وتجديد ثيابهم، وهو أمرٌ نبويٌّ -كما سبق ذكره- اهتمّ الفقهاء بالتأكيد عليه حتى إنهم فضلوه على الغسل للجمعة مع أن صلاتها فرض والعيد سُنَّة؛ لأن "غسل العيد مأمور به لأخذ الزينة فاستوى فيه من حضر العيد ومن لم يحضر كاللباس، وغسل الجمعة مأمور به لقطع الرائحة -لئلا يؤذي بها من جاوره [بالمسجد]- فإذا لم يحضر زال معناه"؛ حسب الإمام الماوردي (ت 450هـ/1058م) في ‘الحاوي الكبير‘. وأيضا لأن الشرع "طَلَب.. [في العيد لبس] أعلى الثياب قيمةً وأحسنها منظرا، ولم يختص التزين فيه بمريد الحضور [لصلاة العيد]"! كما يقول الرملي الشافعي (ت 1004هـ/1596م) في ‘نهاية المحتاج‘.

وقد حرص أعيان الناس وعامتهم على التجمُّل في الأعياد حتى إن الرجال كانوا يتزينون بالصبغ بالحناء والسواد! ومن جميل ما وقع من ذلك ما ذكره ابن عذاري المراكشي (ت بعد 712هـ/1312م) -في ‘البيان المُغرب‘ ضمن قصة فتح مدينة ماردة الأندلسية 94هـ/713م- من أن قائد الفتح موسى بن نصير (ت 97هـ/716م) كان حينها قد شاب، فجاءه الروم مرّة فوجدوه أبيض الرأس واللحية، ثم جاؤوه وقد صبغه بالحناء، ثم جاؤوه ثالثة "وذلك يوم عيد الفطر؛ فألفوه قد سوَّد رأسه ولحيته؛ فرجعوا إلى المدينة وقالوا لمن فيها: ويحكم! إنما تقاتلون أنبياء يتشبَّبون (= يصيرون شبابا) بعد المشيب! قد عاد ملكهم حَدَثاً (= شابًّا) بعد أن كان شيخا!؛ فقالوا: اذهبوا إليه وأعطوه ما سألكم! فوصلوا إليه وصالحوه"؛ وقد كان موسى يتزين للعيد غير عالمٍ بما يدور في صدور أعدائه بسبب تلك المصادفة العجيبة!!

ويبدو أنه كان من عادة بعض المجتمعات في الغرب الإسلامي أن يخضب العريس من الرجال يديه بالحناء في العيد، كما جاء في نازلة فقهية سجلها العلامة مَيّارة الفاسي (ت 1072هـ/1662م) في ‘الإتقان والإحكام‘، وذكر فيها أن "الزوج فعل عادة أهله من تحنئة يديْه وجاء العيد فبعث للزوجة كبشا [هديةً]، وكان عازما على البناء والعرس فاخترمته (= اختطفته) المنية"!!

وكان للرجال –من المسلمين وغيرهم- زينتهم كلّ في عيده، ومن أطرف ما ذُكر من تفاصيل ملابس الرجال ما نقله الخطيب البغدادي (ت 463هـ/1071م) -في ‘تاريخ بغداد‘- عن رجل يدعى أبا قابوس -وكان مسيحيًّا- روى قصة كسوته على يد جعفر بن يحيى البَرْمَكيّ (ت 187هـ803م)؛ فقال: "دخلت على جعفر.. في يوم بارد فأصابني البرد، فقال: يا غلام اطرح عليه كساء من أكسية النصارى فطرح عليّ كِساء خَزٍّ (= نوع من حرير) قيمته ألف! قال: فانصرفت إلى منزلي، فأردت أن ألبسه في يوم العيد فلم أصِبْ له في منزلي ثوبا يشاكله، فقالت لي بنيةٌ لي: اكتب إلى الذي وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثياب…"؛ فكتب إليه قطعة شعريةً يستوهبه فيها أربعة أثواب إضافية سماها بأسمائها، ومنها قوله:

أبا الفضل لو أبصرتَنا يومَ عــيدِنا ** رأيتَ مبــــاهاةً لنا في الكنــائس

فلا بدّ لي من جُبّة من جِــــــبابكم ** ومن طيـلسانٍ من جياد الطيالس

إذا تمت الأثوابُ في العيد خمسةً ** كفتْكَ فلم تحتج إلى لبْسِ سـادس!

أما النساءُ فكُنّ يعتنين بصبغ الثياب أيضًا، وكان يُعنى بذلك فضلاء الناس وعلماؤهم وكبراؤهم ولا يرون فيه حرجًا؛ فقد روى ابن عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- عن حفصة بنت سيرين (ت 101هـ) -وهي أخت الإمام الكبير محمد بن سيرين (ت 110هـ)- أنها قالت: "كانت أم محمّد [بن سيرين] امرأة حجازية، وكان يعجبها الصبغ، وكان محمّد إذا اشترى لها ثوبا اشترى ألْيَنَ ما يجد..، فإذا كان كلّ يوم عيد صبغ لها ثيابها"؛ فكان هذا الإمام متكفّلًا بثياب أمه وصبغها لها في العيد!

ولما كان هذا هو حال القوم في التزيّن فلم يكن بُدٌّ من أن يظهر جمالُ النساء في العيد أكثر من غيره؛ فها هو الإمام ابن الجوزيّ (ت 597هـ/1175م) يروي لنا -في ‘المنتظم‘- قصة تحقيقٍ منزليّ ظريف خضع له الفقيه التابعي الزاهد حسان بن أبي سنان (ت 54هـ/674م)، فيقول إنه "خرج يوم العيد، فلما رجع قالت له امرأته: كم امرأةً حسنة قَدْ رأيتَ اليوم؟ فلما أكثرتْ قال: ويحكِ! ما نظرتُ إلا في إبهامي منذ خرجتُ من عندك حتى رجعتُ إليك"!! ويروي البلاذري (ت 279هـ/892م) -في ‘أنساب الأشراف‘- أنه "لما قدم الحَجّاجُ (الثقفي ت 95هـ/715م) البصرةَ حضر العيدُ (= عيد الفطر 75هـ/695م) فرأى كثرة من حضر من النساء، فقال: إن تُرِك أهلُ الشام وهؤلاء أفسدوهن، فابتنى قصره واتخذ فيه حائرا (= مكان محوّط) طويلا أكثر من مِيل، وأنزله أهل الشام لا يخالطهم عراقي"!!

وربما رافقت احتفالات العيد حوادث تحرّش بالنساء وإن ظل يُنظر إليها بوصفها مُنكرًا كبيرًا، ويدلُّنا على ذلك أن حربًا وقعت بسبب واقعة تحرّشٍ في العيد حدثت بقرطبة أيام دولة المرابطين؛ فالمؤرخ ابن الأثير (ت 630هـ/1233م) يذكر -في ‘الكامل‘- أنه في 514هـ وقعت "فتنة بين عسكر أمير المسلمين علي بن يوسف [بن تاشفين ت 537هـ/1143م] وبين أهل قرطبة". وسببها أنه لما كان "يوم الأضحى خرج الناس متفرجين، فمدّ عبدٌ من عبيد أبي بكر (= قائد الجيش) يده إلى امرأة فأمسكها، فاستغاثت بالمسلمين فأغاثوها، فوقعـ[ـت] بين العبيد وأهل البلد فتنة عظيمة، ودامت جميع النهار والحرب بينهم قائمة على ساق"، في معركة متعددة الجولات انتهت بهزيمة مُذلّة للسلطة ورضوخها لمصالحة السكان؛ فهؤلاء أهل بلد ثاروا على أميرهم وعسكره، وقاتلوهم قتال المستميت لأجل واقعة تحرّشٍ واحدةٍ وقعت يوم عيد!!

مراكب ومواكب

كانت المواكب الرسمية من أهمّ مشاهد العيد التي كانت الدولة تحرصُ عليها، وتظهر من خلالها هيبتها وقوتها واعتداد حكامها بأبهة سلطانهم، وفي تفاصيلها العجبُ العجاب. فقد أورد ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- ضمن رصده لأخبار الخليفة العباسي المقتفي (ت 555هـ/1160م) أنه "خرج يوم العيد (= عيد الفطر 553هـ/1158م) الموكبُ بتجمُّل وزِيٍّ لم يُرَ مثله من الخيل والتجافيف (= ما تُلبَسُه الخيل ليقيها الجراح) والأعلام وكثرة الجند والأمراء"!

وكانت للعباسيين طقوسٌ في العيد سبق منها حملُ الحربة التي تُنسب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتشبهه أيضًا "البردة" المنسوبة إليه والتي "توارثـ[ـها] بنو العباس.. خلَفًا عن سلف، [فـ]ـكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه (= النبي) في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب ويبهر به الأبصار، ويلبسون السواد [وهو شعارهم] في أيام الجمع والأعياد".

وكان العيدُ أحيانا مناسبةً لتذكير الأمّة بمقام الخليفة باعتباره الملك المتعالي على رعيّته حتى كبار موظفيه وخاصته، فلم يكن من عادته أن يجلس أحد بجواره يوم العيد؛ فقد جاء عند الذهبي (ت 748هـ/1348م) -في ‘تاريخ الإسلام‘- أن قاضي الفاطميين عبد العزيز بن محمد بن النعمان (ت 401هـ/1011م) "عَلَتْ رُتبته عند [خليفتهم] الحاكم (ت 411هـ/1021م) إلى أن أصعَده معه عَلَى المنبر في يوم العيد".

ومن عجبٍ أن تجد عدم إجلاس أحدٍ إلى جوار الحاكم الأعلى أو سيره بمحاذاته في الموكب أمرًا ينافح عنه المؤرخون؛ يقول ابن تَغْرِي بَرْدِي: "وفيها (= 289هـ/902م) صلّى [الخليفة] المكتفي (ت 295هـ/907م) بالناس يوم عيد النحر، وكان بين يديه ألوية الملوك، وترجّل الملوك والأمراء بين يديه ما خلا وزيرُه القاسم بن عُبيد الله (ت 291هـ/904م) فإنه ركب وسايره دون الناس؛ ولم يُرَ قبل ذلك خليفةٌ يسايره وزير غيره"! ثم يضيف ابن تغري بردي معقّبًا: "وهذا أوّل وهنٍ وقع في حقّ الخلفاء! وأنا أقول: إنّ المعتضد (ت 289هـ/902م) هو آخر خليفة عقد ناموس (= صان هيبتها) الخلافة، ثم من بعده أخذ أمر الخلفاء في إدبار إلى يومنا هذا"!!

رغم أنّ الصحابة الكرام كرهوا حمل السلاح في العيد -إلا ما كان من شأن الحربة النبوية- حتى بوَّبَ الإمام البخاريّ -في صحيحه- بقوله: "باب ما يُكره من حمل السلاح في العيد والحَرَم"؛ فقد تأصّل -منذ حكم الأمويين- تقليدُ تنظيمِ الاستعراض العسكريّ. ثم لم يلبث خلفاؤهم أن جعلوا حمل السلاح من مظاهر العيد؛ فقد ذكر المؤرخ ابن الأثير أن الخليفة يزيد بن الوليد (ت 126هـ/744م) كان "أول من خرج بالسلاح يوم العيد، خرج بين صَفَّين عليهم السلاح"! ثم صارت هذه عادةً تواطأ عليها الخلفاء والملوك حتى من أعداء بني أمية كبني العباس والفاطميين.

فهذا إبراهيم بن محمد البيهقي الكاتب (ت نحو 320هـ/933م) يحدثنا -في ‘المحاسن والمساوئ‘- عن استعراض عسكري هائل نظمه الخليفة المعتصم (ت 227هـ/843م)؛ فيقول: "حضر العيدُ فعبَّى المعتصم بالله خيله تعبيةً لم يُسمع بمثلها ولم يُرَ لأحد من ولد العباس شبيهٌ بها، وأمر بالطريق فمُسح من باب قصره إلى المصلى، ثم قسم ذلك على القُوّاد وأعطى كلَّ واحد منهم مَصافَّه (= موقعه بالصف)، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القواد وأصحابهم في أجمل زي وأحسن هيئة فلزموا مصافَّهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم بالله إلى المصلى..، ولبس ثيابه وجلس على كرسي ينتظر مُضِي القواد، فلما انقضى أمرُهم تقدم إلى الرجالة في المسير بين يديه، فتقدم منهم سبعة آلاف ناشب (= رامٍ) من الموالي كل ثلاثمئة منهم في زي مخالف لزي الباقين"!!

ويذكر ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- عرْضا مشابها للسابق وقع 549هـ/1155م؛ فيقول إنه "خرج العسكر في عيد الفطر على زي لم يُرَ مثله لاجتماع العساكر وكثرة الأمراء"!! بل وصارت مواكب العسكر ذاتَ حرمةٍ بالغة، يُعاقب المتسبب في تخريبها بالموت! قال الذهبيّ في ‘تاريخ الإسلام‘ ضمن أحداث سنة 528هـ/1134م: "ثمّ إنّ الخليفة (= المسترشد بالله ت 529هـ/1135م) خَلَع على الأمراء (= كساهم كُسوة العيد)، وعرَض الجيشَ يوم العيد، ونادى: لا يختلط بالجيش أحد، ومن ركب بَغْلًا أو حمارًا أُبيح دَمُه"!!

عروض منوعة

من أمتع مشاهد تقاليد العيد في المجتمعات الإسلامية تلك التي رصدها بدقة الرحالة ابن بطوطة (ت 779هـ/1378م) في مختلف بقاع الإسلام وضمّنها رحلته الشهيرة. ومنها مشهد العيد في إحدى سلطنات بلاد الروم [تركيا اليوم]؛ حيث يقولك "وأظلنا عيد الفطر (733هـ/1333م) بهذه البلدة فخرجنا إلى المصلى، وخرج السلطان (يَنَنْج بك ت بعد 338هـ/1337م) في عساكره والفتيان الأخِية (= جماعات الفتوة) كلهم بالأسلحة، ولأهل كل صناعة الأعلام والبوقات والطبول والأنفار، وبعضهم يفاخر بعضا ويباهيه في حسن الهيئة وكمال الشِّكة (= السلاح)، ويخرج أهل كل صناعة معهم البقر والغنم وأحمال الخبز، فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصدقون بها بالخبز، ويكون خروجهم أولا إلى المقابر ومنها إلى المصلى. ولما صلينا صلاة العيد دخلنا مع السلطان إلى منزله، وحضر الطعام فجُعل للفقهاء والمشايخ والفتيان سماطٌ على حدة، وجُعل للفقراء والمساكين سماط على حدة، ولا يُرَدُّ على بابه في ذلك اليوم فقير ولا غني"!

ومن أعجب ما رُؤي في مواكب الملوك إحضارُ الحيوانات البريّة والأسود وغيرها لاستعراضُها أمام الموكب؛ فالجاحظ (ت 255هـ/869م) يخبرنا -في ‘الحيوان‘- عن مشاهداته في أحد الأعياد قائلا: "خرجتُ يوم عيد فلما صرت بعيساباذ (= منطقة كانت ببغداد) إذا أنا بتَلٍّ مُجَلَّل بقُطوع ومقطّعات، وإذا رجال جلوس عليهم أسلحتهم، فسألت بعض من يشهد العيد فقلت: ما بال هذه المَسْلَحَة (= الحراس) في هذا المكان وقد أحاط الناس بذلك التل؟ فقال لي: هذا الفيل"!

وقد سجّل المقريزيّ -في ‘اتّعاظ الحنفا‘- مشاهد عيد سنة 395هـ/1004م فذكر أنه "ركب [الخليفة] الحاكمُ يوم عيد الفطر..، وقُيّدَ بين يديه ستةُ أفراس -بسروج مرصّعة بالجوهر- وستة فيَلة وخمسُ زرافات! فصلى بالناس صلاة العيد وخطبهم"! كما ذكر ابن بطوطة استخدام الفيلة في احتفالات المسلمين الهنود بأعيادهم؛ فقال إنه "إذا كانت ليلة العيد بعث السلطان إلى الملوك والخواص وأرباب الدولة والأعزة (= ضيوفه من الغرباء).. الخِلَع (= الثياب التي يُهديها السلطان) التي تعمُّهم جميعا، فإذا كانت صبيحة العيد زُينت الفيلة كلها بالحرير والذهب والجواهر، ويكون منها ستة عشر فيلا لا يركبها أحد إنما هي مختصة بركوب السلطان"!

ولئن كان أكثر الخلفاء والأمراء يبالغون في مظاهر البهرجة والتفاخر في الأعياد، فلم يُعدم من يرى الفخر الحقيقيّ بالإنجازات العملية لصالح الشعوب والأوطان؛ فقد ترجم سبط ابن الجوزي (ت 654هـ/1256م) -في ‘مرآة الزمان‘- للقائد البويهي أبي الطاهر المشطّب المُلقّب بالسعيد (ت 408هـ/1018م) فقال فيه: "وكان السعيد سعيدًا كما سُمِّي، كثيرَ الصدقات فائضَ المعروف كثيرَ الإحسان، حتى إنَّ أهل بغداد إذا رأوا مَنْ لبس قميصًا جديدًا قالوا: رحمَ اللهُ السعيدَ؛ لأنه كان يكسو اليتامى والمساكين والضعفاء، وهو الذي بنى قنطرة العراق وقنطرة الخندق -عند باب حرب- والياسرية والزياتين وغيرها..، وأخرج الإسْفَهْسِلَارِيَّةُ (= قادة العسكر) يومَ العيد الجنائبَ (= خيول تُعرَض غير مركوبة) بمراكب الذهب وأظهروا الزينة، فقال له بعض أصحابه: لو كان لنا شيءٌ أظهرناه! فقال له السعيد: إنه ليس في جنائبهم قنطرةُ الخندق والياسرية والزياتين"!!

وكان من زينة العيد عندهم أن يصنعوا الخيام والقباب، وكانت هذه القبابُ مقرّات للاحتفال ومكانا للأكل والشراب واللهو، ويُبذل في صناعتها وتزيينها ما يثيرُ العجب! ويصفُ لنا بتفصيل جميل الإمامُ ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- خيمة الخليفة بعيد أضحى؛ فيقول إنه في "يوم النحر (520هـ/1126م) أمر أمير المؤمنين [المسترشد بالله] بنصب خيمة كبيرة وبين يديها خيمة أخرى..، ونصبوا في صدر الخيمة منبرا عاليا، وحضر خواص الخليفة ووزيره والنقباء وأرباب المناصب والأشراف والهاشميون والطالبيون وخَلقٌ من الوجوه (= الأعيان)، وأقبل الخليفة -ومعه ولده الراشد (ت 530هـ/1136م) وهو ولي عهده- فوقف إلى جانب المنبر وصلى بالناس صلاة العيد، وكان المكبِّرون خطباء الجوامع".

أما إذا اقترن العيدُ بانتصارٍ عسكريّ فإنّ الزينة تتضاعف ويُبالغ في الاحتفاء بالقادة العسكريين؛ فهذا الإمام الذهبي يرسم لنا -في ‘تاريخ الإسلام‘- صورة لاجتماع العيد والنصر في يوم واحد، والقِبَاب العجيبة الاختراع التي أنشئت للاحتفالات بذلك سنة 547هـ/1152م: "ثمّ عاد [الخليفة المقتفي] إلى بغداد مؤيَّدًا منصورا [بإنهائه فتنة نشبت في واسط]، فغُلِّقت بغداد وزُيِّنَتْ وعُمِلَت القَبَاب، وعمل الذَّهَبيّون (= صاغة الذهب) بباب الخان العتيق قُبَّة عليها صورة [السلطان السلجوقي] مسعود (ت 547هـ/1152م) وخاصّ بك (القائد التركماني ت 548هـ/1153م) وعبّاس (= عباس الشِّحْنَة/مدير الأمن العام ت 541هـ/1146م) بحَرَكاتٍ تدور، وعُملت قباب عديدة عَلَى هذا النّموذج. وانطلق أهل بغداد في اللّعب.. واللَّهْو إلى يوم عيد النَّحْر [من السنة نفسها]"!!